العنوان الحج موعد مع ضيوف الرحمن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 924
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 11-يوليو-1989
يأتي الحج في هذا العام والأنواء تعصف بعالمنا الإسلامي من كل جانب، والفتن تجتاح شعوبه فتذر الحليم من الناس حيرانًا ويتلفت العقلاء يلتمسون المفر.. المفر من حروب الأخوّة.. ومن فتن تجتاح أبناء العقيدة الواحدة والمصير الواحد.. فتن تفرق اتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلى عرب وفرس وأفارقة.. ومسلمي العرب ومسلمي العجم.
ومن مؤامرات تحاك في الشرق والغرب، وإثارة نعرات
وحروب طاحنة أنهكت قوى الأمة الإسلامية، وبددت طاقاتها وشوهت مسيرتها.. يتلفت
العقلاء الذين أرهقتهم الحيرة فلا يرون الدماء تذرف إلا من أجساد المسلمين.. النيران
لا تشب إلا في ديارهم.. بدءًا من الثغور البعيدة في جُزر الفلبين حتى القرية
النائية في أقاصي أوزبکستان.. ناهيك عن الحرائق الهائلة التي عانى منها الخليج
العربي عقدًا من الزمان، والتي يتربص متآمرو الشرق والغرب لإشعالها من جديد...
ترتعد فرائص المؤمنين وتزيغ عيون نسائهم وأطفالهم حين يسمعون قعقعة السلاح، ويرون
المعارضة الرهيبة تقام فوق عواصم الوطن الإسلامي أو تفتح في عواصم الشرق والغرب
أمام قادة العالم الإسلامي.. ترتعد فرائص المؤمنين لا خوفًا من الموت ولكن خوفًا
على الموتى الذين يسقطون مسلمين على جبهات الإسلام، لأن قائد الأمة محمد صلى
الله عليه وسلم حكم على مثل ذلك الحادث المؤلم « فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في
النَّارِ »(البخاري:31).
يأتي الحج هذا العام والجهاد الأفغاني أوشك يدق
أبواب الانتصار ويتصلب موقفه ويتعالى صوت المهادنة ويرفض وساطة المنافقين مهما
عظمت التضحيات واشتد البلاء... إلا أنه الجهاد والنصر وإما الشهادة.. وإما دون ذلك
من عقد المؤتمرات وكفاح البيانات فأمر لا يعرفه الجهاد الإسلامي قبل أن يرى العدو
من نفسه القوة والمنعة، ومن هناك فلتتعلم الدنيا كلها معنى الجهاد في
الإسلام.
يأتي الحج هذا العام والمسلمون في لبنان يتعرضون
لمضاعفات البلاء من جوع وتشريد ومؤامرات من القريب والبعيد.. فالقريب يتجهم
أوضاعهم ويدير ظهره رافعًا شعار «اتركوا لبنان للبنانيين.. كما يقال اتركوا فلسطين
للفلسطينيين» وهو شعار مشبوه يهدف إلى ترك هؤلاء وأولئك فريسة للأعداء دون نجدتهم
وعونهم.. وأما البعيد فيسعده أن يرفع المسلمون على امتداد الوطن الإسلامي هذا
الشعار حتى ينفرد بفريسته التي خذلها حملة الشعارات الذين يتناسون قول نبيهم صلى
الله عليه وسلم «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ كمثلُ
الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ
والْحُمَّى» فترك لبنان للبنانيين دون إصلاح كترك فلسطين لإسرائيل تضع ما تشاء من
حلول أو إصلاح مشبوه.
يأتي حج هذا العام والسودان يتعرض لضغوط من
القريب والبعيد تحت شعار آخر وهو الوحدة الوطنية ذلك الشعار الذي يستهدف فرض رأي
الأقلية على إجماع الأغلبية ليس في السودان فحسب، ولكن على امتداد الوطن اللإسلامي
كله.. وهذا بعكس أساس الثوابت الديمقراطية التي يدعو إليها الغرب المسيحي الصليبي
والذي يعمل دون كلل على علمنة ديارنا الإسلامية بماله وعتاده وزرع رجاله من بني
جلدتنا في مؤسسات المسلمين المصيرية..
يأتي حج هذا العام وما زالت المعتقلات وقوانين
الطوارئ وحملات المداهمات المستمرة في أنحاء من بلدان عالمنا الإسلامي تروع شباب
الصحوة الإسلامية وتطاردهم في وظائفهم وتحاربهم في أرزاقهم، وتشرد أطفالهم لا لسبب
إلا لأنهم آثروا حكم الله على الأحكام العلمانية وفضلوا حياة الاستقامة على حياة
تهددها المخدرات وأمراض الرذائل التي نشأت وترعرعت في ظل التسيب العلماني..
يأتي الحج في هذا العام وأوروبا مقدمة على تكوين
السوق الأوروبية المشتركة، أي تكوين المتجمع المسيحي الواحد.. باقتصاده وعقيدته..
لا فرق بين مذهب كاثوليكي أو بروتستانتي أو أرثوزوكسي، أما نحن المسلمين فيراد لنا
أن يكون سودانان في الشمال والجنوب، ولبنانان أو ثلاثة ودولة صحراوية وغير
صحراوية وعقائد شتى.. ومذاهب متعددة.. وطوائف متحاربة حول النصوص المختلف عليها
سلفًا.. دون أن تشم من ذاك الفصيل أو ذاك رائحة الرغبة في التعاون فيما اتفق عليه
من نصوص.. فهل أمة هذه حالها يمكن أن تصمد في وجه الشرق والغرب؟
إن المسلمين وهم يعيشون أيام الله ينبغي أن يعوا
تلك الآفاق المشحونة بما يدبر ضدهم، ولن تتغير حالنا ما لم يتغير ما بأنفسنا...
وكأني بأودية عرفات وجبالها ما زالت تردد أصداء خطبة النبي صلى الله عليه وسلم
وفيها الشفاء الناجع من كل ما نعانيه «أيها الناس فإنَّ دِمَاءَكُمْ،
وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، وأَبْشَارَكُمْ، علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ
يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا..».
«أيها الناس إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن
يُعبَدَ بأرضِكم هذه ابدا، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك فقد رضي مما
تُحاقِرون من أعمالِكم ، فاحْذَروخ على دينكم».
«أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمون
أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين أخوة.. فلا يحل لأمرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن
طيب نفس منه.. فلا تظلمون أنفسكم.. اللهم هل بلغت؟ وستلقون ربكم فلا تَرْجِعُوا
بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ، ألَا لِيُبَلِّغِ
الشَّاهِدُ الغائِبَ؛ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَن يُبَلَّغُهُ أنْ يَكونَ أوْعَى له مِن
بَعْضِ مَن سَمِعَهُ وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟»
هذا الصوت الخالد الذي ما زال يدوي في الآفاق..
هو المشعل إن سرنا وراءه وتمسكنا به فلن نضل وهو الصوت الذي يجب أن يذكره الحجيج
مع كل تلبية.