; الحج منهج حياة | مجلة المجتمع

العنوان الحج منهج حياة

الكاتب فاطمة محمود عليوة

تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011

مشاهدات 78

نشر في العدد 1975

نشر في الصفحة 52

السبت 29-أكتوبر-2011

الوقوف بعرفة يعلمنا الصبر في التضرع لله سبحانه.. حيث يبدأ اليوم من الشروق ويمتد إلى الغروب بلا ملل أو تعجل

من دروس الحج

  • النهي عن الرفث (الحلال) درس على تقوية الإرادة.. فما انتشرت
  • الرذيلة في بلاد المسلمين إلا بترك العنان للشهوات
  • والأمر يترك الفسوق بعد عن اقتراف المحرمات وكل ما يخرج المرء من دائرة الطاعة لله
  • والنهي عن الجدال لأنه مهلكة.. ويعني التعصب للرأي وعدم قبول الآخر مما يولد الفرقة بين أفراد الأمة في ملابس الإحرام البسيطة دعوة للتقليل من مباهج وزينة الحياة الدنيا

لبيك اللهم لبيك

لله عز وجل نفحات، ينعم بها على عباده؛ كي يرزقهم منها خيراً كثيراً، ومن هذه النفحات أيام العشر من ذي الحجة التي يحب الله سبحانه أن يرى فيها من عباده حسن الطاعة، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة، وهي خير أيام السنة، كما قال رسول الله : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».

ويرجع سبب تفضيل عشر ذي الحجة عن بقية أيام السنة لاجتماع أمهات العبادة فيه من صلاة وصيام، وصدقة، والحج الذي لا يأتي مجتمع مع غيره من العبادات إلا في العشر من ذي الحجة.. وبها يوم عرفة الذي يباهي الله سبحانه وتعالى ملائكته باجتماع عباده للتضرع إليه بالدعاء، وهو خير يوم يدعو فيه العباد ربهم سبحانه وتعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، وهو اليوم الذي يتكرم الله فيه على عباده، فيستجيب لهم، ويشهد ملائكته بالغفران لمن بذل وتضرع في هذا اليوم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة.

فعلينا أن نحسن استقبال هذه الأيام المباركة بالتوبة الصادقة، والعزم على اغتنامها بكل سبل الطاعة المتاحة حتى نجني الخير الكثير إن شاء الله.

وما أجمل أن نتفكر في مناسك الحج لنأخذ منها دروسا، وعبرا وأن ننهل من مدلولات الحج، وأسراره، بحيث يغير فينا للأفضل... وحتى تكون فريضة الحج منهجا للحياة. 

فالعبادات المفروضة علينا هي نفسها التي فرضت على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن تأثيرها عليهم أعظم من تأثرنا نحن بها، لأنهم أدركوا وتفقهوا الحكمة وسر عبادة، فبرغم الانتهاء من العبادة أو النسك إلا أنهم يحيون ويتحركون بأثره عليهم في فكرهم ومعاملاتهم، وهذا ما لا نحسنه نحن وكأن أثر العبادة ينتهي منا بمجرد انتهائنا من أدائها ولذا نفرغ من الصلاة وكأننا لم ندخلها بعد! وينقضي رمضان وكأنه ذكرى أيام خوال ونعود من العمرة والحج بآثار مادية من حلق رأس أو تقصير أكثر منها آثار على الروح والخلق، ولهذا لم نسجل في صفحات تاريخنا مجدا يذكر في شهورنا وسنواتنا، كما ملئت نفس الشهور بأحداث مشرقة وبطولات مجيدة، حفرت في صفحات تاريخ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقفات للتدبر

فهل لنا من وقفات لنتدبر مناسك الحج؟

نخرج بدرس للحياة، يقول الله عز وجل: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فَسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجَ﴾ (البقرة : ۱۹۷)، وبتأمل هذه الآية نجدها تتضمن ما يجب أن يكون عليه الحاج من سلوك سوي وانضباط.. وفي هذه التعاليم منهج تربوي في إعداد النفس وتقويتها ما أحوج الإنسان إليها، ليس في الحج فقط بل في حياته كلها.. ففي النهي عن الرفث - وهو مقدمات العلاقة الزوجية - وهو نهي عن أمر حلال درس على تقوية الإرادة، وكبح جماح الشهوات فيا ليت الشباب يفقهون هذا الأمر الرباني، فما انتشرت الرذيلة في بلاد المسلمين إلا بالتهاون وترك العنان للشهوات بلا ضابط

ولذا جاء النهي الثاني بترك الفسوق وهو اقتراف المحرمات وكل ما يخرج المرء من دائرة الطاعة لله.

أما النهي عن الجدال: لأنه مهلكة يجب ألا يقع فيها المؤمن، فالجدال يعني التعصب في الرأي وعدم قبول الآخر والاختلاف مما يولد الفرقة والشحناء بين أفراد الأمة الواحدة، وهذا عكس ما أراده الله لعباده كما قال تعالى: ﴿إن هذه أَمْتَكُمْ أَمَةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبِّكُمْ فَاعْبُدُون﴾ (الأنبياء: 92)، فكيف تجمعنا العبادة لله ثم تفرقنا الأهواء؟

ولنا في الإحرام وزيه الموحد الذي يشبه كفن الميت تذكرة لكل قلب حي، فبرغم بقاء الإنسان على ظهر الدنيا، إلا أنه يرتديه بإرادته بعد أن يغتسل، فهل تذكرنا يوما نغسل فيه بيد غيرنا، وتلف به على غير إرادة منا؟ ففي ذلك موعظة حتى لا تكون الدنيا هي هم الإنسان وآخر مبتغاه.. ولكن عليه أن يعمل لآخرته بحسن الاستعداد بالتوبة والعمل الصالح ورد الحقوق لأصحابها.

ومع ملابس الإحرام البسيطة دعوة للتقليل من مباهج وزينة الحياة الدنيا، وأن يتذكر الإنسان أن ما عند الله خير وأبقى، فليتعلق بما هو باقي لأن الدنيا زائلة... ومع نية الإحرام وقفة.

والنية يقصد بها أن ينوي الحاج بقليه وينطق بلسانه نية الحج لله، وإن كانت النية مطلوبة في الحج كذلك النية لله مطلوبة في كل الأعمال سواء في الحج أو غيره، كما قال رسول الله : إنما الأعمال بالنيات.. الحديث.. وأن الله سبحانه يجازي على نوايا العمل الصالح. حتى ولو لم يتم العمل، فيجب على كل مسلم أن يحسن نيته ويجعلها خالصة لله سبحانه .

عبادة الدعاء 

وفي الوقوف بعرفة نتعلم منه كيف تتعرف إلى الله سبحانه بنعمه علينا، فتشكره في هذا اليوم على عطائه لنا، وتستغفره سبحانه على تقصيرنا، وإذا كان الدعاء خير ما يأتي به العبد يوم عرفة، فالدعاء عبادة لكل المسلمين سواء الحاج أو غير الحاج فا الدعاء هو العيادة. والوقوف بعرفة يعلمنا الصبر في التضرع إلى الله سبحانه، حيث يبدأ اليوم من الشروق ويمتد إلى الغروب بلا ملل أو تعجل، وهو دعوة الإتقان العمل لمن فقه عبرة الوقوف بعرفة.

 وموقف عرفة يذكرنا بالموقف بأرض المحشر وحاجتنا لظل الله سبحانه، يوم لا ظل إلا ظله. ولن تنال هذا الخير في الآخرة إلا إذا أحسنا الوقوف بين يدي الله في الدنيا، فلا تكون إلا حيث أمرنا الله ولا تحيا إلا بمنهج الله وفي الطواف بالبيت حيث القرب من الله عز وجل درس كي تتعلق القلوب برب البيت. وليتذكر الحاج أن الله موجود في كل مكان وزمان وانه موضع نظر الله فلا يُري الله منه إلا خيراً .

وفي تكرار الطواف عبرة، فالحاج لم يكتف بالطواف مرة واحدة ولكنه يكرره سبع مرات. حتى ينعم بحلاوة الجوار، ولنتعلم منه الإصرار في بلوغ الأمل، فلو فشلنا في تحقيق أمر ما. فلنعاود مرات ومرات فني كل عبادة درس للحياة.

وفي استلام الحجر موقف يروق له القلب ويهفو إليه من حرم منه، وأي سعادة ينالها الحاج عندما بيسر له استلام الحجر الأسود (الأسعد)، وإنه لموقف عظيم، ففي هذه اللحظة ماذا لو وضع الإنسان يمين الله؟ وعلى ماذا يتعاهد؟ أيعقل أن اليد التي استلمت الحجر في الحج هي نفسها التي تبطش. وتستحل الحرام بعد الحج؟ اليس الأولى أن تتذكر فقرنا وقد وضعنا أيدينا بين يد الكريم. وتتذكر ذنوينا وقد وضعناها بين يدي الغفور الرحيم؟ راجين منه العطاء والغفران، وتعاهده على الطاعة، وسرعة الرجوع إليه، وعدم

الإصرار على معصيته، حتى يجعل الله سبحانه لنا ودا بين يديه في الآخرة. 

الأخذ بالأسباب

وفي السعي درس عظيم في الأخذ بالأسباب والبذل وتكرار المحاولة، وعدم اليأس وسرعة الاستسلام، درس في بناء الإرادة لمن فقدها، ومن السعي تتذكر ضرورة سعينا إلى الله والتقرب منه حتى ننال قرب الله لنا وعونه، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: من تقرب إلى شبرا تقربت إليه باعا، ومن تقرب إلي باعاً تقربت إليه ذراعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ..... ولكن علينا أولا أن نبدأ بالسعي إلى الله.

وإذا كنا ننتقي الجمرات لرجم الشيطان، فالا ننتقي أقوالنا ونتخير أفعالنا لتظهر بها الشيطان؟ فإننا ننزل به اشد الحسرة والندم. عندما تخالفه وتطيع الله سبحانه، فليس من المعقول أن ترجمه ببعض الجمرات في أيام معدودات ثم ترجع وتطيعه، وتتبع وساوسه سعده أياما وشهورا بل وسنين، ونحن في غفلة من الرجوع عن المعاصي، والالتزام بمنهج الله.

ذبح الهوى

وفي ذبح الأضحية والهدي عبرة، فلندرب أنفسنا على ذبح هوانا ومخالفته إذا كان مخالفاً لما أمر الله به، وأن نتعلم معنى الأضحية الحقيقي، ولا تقصرها على ذبح شاة مرة في العام، ولكن لنضع برغباتنا، وشهواتنا من أجل إقامة الحق وإعلاء كلمة الله ولنضع ولو بقليل من مالنا من أجل كل محتاج ولنضع براحة بالنا، ونقول كلمة حق ترد المظلوم حقه، وليكن معنى التضحية أوسع حتى يشمل كل مواقف الحياة.

ومع طواف الوداع بعد تمام نعمة الله على عباده درس لتعويد أن تتجه لله قبل كل عمل لطلب التوفيق، ثم بعد كل عمل لطلب القبول كذلك تدريب للنفس كل ليلة قبل وداع اليوم بمحاسبة النفس والاستغفار والتوبة، ولنتذكر وداع الحياة كلها باقتراب الأجل، فنحسن الظن بالله ونحسن العمل والاستعداد ليوم الرحيل

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

185

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

163

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

193

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة