العنوان الحج رحلة التغيير (1)
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1975
نشر في الصفحة 54
السبت 29-أكتوبر-2011
لبيك اللهم لبيك
- فرصة عظيمة لإحداث التغيير الإيجابي يخرج منه المسلم مولودا من جديد
- التغيير.. يحتاج إلى سعي حثيث وعمل دائب حتى يبدل الله حال الإنسان إلى ما يرجو ويتمنى
ها هي الأيام تنصرم وتمر ساعاتها وتسرع، تمضي معها أعمارنا وتسير بلا انتظار، فيصبح الرضيع فتى، ويمسي الفتى شاباً، ويضحى الشاب كهلا ومع كل مرحلة نمر بها تتغير الحياة من حولنا ويتغير تفكيرنا معها ويتفاوت فهمنا فيها من عمر الآخر.
وها هي شهور السنة تنقضي وينتهي الواحد منها تلو الأخر إيذانا بحلول الوقت المعلوم للتغيير العام ومجيء الساعة المحددة للتطهير الجماعي في أيام معلومات، فإذا بالنفوس المؤمنة تسعى وتسارع طلباً لذلك بالمبادرة إلى أداء فريضة الحج التي تنفى فيها من الذنوب العالقة والشهوات المائعة
ولأن الله تعالى لم يجعل الدنيا على وتيرة واحدة بل جعل التغير من سمائها والتنوع من صفاتها، وأظهر ذلك في هذا الكون الشاسع وأودع الإنسان - الذي هو أكرم مخلوقاته - القدرة على أن يغير ما بنفسه والمقدرة على إحداث التغيير فيمن حوله، فإن بإمكاننا أن تغير ما بأنفسنا وتصلح ما حل بساحتنا على المستوى الشخصي والعام مع حلول موسم
الحج الذي يذكرنا بهذا التغيير. فما التغيير؟ وكيف تتغير؟ وعن ماذا نتحول؟ وما الوسائل المؤدية إليه؟ وهل يقتصر ذلك التغيير على معيشتنا وأقواتنا وأرزاقنا وسياستنا واقتصادنا؟ وهل ينحصر في أمور دنيانا المحسوسة أم أن هناك تغييرا آخر يتعانق مع هذا النوع لا ينفك عنه ويجب أن يلازمه لأنه الداعي إليه وهو أوسع وأشمل وأكبر وأعم؟
يقال: غير فلان بغيره: أي حط عنه رحله وأصلح من شأنه.. يقال: نزل القوم يغيرون.
وغير الشيء»: بدل به غيره، يقال: غيّرتُ دابتي، وغيرت ثيابي. و«غير الشيء: جعله على غير ما كان عليه، تقول: غيرت داري إذا بنيتها بناء غير الذي كان.
و«الغيار»: البدال وهو البدل من كل شيء.
وتبديل الشيء: تغييره
نقول: أبدله أي غيره، وأبدل الشيء أي بغيره، ومنه اتخذه عوضاً عنه وخلفاً له، وبدل الشيء: غير صورته، يقال: بدل بالثوب القديم الثوب الجديد
قال الجوهري : وأبدلت الشيء بغيره وبدله الله من الخوف أمناً، واستبدل الشيء بغيره وتبدله به إذا أخذه مكانه والمبادلة التبادل.
التغيير المنشود
والتغيير.. تلك الكلمة السحرية التي تهز النفوس وتبعث فيها الأمل، يحتاج إلى سعي حثيث وعمل دائب حتى يبدل الله حال الإنسان إلى ما يرجو ويتمنى، ولو تمعنا فيمن حولنا لوجدنا أن التغيير من سنن الحياة الدنيا، فلولا تغير الماء وجريانه لأسن وعفن وهكذا الحال بالنسبة لنا، لذا نجد أن كل إنسان يطلبه ويسعى لتحقيقه في حياته باتخاذ الوسائل التي تحقق له مراده، إما سلبا أو إيجاباً، فيطلبه الغني طلباً للزيادة، والفقير طمعا في الغنى، ويطلبه المبتلى رجاء العافية والمعافى رغبة في دوامها، ويطلبه الجاهل رغبة في العلم والعالم حبا في الزيادة، ويسعى إليه المريض بالتداوي طلباً للصحة، وكل هذه الأمثلة هي من قبيل التغيير الإيجابي الذي يصير حال المرء بعده أفضل وأصلح، وهذا هو التغيير المحمود الذي ننشده وهو ما يصلح به دين الإنسان ودنياه.
أما التغيير السلبي الممنوع فمثل التغيير في الدين بإدخال الزيادة أو النقص عليه أو تحريف الكلم عن مواضعه وقد أمر الله بني إسرائيل أن يقولوا: «حطة.. وهي كلمة لو قالوها لحظت أوزارهم فبدلوها وقالوا: حنطة ... قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون﴾ (البقرة: 58-59)، فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفاً أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر، هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب، فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود ؟ هذا والقول أنقص من العمل، فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟ (القرطبي).
واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها، فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله، وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى.
ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه.
ومن التغيير المذموم ما يفعله أصحاب الدعوات المختلفة حين ينادون بتغيير حال المرأة ومساواتها بالرجل في كل شيء، أو من يسعون لتغيير مناهج التعليم في بلادنا الإسلامية لتكون علمانية بعيدة عن الدين، أو كمن يريد أن يغير أوضاع البلاد فيفصل الدين عن الدولة في كل شيء ويقول: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ومن يريد تغيير الحدود التي شرعها الله تعالى في كتابه الكريم واستبدالها بعقوبات أخرى من اجتهاد البشر، وقس على ذلك أموراً شتى كل يزعم فيها أنه يسعى للتغيير.
ولا شك أن التغيير الإيجابي مطلوب وضروري ومهم للمسلم وغير المسلم للرجل والمرأة والشباب والشيبة، والأطفال والفتيان فالكل في حاجة إليه مع فارق في الكم والكيفية، ومن هنا كانت النفوس تتطلع إليه من حين لآخر حتى لا يصيبها السامة والملل فيما هي عليه، ولا سيما إن كان الإنسان يعيش في ضنك وتعب وجهل وضياع وابتلاء ونصب..
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن جعلهم على استعداد للتغيير الذي يحبه، وهو التغيير إلى الأصلح فيعينهم ويوفقهم إليه ما سلكوا سبيله واتبعوا طريقه، لأنه ليس بالأمر المستحيل، وإن الأمة قد تتبدل حالها بين عشية وضحاها ما دام العزم من شيمها، والنية الصادقة تلفها والهدف واضح والطريق مستنير والفرصة متاحة فالبدار البدار إلى هذا التغيير قبل انقضاء الأعمار.
انتكاس في الفطرة...
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱) فأخبر في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير إما منهم أو من الناظر لهم أو ممن هو منهم بسبب كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم، فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الآخرين، كما قال صلى الله عليه وسلم، وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث (القرطبي).
وإن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك يظلم بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره. (الطبري).
وفي هذه الحال تكون الحاجة ملحة إلى تغيير جماعي لما بالنفوس من عصيان وتمرد وبعد عن الله وإيثار الدنيا على الآخرة. بيد أن النفس البشرية قد تنتكس وتصاب في فطرتها وتتعثر في مشيتها وتعاق في سيرها حينما تتخبط في طريقها وتطرق بمعاول الهدم من هنا وهناك، فتسير في طريق التغيير بغير هدى كالإمعة لا تحسن اختيارا ولا تصدر قراراً بل تنساق وراء شياطين الإنس والجن تابعة مقلدة فتضل وتضل، فتتعرض الغضب الله وعقوبته وقد لفت القرآن الكريم أنظارنا لذلك في آياته البينات فقال: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ تَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَو لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (البقرة: 170)، قال ابن كثير: أي وإذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل قالوا في جواب ذلك: بل تتبع ما الفينا: أي ما وجدنا عليه أيامنا: أي من عبادة الأصنام والأنداد.
قدمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل، كمتع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد ﷺ في دينه... قال علماؤنا: وقوة الفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد.. وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد.
أما التقليد في الحق فاصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر.
الأنبياء.. والدعوة إلى التغيير
لقد كانت دعوة جميع الأنبياء - عليهم السلام - تنادي بالتغيير، ذلك التغيير الذي يسمو بالنفس ويصلحها ويرفع من شأنها ويحفظها، فكانت دعوتهم صريحة في وجوب التغيير الذي يتحولون به من الكفر إلى الإيمان ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن سين الأخلاق إلى أحسنها. تغيير إلى الأصلح والأكمل والأفضل من أجل حياة طبية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (الأعراف: 85).
وها هو سيدنا لوط عليه السلام يقول لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُون قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِين﴾ (الشعراء: 165-167)، إنها دعوة صريحة للتغيير، ومن تتبع سيرة الرسل عرف ذلك.
للتغيير أعداء...
كما أن هناك أعداء لهذا التغيير في كل زمان ومكان، يرفضونه لأنفسهم ولغيرهم. ويقفون للدعاة إليه ولأربابه بالمرصاد، ويردون مريديه بالتثبيط والتشكيك وبالقمع والإرهاب إن تطلب الأمر ذلك ومن العجيب أن فرعون الطاغية خشي من موسى عليه السلام أن يأخذ بأيدي الناس إلى التغيير.. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَاد} (غافر: 26) وخشي - كما يزعم - أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وادعى هذا الفرعون الجاحد أن الإيمان بالله فساد في الأرض، وأن العمل بطاعة الله إفساد. (الطبري).
ولم يقف طغيانه عند هذا الحد بل تلاعب بعقولهم واستخف بهم ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ (النازعات: 23-26)، فمن الذي يبدل ويسعى لتغيير دين هؤلاء؟ ومن الذي أظهر في الأرض الفساد علانية وجهراً وأمرا ونهيا؟
الحج.. والتغيير
ومن رحمة الله تعالى أن جعل لنا محطات تقف عندها الإصلاح النفوس وتغييرها إلى الأفضل فإن كان أصحاب الشاحنات في أسفارهم يقفون في محطات الوقود للتزود وإصلاح أي عطب أو تغيير بعض إطاراتها حتى تستكمل رحلتها بأمان دونما خسائر، فمن باب أولى أن تفعل ذلك مع أنفسنا التي لا تقل حاجتها للإصلاح عن هذه السيارات... فالرحلة أطول، والحاجة اشد، ومن أراد أن تتغير حاله ويصلح فليبدأ من الآن رحلة التغيير.
والحج فرصة عظيمة لإحداث التغيير الإيجابي، يخرج منه المسلم مولوداً من جديد.
فالحاج يحتاج إلى تغيير نيته من أدنى شبهة رياء أو سمعة وتبديلها بالإخلاص وتغيير نفقته إلى الحج من مال فيه شبهة إلى مال حلال خالص، وهو في حاجة لتغيير عزمه وهمته من الفتور إلى الهمة والنشاط، وتغيير قلبه من أي شرك يقدح في توحيده، وتغيير ما في صدره من عداوة وشحناء إلى الصفاء والتسامح والعفو، وهو في حاجة لتغيير قوله إلى المعروف بين الناس وتغيير أخلاقه إلى الأحسن والأكمل، كما أن عليه تغيير ملابسه المعتادة بملابس الإحرام، وتغيير عاداته التي ألفها إلى ما يوافق شرع الله، والحفاظ على وقته الثمين من الضياع، وتغيير حاله في أمره كله من الإفراط والتفريط إلى الاعتدال والوسطية، وقبل هذا كله فإن عليه أن يحدث توبة وندماً من كل ذنب بدلاً من الإصرار عليه، وأن يثبت على كل ذلك إذا ما رجع من حجه.
ولأن الحج مدرسة التغيير السنوية تفتح أبوابها لكل المسلمين في نهاية كل عام هجري، كانت فريضة الحج دورة متكاملة في علم التغيير وأصوله ووسائله وطرقه من أول لحظة ينوي فيها الحاج أداءها إلى ما بعد عودته من رحلته.
المراجع
1- تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير.
2- موقع الإسلام دوت كوم إشراف الشيخ صال بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل شيخ.
3- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية الطبعة الرابعة، ص ٤٤ ، ٦٦٨.
4- مختار الصحاح للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، ص ۱۸.