العنوان الحج.. عبادة وعظة وعبرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003
مشاهدات 81
نشر في العدد 1538
نشر في الصفحة 9
السبت 08-فبراير-2003
الحج أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام الحنيف، ومن رحمة الله تعالى بالبشر أنه ما ألزمنا بركن من هذه الأركان إلا وقد وضح لنا الحكمة من افتراضه:
فبالشهادة يتحرر المرء من رق العبودية إلا لله ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ﴾ (النور: ٥٥) وبالصلاة يتخلص من الفحشاء والمنكر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥) وبالصيام تتحقق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183)، وبالزكاة يتزكى المرء ظاهرًا وباطنًا ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: ۱۰۳)، وأما الحج فهو يجمع بين منافع الدنيا وحسنات الآخرة ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ (الحج:27-28).
أي أمة أخرى وأي مجتمع أو قوة سياسية أو عسكرية يمكن أن تجمع مثل هذه الملايين من البشر مهما بذلت من جهود أو من وعد أو وعيد؟! أما المسلمون فإنهم يجتمعون في تلك البقاع المشرفة بمحض إرادتهم.. جاءوا يحدوهم الشوق ويدفعهم الأمل في نيل مغفرة من ربهم ورحمة.
أي مجتمع يمكن أن يعيش الناس فيه بلا رفث ولا فسوق ولا جدال، كما يتحقق ذلك في الحج؟!.. إنها غاية مهما حاول الناس تحقيقها فلن ينجحوا إذا اعتمدوا على عقولهم القاصرة وفهومهم المحدودة، لكنها تحققت في الحج على تباين المجتمعين هناك واختلاف مشاربهم وألسنتهم وألوانهم، فقد جمعتهم عالمية الإسلام ونداؤه الأصيل: «وكونوا عباد الله إخوانًا».. نعم إنها الوحدة الحقيقية التي تتسم بالتضحية والفداء والإيثار والبعد عن الأنانية والفردية، والتمسك برباط العقيدة والانتماء لجماعة المسلمين.
في الحج يلمس كل حاج عن طريق اليقين والمشاهدة مواطن القوة في الأمة الإسلامية، فالكل يرفع أكف الضراعة، والكل يسعى للقرب من الله، وهو على استعداد للتضحية في سبيل الدين والعقيدة.
فهذه الجموع كما جاءت لتلبية نداء الخليل إبراهيم عليه السلام في الحج مستعدة لتلبية كل ما جاء به محمد ﷺ الذي جعل الجهاد ذروة سنام الإسلام للدفاع عن بيضة الدين، والذود عن حمى المسلمين، فلا يطمع فيهم طامع، ولا يستولي على حقوقهم غاصب.
هذه القوة الفاعلة الهائلة التي جاءت من أقاصي الأرض ينبغي أن تدرك قيمتها الحكومات وتفعل دورها في إفشال أي محاولة للنيل من عقيدة الأمة وثوابتها والسعي لتحرير أوطانها من كل محتل وطامع.
وكما يجتمع المسلمون من كل الأقطار على كلمة سواء فإن الأمل يحدونا والواقع يدعونا إلى أن نترقب اجتماع ممثليهم من حكام ومسؤولين على كلمة واحدة، تزيل ما بينهم من خلاف، إن لم يكن رحمة بشعوبهم فرحمة بأنفسهم من وقفة يسألهم فيها الله عز وجل: ما فعلتم برعيتكم؟ فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. فالأمة اليوم بحاجة إلى القيادة الحكيمة والتوجه الرشيد، وإلى حكومات ترقب الله في شعوبها وتحترم إرادتها وتسعى للحفاظ على مكانتها واستقلالها.
ولو ألتزمنا شرع ربنا، وتحرينا عوامل الوحدة فيما بيننا، ونحينا دواعي الفرقة والشقاق، ونفضنا أيدينا من عبث القوى الأجنبية التي تسعى لأن تتسلط علينا وتمزق ما بيننا من أواصر، لعشنا مرهوبي الجانب، ولما تسلط علينا الغرب وسعى لاستغلال ثرواتنا ومحاولة تغيير عقيدتنا وقيمنا وأخلاقنا ومناهجنا.
إن الروح التي تسير حياة المسلم وتوجهه نحو ربه وخالقه، وتدفعه إلى التمسك بدينه وكتابه لهي قادرة - إن أتيحت لها الفرص وإن توحدت الجهود- لأن ترد بإذن الله كل كيد، وأن تلجم كل جامح يظن أن المسلمين كلأ مباح.
فهلا اتخذنا من معاني الحج عبرة وعظة - مثلما هي عبادة - ودافعًا نحو خدمة الإسلام والمسلمين؟ نسأل الله ذلك، كما نسأله سبحانه أن يتقبل أعمال الحجيج، وأن يجعل حجهم مبرورًا، وذنبهم مغفورًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل