العنوان الحج والعمرة في الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1537
نشر في الصفحة 54
السبت 01-فبراير-2003
منذ ما يزيد على خمس وستين سنة، نشر هذا المقال في جريدة «الإخوان المسلمون»، ولما كان الحنين إلى الماضي فطرة بشرية وجبلة إنسانية. وحيث إنه بعد أيام قلائل يمر واحد وستون عامًا على وفاة الشيخ حسن البنا -يرحمه الله- فقد رأينا إعادة نشر هذا المقال، عسى الله أن ينفع به قراء المجتمع، وأن يزيد به حسنات كاتبه.
الله يتفضل على عباده فيدعوهم إلى بيته العتيق ليغفر لهم ويطهر قلوبهم ويضاعف أجورهم ويجدد أرواحهم
- في القرآن والسنة وعيد شديد لمن استطاع الحج وقعد عنه إهمالًا لشأنه وتضييعًا لحقه وغفلة عن تأكد فرضيته.
عند المناسك تسمو المشاعر وتصفو النفوس.. وتعمل دواعي الإيمان عملها في القلوب.
من أعظم المنافع: اجتماع أهل القبلة على صعيد واحد ليظهروا قوة الإيمان ويبطلوا مكر الشيطان.
تنكير كلمة «منافع» يدل على تنوعها وشمولها وسمو قدرها.
الإمام الشهيد حسن البنا (*)
(*) نشر في جريدة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية العدد ٢٦ بتاريخ ٧ من شوال١٣٥٦هـ، ١٠ من ديسمبر ١٩٣٧م.
الحج فريضة من فرائض الله أمر بها عباده وكلفهم أداءها وأعد لهم جزيل الثواب إن فعلوها، وتوعد بأشد العقوبة من تركها وهو عليها قادر ولها مستطيع، وهو ركن من أركان الدين الخمسة يتم بتمامه وينقص بنقصه، وهو من بين هذه الأركان عبادة العمر وتمام الأمر، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:3). وقد وردت بذلك آيات الكتاب الكريم وأحاديث العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:97).
وهذا تركيب يدل على عظيم العناية بالحج وتأكيد فرضيته، ألست ترى أن الحق تبارك وتعالى اعتبره دينًا له على عباده في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (آل عمران: 97)، وألست ترى أنه تبارك وتعالى يجعل مقابل القعود عن أدائه الكفر وهو أشد المقت، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97)؟ ولم يعهد هذا التركيب في فريضة أخرى في كتاب الله غير الحج؛ تنبيهًا على عظيم قدره وجليل أهميته.
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ (البقرة: 195).
والمعنى: أكملوا الحج والعمرة خالصين لله ممتثلين لأوامر الله مجيبين دعوة الله. ولعلك لاحظت هنا أيضًا في هذه الآية أنه تبارك وتعالى جعل الحج والعمرة ملكًا له تأكيدًا للمعنى الأول وتنبيهًا على مزيد العناية بهذين العملين الجليلين.
وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 27:28).
والمعنى أن الله تبارك وتعالى أمر خليله إبراهيم عليه السلام -بعد أن أتم بناء البيت- أن يعلن فرضية الحج منذ تلك الساعة، فامتثل أمر ربه ونادى في الناس: «أيها الناس إن ربكم بنى بيتًا فحجوه» وكان ذلك بمنزلة إعلان ما كان في وقته عليه السلام وما سيكون بعده إلى يوم القيامة من تقديس البيت والمبادرة إلى حجه وعمارته.
وذهب بعضهم إلى أن الأمر في ذلك للنبي عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام، وتكون الآية بذلك إعلامه بفريضة الحج في الشريعة المحمدية ولكل وجهة، والأول هو الذي عليه جمهور العلماء، وفي الآيات الكريمة بيان بعض فوائد الحج من المنافع الدنيوية والأخروية ودوام ذكر الله، وهو صقل النفوس، ونور الأفئدة وطمأنينة القلوب، والطهارة الحسية والمعنوية، والوفاء بنذور البر، والطواف بالكعبة المشرفة، وتعظيم حرمات الله تبارك وتعالى وشعائره.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» (أخرجه النسائي).
ومعنى المتابعة بين الحج والعمرة تكرارهما مرات لمن يستطيع ذلك حرصًا على هذه المزية، مزية التطهر من الذنوب والآثام، أو المتابعة بينهما بمعنى الجمع بينهما، فيحج ثم يعتمر مرة أو مرات فتحصل له هذه الفضيلة، كل ذلك تحت هذا اللفظ الجامع، ومن استكثر من الخير استكثر من ثوابه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من حج الله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (رواه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه).
والمعنى أن من حافظ على آداب الحج فترك اللغو والحرام، فقد تطهر من ذنوبه وغفر الله له خطاياه، فيعود نقيًّا تقيًّا مغفورًا له.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الحجاج والعُمار وفد الله عز وجل وزواره، إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غفر لهم، وإن دعوا استجيب لهم، وإن شَفعوا شُفِّعُوا» (رواه ابن ماجه وابن حبان).
وعنه -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وبرسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» (رواه البخاري ومسلم)، والحج المبرور هو الذي لا يعقبه معصية الله.
وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا» (أخرجه الترمذي).
وفي ذلك أشد الوعيد للذين يستطيعون الحج ويقعدون عنه تكاسلًا عن أدائه وإهمالًا لشأنه وتضييعًا لحقه وغفلة عن تأكد فرضيته، وفي الحديث روايات.
وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين. (رواه سعيد في سننه).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «استمتعوا من هذا البيت فإنه هدم مرتين ويرفع في الثالثة» (رواه البزار وابن حبان والحاكم وصححه).
والمعنى أن النبي ﷺ: يأمر أمته باغتنام فضل وجود الكعبة المشرفة التي جعلها الله بركة وهدى ورحمة وأمنًا قبل أن تذهب بها حوادث الدهر إذا ما أذن الله بانقراض الدنيا، فقد هُدمت قبل البعثة ثم بنيت، بناها العمالقة مرة وبنو جرهم مرة أخرى، ثم هدمها قصي بن كلاب جد النبي ﷺ في القرن الثاني قبل الهجرة وشيدها تشييدًا محكمًا وسقفها بخشب الدوم وجذوع النخل، وبنى بجانبها دار الندوة ثم هدمها السيل وبنتها قريش والنبي ﷺ معهم وسنه ٣٥ سنة في قصة الرداء المشهورة، ولعل الإشارة في الحديث إلى هاتين المرتين لأهميتهما وما عداهما كان ترميمًا لها واستكمالًا لأسباب متانتها، أو أن العدد في الحديث يفيد التكرار دون الحصر، ويوشك أن يهمل الناس أمر الحج فيرفع الله بيته ويستأثر به وينزع البركة السابغة من أهل الأرض الذين أغفلوا نداء ربهم وأهملوا فريضة حجهم وهجروا سيدهم.
ومن ذلك تعلم تأكد فريضة الحج وعظيم ثواب الله لمن وفاها، وشديد العقوبة لمن تركها وتكاسل عن أدائها.
لهذا أجمعت الأمة على فرضية الحج على القادر المستطيع، ثم ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي -ومن أهل البيت زيد ابن علي والهادي والمؤيد بالله والناصر- إلى أنه واجب على الفور، فمن استطاع لزمه الأداء لوقته، ودليلهم في ذلك ما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ: قال «تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» (رواه أحمد). وما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أفضل أو أحدهما عن الآخر قال: قال رسول الله ﷺ: «من أراد الحج فليستعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة» (رواه أحمد وابن ماجه).
وذهب الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد إلى أنه واجب على التراخي، واحتجوا بأن الرسول ﷺ حج سنة عشر، مع أن الحج فرض سنة خمس أو ست، ولكل وجهة هو موليها.
وأما العمرة: فقد رأى وجوبها في العمر مرة الإمام أحمد بن حنبل وهو المشهور عن الإمام الشافعي -رضي الله عنه- وبه قال إسحق والثوري وغيرهما، ودليلهم في ذلك أن الله تبارك وتعالى قرن الحج بالعمرة في الآية الكريمة ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ (البقرة:195)، وأكد ذلك عندهم حديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الطعن فقال ﷺ: «حج عن أبيك واعتمر» (رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وصححه الترمذي). وقد روي القول بالوجوب عن علي وابن عباس وابن عمر وعائشة وغيرهم.
والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست بواجبة وهو قول الحنفية وزيد بن علي وغيرهم، وحجتهم في ذلك ما أخرجه الترمذي وصححه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن جابر «أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال لا، وأن تعتمر خير لك».
ولهذا لا خلاف بين الأئمة في أنها مطلوبة وفي أنها من أفضل القربات إلى الله تبارك وتعالى.
لبيك اللهم لبيك
ما أجمل عظمة الربوبية.
وما أعظم فضل الألوهية.
وما أجمل أن يتفضل الله على عباده فيدعوهم إلى بيته العتيق ليغفر ذنوبهم ويطهر قلوبهم، ويضاعف أجورهم، ويجدد أرواحهم، ويمنحهم من فيض فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وما أجمل أن يتفتح المؤمن على هذا النداء العلوي، ويتلقاه كما تتلقى الزهرة قطرات الندى، فيحيا به ويسعد، ويتجهز من فوره لإجابة دعوة الله والانضمام إلى وفده الكريم مهاجرًا إلى حرمه المقدس وبيته الأمين هاتفًا من أعماق قلبه: «لبيك اللهم لبيك».
أيها الأخ الكريم:
إن كنت ممن سمعوا هذا النداء فأجابوا الدعاء وقدر لهم أن يكونوا في وفد الله تبارك وتعالى، فاعلم أنها غرة السعادة وفاتحة الخير كله، وعنوان رضوان الله، فما دعاك إلا وهو يحبك وما ناداك إلا ليمنحك، والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم، فهنئ نفسك بهذا الفضل المبين، وتقبل منا تهنئة الإخوان المحبين واذكرنا بصالح الدعوات المشرفة. وإن حالت دون ذلك الحوائل، فصاحب الحجاج بقلبك، ورافقهم في أداء المناسك بروحك، فإن لك مثل ثوابهم إن شاء الله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد القائل لأصحابه ما معناه: إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم سيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا كيف يا رسول الله؟ قال: «حبسهم العذر».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل