العنوان الحج.. موسم عظيم للدعاء.. ومهرجان سنوي للدعوة
الكاتب عبد القادر أحمد عبد القادر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 82
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 09-مارس-1999
من عوازل الإجابة: الشرك والكسب الحرام والمعاصي والبدع والاعتداء في الدعاء
منذ يوم البناء، بدأ الدعاء ﴿وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (البقرة127-129).
ثم شرع الدعاء في المناسك، بل صارت المناسك جلها أدعية، ولم لا أليس الدعاء مخ العبادة (1)، ومن المخ تنطلق إشارات الحياة، والحركة في جميع أعضاء الجسم ففي الصلاة: في أجزائها، في القراءة دعاء يبدأ في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة -6) وفي سجودها دعاء: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (2)، والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كثير، وبين السجدتين دعاء، وفي النوازل قنوت، بل في صلاة الوتر اليومية قنوت مسنون، وبعد الفراغ من التشهد أدعية.
وفي الصوم: حين يأتي رمضان يتألق الدعاء اليومي عند الإفطار: «إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد ، وازدادت آيات الصوم تألقًا بقول الغفور الودود: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة-186)، وأودع الرب الودود جائزة العمر في ليلة القدر في الثلث الأخير من الشهر الفضيل.
فإذا جاء الحج: بسط الرحمن يده بالليل والنهار لضيفه بسط يده بمني، وبعرفات وبمزدلفة، وعند الجمرات، وحين الحلق أو التقصير، وعند إراقة دماء الهدي، فما بالنا بالطواف بالبيت العتيق؟ وفي أثناء السعي بين الصفا والمروة؟ وفي الركعتين عند مقام إبراهيم؟ بل عند الشرب من زمزم بل منذ البداية عند عقد النية بالإحرام، ولبس ملابس التعبد يا له من موسم عظيم للدعاء.
فإن ظفر المسلم بدعوة مستجابة، فقد فاز إنها الدعوة التي يتعب المسلم لينالها في أوقات عديدة وأزمنة مديدة، إنها الدعوة التي تحقق له هذا الأمل: ﴿الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: 185).
عوازل الإجابة
أول العوازل: وأكثرها سمكًا، أن يتخذ العبد واسطة بينه وبين الله، إنه الشرك الملعون
﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (الأعراف: 29).
والعازل الثاني: الكسب الحرام، سواء كان من بنك ربوي، أو كان من ربا يدوي، أو كان حرامًا من غصب أو نهب أو رشوة، أو تزييف أو تزوير، أو هضم ميراث الإخوة والأخوات أو كان كسبًا من الاحتكار، أو استغلال احتياجات الفقراء، أو من المال العام، من بنود المصالح العامة، أو من حقوق الغير.
والعازل الثالث: المعاصي والبدع.
والرابع: الاعتداء في الدعاء، كرفع الصوت به، أو طلب شيء غير مشروع.. فليترك الحاج العوازل حتى يفوز.
شعيرة الدعوة
دعوة الغير، عمل يتميز به المسلم الإيجابي عن المسلم السلبي، ويتفرد به المؤمن القوي الذي هو أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
في أحد شوارع أمريكا، وضع رجل مسلم على مؤخرة سيارته جملة تقول: «أوقفني إذا كنت تريد أن تعرف شيئًا عن الإسلام»، فاستوقفه مجموعة عمال من غير المسلمين، وطلبوا منه أن يعرفوا شيئًا عن الإسلام فبدأ بقوله: إني لست من العلماء، ولا أستطيع محادثتكم في أمور الإسلام، ولكني أضع بين أيديكم هذه الكتب وفتح حقيبة السيارة، وبدأ يخرج منها كتبًا باللغات التي يتكلم بها العمال، لقد كان مع الرجل كتب عدة تعرف بالإسلام.
فهل يكون الحجاج المسلمون في مكة أقل حرصًا على الدعوة والتعلم والتعليم من هذا الرجل الأمريكي المسلم العادي؟
إن نسبة مفزعة من الحجاج يجهلون دينهم بل يجهلون أعمال الحج التي وفدوا وتحملوا المشاق لأدائها.
وإن نسبة مزعجة من الحجاج يجهلون واجباتهم تجاه بلدانهم التي جاءوا منها وسيعودون إليها.
وإن نسبة مخيفة من هؤلاء الحجاج يعتنقون مذاهب إلحادية، وينتظمون في منظمات تحارب الإسلام، وتنكل بالمسلمين، فالعلمانية والاشتراكية والأحزاب الأرضية، والموظفون في إدارات تحارب الدين والمتدينين، واتباع الطرق الصوفية المنحرفة عن العقيدة الصحيحة والموالون لليهود والنصارى.. كم يشكل هؤلاء من مجموع الحجيج؟
إن هذا الواقع المرير يستدعي من العلماء والدعاة والمسلمين الفاهمين أن يجعلوا من المواسم مهرجانًا سنويًا للدعوة إلى الله لتحرير الولاء، ولتصحيح الانتماء، كما يجب ألا نسترسل مع مقولة اختصاص أشخاص بعينهم بمهمة الدعوة.. إن الدعوة واجبة على كل مسلم يعرف المسألة والمسألتين والخمسة والعشرة من أمور الدين، تلك التي يعرفها معرفة صحيحة، حتى لا يكون المسلم الذي يمشي بسيارته في شوارع أمريكا أوعى وأذكى من مسلمين كثيرين يلتقون على أرض الدعوة، ومشرق الوحي، ثم ينصرفون ولم يتعلم جاهلهم، ولم يسترشد منحرفهم.
خطب الحج
إنها خطب تعليمية إرشادية دعوية، وليست كلمات إنشائية، أو إطراءات خطابية، أو دعوات عصبية، أو قومية، أو مذهبية، إنها خطب ذات أهداف كبرى، يجب أن ينصرف المسلمون بعد سماعها في الموسم، وهم أمة واحدة، ويد واحدة وقلب واحد، وعاطفة واحدة، فعلى الخطباء والمتحدثين في الموسم، أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، وذات بين الحجيج، بل ذات بين الشعوب، وإلا كانوا خطباء الفتنة الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ليس شعيرة منفصلة
إن الحج كغيره من الأركان وجوانب الإسلام، ليس شعيرة منفصلة، بل لا تصلح أعمال الإسلام للانفصال عن بعضها، وإلا وقع الانفصاليون في خزي الدنيا وعذاب ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (البقرة- 85).
لا يصح الحج منفصلًا عن التشريع الجنائي الإسلامي، ولا يصح منفصلًا عن الفكر والخلق الإسلامي، ولا منفصلًا عن النظام الاقتصادي الإسلامي، ولا منفصلًا عن النظام السياسي الإسلامي، ولا عن المعاملات الشرعية، ولا عن النظام الاجتماعي الإسلامي.
وكما لا يصح الحج منفصلًا عن أركان الإسلام وجوانب الحياة، كذلك لا يصح أداؤه شعائر ظاهرية منفصلة عن الباطن الإنسانية الذي يسمى السرائر، فلا خير في سريرة لم تطهر بعد أعمال الحج، ولا خير في رجل أو امرأة رجعًا من الحج مثلما أتيا إليه.
إن من لم يظفر بجائزة الحج، فيخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهو تعيس شقي، فإن لم
تصلح نفسك، كيف تدعو غيرك؟
الواقع أن الحج شعيرة دعاء ودعوة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل