; المجتمع القافي العدد 1537 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع القافي العدد 1537

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 81

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 48

السبت 01-فبراير-2003

           الحذاء الأبيض

   د. عبد المطلب بن أحمد السح

كنت في العيادة عندما سمعت طفلًا يبكي وأمه تحاول إسكاته، دخلا العيادة، فحصته، كتبت الوصفة، لم يكن المرض يبكيه، كان هناك سبب آخر، سألت الأم، أجابتني: لا شيء يا دكتور، الأولاد هكذا أنت تعرف. شعرت أن كرامة نفسها منعتها من الإفصاح عن الحقيقة، مددت يدي إلى تفاحة كبيرة وناولته إياها، فاجأني بقوله: أريد حذاءً أبيض. خجلت الأم وحاولت نهره، ابتسمت وقلت لها: يا أم ماجد أنا مثل أخيكم، وماجد مثل ابني، قالت: يا دكتور أنت تعرف العين بصيرة واليد قصيرة. قلت لها: لا تكملي يا أم ماجد، تعالي يا فاطمة - ناديت على ممرضتي وقلت لها: اليوم بعد نهاية الدوام ستأخذين ماجد إلى بائع الأحذية وتشترين له الحذاء الذي يريد. سكت الطفل على وعدي، وحاولت أمه شكري، ولكنني سارعت لتغيير الحديث فسألتها عن أبي ماجد وعن صحته، ودَّعتني وقلبها يزين أركان عيادتي بدعاء مستجاب.

 كانت عائلة أم ماجد تعيش فقرًا لم يستطع أن يقضم إباءها، كان ماجد يحلم بحذاء كان يراه على واجهة محل قريب، فكان يتكلم خلال نومه قائلًا: «بوط» جديد يا ماما، اليوم عيد يا بابا». كانت أمه تتألم وتبكي عندما تسمع الحلم ينساب من بين الشفتين الرقيقتين. أما الأب فكان يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، كانت أمه تعده بشراء الحذاء العيد القادم، وكانت صادقة النية، ولكن ما إن تجمع بعض النقود حتى يبددها جديد الأيام، ويبقى بعيدًا عيد الصغير.

 في المساء ذهبت الممرضة إلى بيت الطين والأسقف الخشبية واستأذنت سيدة دامعة العينين بأخذ ماجد، كانت ربة البيت تقول: «يا خجلتنا منكم أتعبناكم معنا، روح الله يوفقك يا دكتور، الله يستر عليك يا بنتي ويعطيك ابن الحلال».

ذهبت فاطمة وماجد إلى المحل، وصدم الصغير عندما لم ير الحذاء المقصود على الواجهة، دخلا المحل، ركض ماجد باتجاه حذاء مركون في الزاوية يبدو أن أحد الزبائن قد جربه، حمله بلهفة، ضمه إلى صدره، انتعله، وصار يمشي كمن يطير، نسي مرضه وآلامه، حاول أن يسابق الريح لولا أن الممرضة أمسكته من يده خوفًا عليه من سيارات الطريق.

كنت أعلم أن الحذاء عزيز على قلوب الأطفال، وكنت أرى كيف أن أطفالي ينتعلون أحذيتي وأحذية أمهم ويمشون بها بسعادة لا توصف بكلام وبخيلاء طفولية يصمت أمامها البيان، كنت أعرف أن خزانة الأحذية الصغيرة قرب الباب كانت بيت الألعاب المحبب لابنتي الصغيرة، حتى إن جدار عيادتي كان يفتخر بصورة معلقة على صدره، لقد كانت صورة طفلة تنتعل حذاء أمها وهي ترفع ثوبها قليلًا لترى الحذاء والسرور يرسم محياها، لكنني حقيقة لم أكن أعلم أن الحذاء قد يصبح حلمًا يحتضن ما سواه.

وصل ماجد إلى بيت أهله، وهناك جن جنونه، صار يرقص بالحذاء كما البلابل، ومن ثم يخلعه ليمسحه وينظفه، ثم يأخذه ويضعه بأناة في خزانة الملابس الخشبية اليتيمة، وبعد ذلك يفتح الباب الذي لا يقفل ليأخذ الأمير الأبيض ويجعله يعتلي الكرسي كي يحلو له تأمله، ثم يلهو أمام باب الدار ليراه أطفال الحي، ولا يلبث أن يعود ليجلس على سرير تكسرت نوابضه ويمد ساقين نحيلتين يبتسم الحذاء عليهما، وبقي على تلك الحالة حتى ساعة متأخرة من الليل، لقد كان يوم عيد عنده وعند أهل آخر العنقود.

 لم يحاول النوم إلا بعد أن تعب حقًّا، ولكن ما إن وضع رأسه على وسادة بدون غطاء حتى نهض مسرعًا نحو الباب ذي الشقوق، بحث عن الحذاء في الظلمة حتى وجده، تفقده، ووضعه في زاوية من البيت اختارها لغاية في نفسه البريئة وعاد لينام، لكنه نهض ثانية ولمس الحبيب، ومن ثم غطاه بجريدة كانت تلعب بأوراقها رياح مندسة عبر النافذة المخلوعة، وعاد لينام، أعاد الكرَّة وأمسك بالحذاء وأدناه من السرير ونام قرب الحافة ورأسه يتحرك لخارجها من حين لآخر ليدع العينين تطمئنان.

 لم تعد الأم تتمالك نفسها من الضحك، واختلط سعال الأب بضحكاته، وقال: الله يعطيك يا دكتور من عطاياه. حمل الصغير الحذاء وأودعه تحت الوسادة، وكان يجلس مرارًا ليرى الحذاء ينعم بالدفء، ومن ثم وجد أنه من الأنسب أن يحتضن الحلم وينام، ولكنها لم تكن إلا لحظات حتى نهض وانتعل الحذاء الأبيض، وجمع جسده الهزيل، ومد يده لتلامس الحذاء وأخلد إلى النوم.

قضية قديمة متجددة

الشيخ أمل المهدي والحكاية رقم44

إيمان سالم البهنساوي

يقول نجيب محفوظ في الحكاية رقم ٤٤: كانت الزاوية حديثة وكان إمامها وقتذاك الشيخ أمل المهدي، يقول عنه: صعد الشيخ إلى شرفة المئذنة ليؤذن الفجر فانتبه إلى صوت يصدر عن البيت المواجه للزاوية، مد بصره نحوه فرأى امرأة تفتح النافذة ورجلًا يطبق يده على فمها ليمنعها من الاستغاثة، ثم يجذبها إلى الداخل تحت المصباح الغازي المضيء ثم ينهال عليها ضربًا بشيء في يده حتى تهاوت ساقطة. عرف المرأة كما عرف الرجل، أما المرأة فهي الست سكينة أرملة صاحب مقلى، وأما الرجل فهو المعلم محمد الزمر صاحب وكالة خشب (ص۹۱).

وخان الشيخ صوته فلم يستطع أن يؤدي الأذان، وكان المعلم محمد الزمر هو من تبرع ببناء الزاوية، أي المسجد، وهو الذي اختار الشيخ إمامًا لها ورتب له أجره.

وهكذا فالكاتب يريد أن يخبرنا بأن من يتبرع ببناء المساجد قاتل وسارق وزانٍ. يقول: «ولم يستطع الشيخ أن يبوح بما يعرف، ثم هرول إلى الزاوية فأغلقها على نفسه بالمفتاح والمزلاج، وعند مغرب اليوم الثالث فاجأ أهل الحارة بظهوره في شرفة المئذنة.

 ووقف الشيخ أمل عاريًا تمامًا.

ومضى يدور في الشرفة متبخترًا ويغني بصوت متحشرج: 

أما أنت مش قد الهوى

بس تعشق ليه؟

هكذا يقدم نجيب محفوظ المتدينين بأنهم اللصوص والقتلة ويستترون في بناء المساجد.

 أما أئمة المساجد فلا يستطيعون الثبات على الأخلاق والقيم إذا ما رأوا المرأة، فهذا هو الشيخ أمل المهدي يقدمه نجيب محفوظ على أنه لم يستطع الثبات عندما رأى أرملة صاحب المقهى في أحضان الثري محمد الزمر، ثم ظهر عاريًا تمامًا يغني بالغناء سالف الذكر، وهذه هي وسائل الشيوعيين لهدم الدين.

ويقول في الحكاية ٦٨: «عبدون اللَّاله «نشيط ذو همة عالية» يعمل من طلعة الصبح حتى أول الليل، لا يرتاح ولا يهمد، لا يتذمر ولا يشكو، المعلم يقدره والزبائن يحبونه، يصلي العشاء في الزاوية، يحضر الدرس، يواخي الإمام ويسترشد بآرائه فيما يعنّ له من مشكلات» (ص١٥٦).

ما أعجبه في حارتنا، كأنه لا يسمع سبابها، ولا يشهد منازعاتها ولا يتعامل مع أهل المعاصي والفتن من أهلها، (ص ١٥٧).

 وذات يوم ظهر في الحارة بجلباب أبيض كالحليب وطاقية مزركشة ومركوب أحمر. وكلما التقى بصاحب له عانقه أو بذي مقام قبَّل يده، وقد أضرب عن العمل ولم ينطق في ذلك اليوم إلا بجملة واحدة قال: 

  •  اقتربت الساعة.
  • ويختفي ساعة ثم يلوح فوق سطح القمر وهو يستقبل الحارة بوجهه صامتًا.
  • وينتحر عبدون اللاله.

يثب من أعلى السطح فيتهاوى حتى يرتطم بعنف بأرض الحارة ثم يموت منتحرًا!

يقول: أن أعرف لماذا أحيا أسهل كثيرًا من أن أعرف لماذا انتحر عبدون.

هكذا يقدم نجيب محفوظ المتدين في هذا المظهر غير المتزن والمقترن بخلل في العقل يؤدي إلى ترك العمل والهذيان بالكلمات ثم الانتحار!

 

المجتمع الثقافي

المثقف... وصدق الكلمة

محمد السيد

ترنو إلى الأفق البعيد بعيني فارس، يبحث عمن يحمل هم النهوض والإنقاذ، فلا تجد إلا انقلابًا خاسئًا حسيرًا للبصر والإبصار، وتقول لنفسك معزيًا: كم شقي أقوام بعلم ومعرفة لم يكونا إلا سراب، نهارات قائظة، حملها مثقفون لم تسعفهم الهمم على حمل الصدق والعزم، ولم يكتل الواحد منهم من نعمى المؤهلات التي تشكل زهرة الإبداع في صفة المثقف.

وتعرج على الديار، وأطلال الثقافة لتقول: 

  • المثقف رائد والرائد لا يكذب أهله، مهما ادلهمت الخطوب، وعظمت التضحيات، لأنه يعلم علم اليقين أن الكذب في مثل حاله خيانة، خيانة للمبادئ، وخيانة للنفس، وخيانة للأمانة التي يحملها، وخيانة للشعوب والأوطان، وهي في النهاية خيانة مركبة تراكمية.

  • والمثقف مسؤول، والمسؤولية حساب، حساب ربح وخسارة، لكن الحساب في حالة المثقف ليس حساب مادة، إنما هو حساب مواقف ورجولة ومروءة وشهامة وقيادة ومبادئ، تعمل جميعًا في آن واحد، لتكون الحياة الفردية والعامة ذات معنى وغايات سامقات، لا تدخل فيها همهمات الأنانيات الفردية، ولا حسابات التسلق والوصول، ولا دندنات حظوظ النفس واطئة الأهداف والطموح، ولا تراجعات الجبن والتخاذل أو وسوسات الطمع ومخاذل الشياطين والأزِّ الموجع.

  • والمثقف مجاهد في معركة الأوطان والأمم، فهو بهذا المعنى أستاذ معرفة، تحيط بكل مقومات مهمته، وتدرك إدراكًا شاسعًا الأبعاد والمرامي والوسائل والمحيط والظروف.

  •  وهو في المعنى ذاته، مناضل لا يلين، ولا يستكين، نائيًا بنفسه عن ثقافة العبور المذلة، وعن ثقافة السوق المزرية بالهمة، فضلًا عن ثقافة التبرير المضلة، وثقافة الاستعلاء الانعزالية. 

          وهو ضمن هذا المعنى الصادق الصدوق المضحي بوقته وماله وجاهه، بل بنفسه، من أجل غايته المتمثلة في رفعة أمته، وتقدم وطنه، والحفاظ على مبادئه وإيمانه.

والمثقف حامل هم، فهو لا ينطلق من فراغ ولا يتحرك بلا هدف ولا غاية، بحيث تجتاله الشياطين لتضعه أنَّى حطت أهواء نفسه، أو رمت به أبصار طموحاته الدنيوية القريبة من الطين، بل هي الطين ذاته.

إنه في الحقيقة متأبط هم عظيم، وعبء ثقيل، وحياة تستحق أن تعاش، وينسأ لها في أجلها، إذ إنه ساعٍ لإنقاذ ما يستطيع إنقاذه من حالة التردي التي تناوش قلب أمته، وذلك لكي يتم الصعود بها إلى مراقي الفلاح والصلاح متجاوبًا تجاوبًا عظيمًا مع كل الزملاء من المصلحين المجاهدين، مثابرًا على العمل من خلال الصدق والعزم والعلم النافع، والإيمان المرجو لحسن الخاتمة. وقديمًا قال ابن المقفع في أدبه الصغير قولًا يراود هذا المعنى مراودة اقتراب وحث، نرى أنه من المستحسن جلبه الآن في هذا السياق: «أغني الناس أكثرهم إحسانًا»، قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء؟ قال غريزة عقل، قال: فإن لم يكن؟ قال: فتعلم علم، قال: فإن حُرمه؟ قال: سكوت طويل. قال: فإن حرمه؟ قال: ميتة عاجلة».

وبعد: فهذه بعض صفات وحيازات أدبية ونفسية، تجعل من المثقف رجل الكلمة الصادقة المؤثرة المنقذة المصلحة، لا مثقف لقب وحسب، يسعى إليه ذووا الهمم الوضيعة ممن يغريهم أن تفتح لهم بوابات وسائل الإعلام، ليقولوا ما يطلب منهم، أو ما يعلمون أنه مطلوب منهم، أو ما يسلك الطريق إلى المقامات الثقافية والكلامية التي تصنع الشهرة المفرغة من الجوهر والحق، ولسان حالهم يقول: ليكن بعد ذلك ما يكون من تجاوز للحقيقة والحق والعدل، ولترتكب الجرائم بحق صدق الكلمة، وبحق سلاسة القبول وعذب الاستجابة، وليجهز على الإنقاذ والنهوض، ولتلون الكلمة والثقافة حينئذ بلون الارتزاق.

 


 

في نظرية الأدب الإسلامي

مجالات الأدب الإسلامي واسعة ولا تقتصر على الجانب الديني

*في قصيدته «بانت سعاد» عبر كعب بن زهير عن عاطفته دون إسفاف، ولم ينكر عليه الرسول ﷺ.

 

د. وجيه يعقوب السيد

قد يظن البعض أن الأدب الإسلامي هو ذلك الأدب الذي يتحدث عن العقيدة الإسلامية والموضوعات الدينية، كالحديث عن الصوم والصلاة والجهاد في سبيل الله، أما سائر الموضوعات الإنسانية والعاطفية والحياتية، فلا شأن للأدب الإسلامي بها.

ولا شك أن هذه مغالطة واضحة تحتاج إلى تصحيح وبيان، فعلى الرغم من أن هذه الموضوعات الدينية لها أولوية وأهمية كبرى في نظرية الأدب الإسلامي، فإنها جزء من اهتمامات هذه الأدب، وليست كل شيء فيه، فالأدب الإسلامي يتسع للموضوعات الدينية، وغيرها من الموضوعات التي تمس حياة الإنسان وواقعه من قريب أو بعيد، بشرط أن يتوخى الأديب التعبير عن هذه الموضوعات بما يتفق مع الرؤية الإسلامية.

التصور الإسلامي للحياة والإنسان تصور رحب، يرى الإنسان بشقيه المادي والروحي وينظر إلى الحياة بمباهجها ومنغصاتها، ويرقب الكون في كل حالاته. ولا شك أن الأدب الناشئ في أحضان هذا التصور من المفروض أن يتسع ليشمل قضايا الإنسان والوجود كافة، دون أن يحظر على الأديب موضوع معين. 

وحين نتأمل في تراثنا الشعري القديم نجد أن الشاعر المسلم قد عبر عن عاطفته بوضوح، وتحدث عن القيم الدينية والخلقية جنبًا إلى جنب مع شعره عن النفس وتطلعاتها وآمالها وآلامها، مقتديًا في ذلك بالقرآن الكريم والسنة المشرفة.

 وتحدث القرآن الكريم عن كل ما يهم الإنسان في دينه ودنياه وعاقبة أمره، وتحدث الرسول ﷺ حديثًا مفصلًا عن الطبيعة البشرية والنفس الإنسانية، وكانت حياته تجسيدًا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، فهو يعبد ربه ويؤدي فرضه، ويبتسم في وجه أخيه، ويمزح ولا يقول إلا صدقًا، حتى إذا انخرط في الصلاة فكأنه لا يعرف أحدًا، ولا يعرفه أحد.

 وحين قدم كعب بن زهير على الرسول ﷺ وأنشد بين يديه قصيدته الشهيرة التي بدأها بقوله: «بانت سعاد» استمع إليه الرسول ﷺ وأعجب بقصيدته، وخلع بردته وألبسه إياها، تعبيرًا عن رضاه بما سمع.

والمتأمل في هذه القصيدة يلاحظ أن كعب بن زهير يعبر فيها عن عاطفته البشرية، ولكن بشكل لا إسفاف فيه، لذلك لم يعترض الرسول ﷺ.

أما إذا خرج الأدب عن قواعد السلوك أو الذوق فإن الرسول ﷺ كان يرشد أصحابه إلى الصواب، على نحو ما فعل مع النابغة الجعدي، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فقد كان ﷺ ينكر على الشعراء أي خروج على القيم والمفاهيم الإسلامية، أو أي عودة منهم إلى ما كانوا عليه من قيم ومفاهيم جاهلية، وكان ﷺ يوجههم نحو الصحيح من القول والحسن من الكلام.

وعلى ذلك فإن الأدب الإسلامي مجالاته واسعة، وهو لا يحصر الأديب في نطاق التعبير عن معان دينية فحسب، بل يفسح المجال أمامه للتعبير عن الموضوعات كافة، بشرط ألا يكون في تجربته انحراف أو إسفاف أو غواية.

وعلى هذا فإنه ليس من الضروري أن يتحدث الأدب الإسلامي عن موضوعات دينية فحسب، فقد يتحدث عن الطبيعة وجمالها، وقد يتحدث عن صراع الناس في الأرض، وقد يتحدث عن أي تجربة من التجارب التي قد يكون فيها -بلا شك- بعد إيماني لا يخفى.

 وقد يظن بعض الأدباء، أن الأدب يجب أن يكون مثاليًّا، وأن ينأى الأديب عن تصوير مشاعر الكره والغضب والعنف، وأن يكتفي بالصورة النمطية التقليدية، ولا شك أن هذا تزييف للواقع؛ فالإنسان يحمل في نفسه الخير والشر، وهو يحب ويكره، وينتقم ويعفو، ويتحول من حال إلى حال، ولكي يكون الأدب واقعيًّا -بالمعنى الإسلامي للواقعية- عليه أن يبرز هذه المعاني كلها على حقيقتها البشرية، أي من خلال تأثيرها في نفوس الناس من خلال المشاعر والانفعالات والتصرفات التلقائية لهم.

 والإسلام -كما نعرف- يهتم بحقيقة الشمول والتكامل في النفس البشرية، ولا يبرز الجانب المادي من الإنسان بمعزل عن الجانب الروحي، فالإنسان مزيج من الجسد والروح، لذلك فإن له احتياجات مادية لتلبية مطالب الجسد، كما تحتاج روحه إلى دفعات إيمانية كي تحلق في آفاق رحبة، وتسمو إلى عالم السكينة والصفاء. ولذلك فإن القول بمحدودية مجالات الأدب الإسلامي، قول يجانبه الصواب، ولا ينطبق على العقيدة الإسلامية في واقع الأمر، بقدر ما ينطبق على بعض الإبداعات الأدبية لدى طائفة من الأدباء الإسلاميين حصروا أنفسهم في نطاق ضيق، متصورين أن الأدب الإسلامي لا يكون إلا هكذا.

وهذا منافٍ لطبيعة الأدب في التصور الإسلامي الصحيح، الذي لا يقف عند حدود الموضوعات الدينية والأخلاقية، بل يمتد ليشمل أعماق النفس البشرية، وعلاقة الإنسان بربه وبالغيب، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان والصراع والقلق والتوتر وسائر الصفات الملازمة للإنسان. ويمكن القول بأن التصور الإسلامي أكثر اتساعًا من كثير من المناهج الأدبية التي حددت للأدباء موضوعات معينة، وأرغمتهم على التعبير عنها، ووضعت للأدباء خططًا خمسية يسيرون عليها، على غرار ما يحدث في عالم الاقتصاد والسياسة.

فالأديب في ظل التصور الإسلامي لا يُكره على شيء، ولا تغلق منافذ الإبداع أمامه، وكل الموضوعات البشرية صالحة للتناول، بشرط أن يخضع هذا التناول للرؤية الإسلامية الصحيحة.

 

إصدارات مختارة

لماذا يكذب الجزار؟

يحتوي الكتاب مجموعة من القصص القصيرة التي تصور الواقع وترسم خريطة الأحداث ومجريات الأمور بأسلوب رمزي يفهمه أولئك الذين يعرفون طعم المعاناة ويحسون ألم السياط ويكابدون مرارة الظلم ويفرض عليهم استساغة العلقم ولا يملكون إلا السكوت والاستسلام إذا أرادوا لرقابهم ألا تطالها يد الجزار ولجنوبهم ألا تفتك بها سياط الجلادين. 

المجموعة القصصية حملت اسمها من عنوان القصة الأولى «لماذا يكذب الجزار؟» هذه القصة التي تتمحور حول:

  1.  شخصية المختار -أو العمدة كما يطلق عليه في بعض الأقطار- الذي لا يعرف إلا مصلحته ومصلحة أولاده ويسميها زورًا وبهتانًا المصلحة العامة، وبالمناسبة هو مختار لم يختره أحد.

  2. الأب والأم اللذان نكبا بسلب خروفهما الذي ربياه وتعبا عليه، ومع ذلك لا يملكان أن يبوحا بما يوحي باعتراضهما وتبرمهما بهذه الإجراءات الجائرة.

  3.  الطفلان اللذان يريان الأشياء كما هي ولا يلون رؤيتهما خوف ولا يحسبان الأمور كما يحسبها الكبار.

  4.  الجزار وهو العصا الغليظة التي يلوح بها المختار في وجه كل من يستشعر الظلم، حتى لو لم يبدِ أي اعتراض، وهو الذي يمارس كل المحرمات إرضاء لسيده وولي نعمته ولو تمثل ذلك في التنكيل بالناس أو الاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم، لكن الصغار سيكبرون ويحملون معهم رؤاهم. قد يتملكهم الخوف في لحظة من اللحظات إلا أن الحقيقة التي يحملونها تظل أكبر من الخوف الذي يعتريهم، وهنا تكمن البداية، بداية النهاية لحلكة الظلام. ولئلا يحدث هذا التحول يعمدون إلى تلقين الصغار مآثر الآلهة المزيفة، ويلحون في تلقينهم إياها، خشية أن يخرج من بينهم من يحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها ويفضح زيف الآلهة المصطنعة. 

بهذه الرمزية وبتلك الإيحاءات التي يتلقاها القارئ يصوغ كاتبنا قصصه القصيرة التي تبرز كل واحدة منها جانبًا من المأساة، لكنها مع ذلك تنطوي على إحدى بشارات الخلاص.

المؤلف: عبد الله عيسى السلامة

 الناشر: مؤسسة رم للدراسات والنشر والتوزيع - تلفون ٦٠٦١٠٦ فاكس ٠٦٥٥٠ - عمان- الأردن

ودارت الأيام

«ودارت الأيام» قصص هادفة من الواقع الحياتي المعيش، جاءت هكذا عفو الخاطر ليس فيها من الحبكة والحوار الشيء الكثير، لكن فيها من العبر والدروس ما يجعلها جديرة بالاهتمام، ولئن كان النقاد يرجحون كفة القصة البعيدة عن المباشرة الخالية من الوعظ الصريح، فقد اختار المعد للمجموعة القصصية أن تكون لصيقة بالواقع الذي يحسه المتابع من السطور الأولى، كما اختار أن يعقب على كل قصة بنصيحة أو موعظة تبرز جانب العبرة فيها، بحيث تكون مفصولة تمامًا عن أحداث القصة، وليست متضمنة فيها، كأن تكون على لسان أحد أشخاصها كما اعتاد كتاب القصة الذين يريدون إدخال بعض الأفكار أو القناعات دون الإخلال بالبناء الفني لقصصهم.

إعداد: أحمد الشقيري 

الناشر: مكتبة المنار الإسلامية ت ٢٦١٥٠٤٥- فاكس ٢٦٨٥٤٦٢- ص ب ٤٣٠٩٩ - رمز ٣٢٠٥٤ الكويت- حولي

فارس لا يترجل «ديوان شعر»

قل لمن يبغي خلاصًا وعن المخرج يسأل لا يزيل الذل إلا فارس لا يترجل بهذين البيتين يختم الشاعر قصيدته الأخيرة في الديوان، والتي جاءت بعنوان «فارس لا يترجل» ليثبت في الأذهان وليؤكد حقيقة يراها طريق الخلاص من المعاناة والمرارة التي تعيشها الأمة طريق الخلاص، هذا يتمثل في ذلك الفارس الذي يمتطي صهوة جواده باستمرار، ويغذ السير لا يمل ولا يكل، حتى يبلغ الغاية المنشودة أو يهلك دونها، ليحمل الراية من بعده فارس أو فرسان آخرون يتابعون المسير ولا يترجلون قبل الوصول إلى ما يبتغون. 

على هذا المنوال، وبهذه الأنفاس المتلاحقة التي نسمعها من خلال القصائد التي غطت مساحة الديوان بدءًا من «ملحمة الأقصى»، وهي القصيدة الأولى، ومرورًا بقصائد أعراس النصر ركب البطولة- الفجر الدامي- القنبلة الإيمانية- وانتهاء بالحقيقة المرة- وفارس لا يترجل الذي جعل من عنوانها عنوانًا للديوان كله، على هذا المنوال نسج الشاعر قصائده التي تعبر عن مكنون قلبه وقلوب ملايين العرب والمسلمين.

المؤلف: فيصل بن محمد الحجي

السواك

من طرق تنظيف الأسنان عند غير المسلمين، كما كان شائعًا في أوروبا المضمضة بالبول لتنظيف الفم، ومعالجة أمراض أو مضغ قلب ثعبان أو فأرة مرة كل شهر، وكان الدكتور دولاهاي ١٦٩٤م يعالج الأسنان بتعليق جذور الكرفس بالعنق أو حمل سن شخص ميت، أما الإسلام، فقد اعتنى بالمحافظة على صحة الأسنان ووقايتها من الأمراض وجعل النظافة شرطًا للعبادة في حالة، وواجبًا في حالة ثانية، وأدبًا وخلقًا حض على التزامه والتحلي به في حالات أخرى.

 ومن هذه الوسائل السواك الذي هو مطهرة للفم مرضاة للرب، إلى آخر ما استعرضه الكاتب من الأحاديث والفوائد الصحية التي لا يغني الحديث عنها عن الاستغراق في صفحات الكتاب للإحاطة بهذا الجانب المهم في حياة المسلم الذي تشكل النظافة أبرز سماته.

المؤلف: عبد الله محمد اليوسف الناشر: دار القاسم للنشر – الرياض-١١٤٤٢ - ص.ب ٦٣٧٣ - ت ٤٧٧٥٣١١ - فاكس: ٤٧٧٤٤٣٢

تقولين «ديوان شعر»

اختيارات الشاعر متنوعة، فهو حينًا يختار القمر ليخاطبه ويبثه لواعجه ويفضي إليه بأسراره، وفي حين آخر، يخاطب الليل فيأنس بظلمته، ويناجيه في همس، هذه المرة اختار شاعرنا أن يوجه نبضات وجدانه إلى أقرب الناس إلى زوجته وأم أطفاله، فهو يعبر لها عن صادق حبه ووفائه. ومن خلال الحديث إليها يعرض شكاواه ولواعج قلبه، كما يتعرض للحديث عن الوطن وهمومه وعن الأيام وتقلباتها وعن المستقبل وما يهيئه له، وعن واقع أمته وكيف يرى طريق الخلاص من الانحدار المتتابع، وكيف تستأنف هذه الأمة دورها الرائد، وكل ما تتخيله من قضايا ومتابعات ومشكلات يناقشه ويطرح رأيه فيه وهو لم يخرج عن الموضوع، إنه يتحدث إلى زوجته وكل هذه القضايا التي عرضها لم يحظ بعرضها ناد سياسي، أو منتدى فكري، وإنما هو لقاء أسري بين زوج وزوجته، هل هو نمط متفرد لتغطية الأحداث أم هو الجهد المشترك والوجدان المتفاعل والشفافية المتسامية في الحديث الزوجي، أم هو كل ذلك؟

قراءة الديوان ومحاولة استخراج ما فيه من أحاسيس ووجدانيات تضمن الإجابة عن هذه التساؤلات.

المؤلف: محمود بن سعود الحليبي

نزيف الشهداء

فلسطين المجيدة كم رموها 

وأصلوها المظالم والعذابا

كلمات من قلب يعتصره الألم، وفؤاد جرحت كبرياءه مآسي فلسطين، والمسجد الأقصى الأسير، هذه الكلمات نبض وجدان ولهيب مشاعر وأحزان، كان الشاعر يريد أن يشدو بها في مهرجان المسجد الأقصى، لكن الأحداث المتسارعة أجبرته على المبادرة لنشر عصارة أفكاره ونبض وجدانه ومشاعره تجاه فلسطين، ولتكون رسالة معبرة إلى أبطال جنين ونابلس، وإلى كل صابر في الضفة والقطاع وإلى أمتنا الإسلامية أنه لا بد من الجهاد لتحرير المقدسات.

ويتابع الشاعر نبضاته الوجدانية فيقول: 

تناشدني «ليلاي» وهي حزينة

                      وتسأل هل غاب الرجال الأكابر؟

وتعمد إلى إثارته واستفزازه:

أما هز منك الشعر أركان عزة؟

أما ثار «للأقصى» من العرب ثائر؟ 

لكن الشاعر ينبه إلى أن الكلمات وحدها لن تكون عنوان الخلاص، فهو يذكر ويؤكد: 

والقول ما لم يكن بالفعل مقترنًا.

               فإنه عرض في حيز العدم 

كأنه يقول لنا: إن العواطف وحدها لا تبني الأمم، ولا تحرر المقدسات، فلا بد من الفعل الذي يترجم القول ويحققه ويصدقه وإلا كان نغمة بائسة في معزوفة الأوهام الخادعة.

المؤلف: د زاهر بن عواض الألمعي

من كنوز المعلومات

(۱۰۰۰) سؤال وجواب يتضمنها هذا الكتاب وتغطي جوانب عديدة من العقيدة والشريعة والتاريخ والسلوك والقصص والعبر، والإجابة عن كثير من الأسئلة التي يصعب تحديد مصادرها بحث عنها الكاتب حتى وجدها وقدمها لقارئه معزوة إلى الكتاب أو الآية أو الحديث الذي استنبط منه الإجابة الوافية للسؤال المحير الذي يبدأ عادة بـ من القائل؟ ما دليل؟ أكمل الحديث من الذي؟ في أي مدينة؟ اذكر ثلاثة، ما الفرق؟ ما المقصود؟ من مؤلف؟ اذكر الاختلاف؟ شاعر عاش؟ على من أطلق؟ من صاحب سر؟ من أول؟ إلخ الأسئلة والاستفسارات التي يتعب الباحث في الوصول إلى إجابة عنها بالخوض في بطون الكتب ومراجعة عشرات المجلدات التي يعتقد أنها تحتوي على تلك الإجابات وقد يعود خاوي الوفاض، شكر الله للمؤلف الفاضل الذي وفر عليه عناء الجهد والبحث.

إعداد: مصطفى كامل

الناشر: دار اليقين للنشر والتوزيع

تلفاكس: ۲۱۱۰۰۳-مصر- المنصورة

الموزع المعتمد في الكويت: ٠٠٩٦٥٦٥٠٨٠٥٠


 

النقد والبيان

العلماء المجاهدون المخلصون الذين يعملون بما يقولون ويحرصون على إيقاظ الأمة من سباتها ودفعها لمقارعة المعتدين والتصدي للمنحرفين، هؤلاء العلماء تتعارض جهودهم مع أصحاب المصالح الذين يحسون أن مصالحهم تتصدع، وزيفهم ينكشف بفضل ما يقدمه العلماء المخلصون من بيان يعرون فيه الأوضاع الفاسدة، ويفضحون الطبقات المستفيدة من ذلك الفساد المستشري، لذلك يعمدون إلى الدفاع عن أنفسهم بشراء ذمم بعض المنسوبين للعلم، والذين يجدون عندهم بغيتهم كما يجد هؤلاء عند أولئك ما يطمحون إليه أو يطمعون فيه من متاع زائل وعرض زهيد، وهنا تصبح المعركة في ظاهرها بين فئات من العلماء أو المنسوبين إلى العالم الشرعي بعضهم وبعض، لكن الذين يديرون المعركة في حقيقة الأمر هم أولئك الذين تتضرر مصالحهم ويتقلص استحواذهم واستغلالهم واستغفالهم للناس عندما يصدع أصحاب الحق بحقهم، ويسلطون أضواءهم على جوانب الفساد الذي ينخر في كيان المجتمع.

في هذا الكتاب نقرأ ما يقوله العلماء والمجاهدون المخلصون ردًّا ودحضًا لدعاوى وانعطافات العلماء الذين يعملون لصالح الفئات أو الطبقات الفاسدة التي تمولهم وتدعمهم، وهو تاريخ لمعركة تاريخية لا تنتهي بين المجاهدين المخلصين وبين أصحاب المصالح الشخصية الضيقة، الذين يلتقون في حربهم على أهل الحق مع الانحراف الداخلي والمطامع الخارجية التي تهدد استقلال الأوطان، وحرية أبنائها وحفظ خيراتها.

جدير بالذكر أن الشيخ القسام -أحد مؤلفي الكتاب- هو الذي تتسمى باسمه إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية الباسلة: كتائب الشهيد عز الدين القسام.

المؤلف: محمد كامل القصاب- عز الدين القسام

الناشر: المكتب الإسلامي- بيروت- ص. ب 3771/11

هاتف: 051456280

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

204

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

152

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم