; الحب الذي يبني | مجلة المجتمع

العنوان الحب الذي يبني

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1974

مشاهدات 67

نشر في العدد 202

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 28-مايو-1974

الحب الذي يبني أحمد لطفي عبد اللطيف الحب، هذه الكلمة التي ما خلا منها معجم في كل اللغات، هذه الكلمة التي فعلت فعل السحر في القلوب الرقيقة، هذه الكلمة التي ألهبت خيال الشعراء والكتاب في كل الأمم. الحب الكلمة التي حيرت الباحثين والدارسين فما استطاعوا أن يتفقوا لها على معنى معجمي، الحب هذا الذي حار فيه الأطباء والعقلاء فما استطاعوا أن يحددوا له الأسباب أو يصفوا العلاج. الحب، ما الحب؟ سيبقى هذا السؤال مطروحاً على أشكال مختلفة المعاني والأهداف.. أهو حب الرجل للمرأة؟ أهو حب الإنسان للحياة؟ أهو حب الإنسان لبنيه؟ أهو حب الإنسان لنفسه ؟ أهو حب الجمال المطلق؟ أهو هذا أم ذاك؟ أم هذه مجتمعة؟ ثم، هل الحب درجات متفاوتة، أم هو شيء واحد في كل حين؟ وهل للحب علامات يعرف بها وآثار يتركها وحدود ينتهي إليها ؟ لقد عرفنا الحب بأشكاله وأنواعه فوجدنا له حدوداً، وعرفنا له نهاية، إلا حباً واحداً، إنه حب أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وسلم. إنه الحب الذي نشر ديناً وبني دولة، الحب الذي سخر فيه المحب كل مواهبه، الحب الذي لم ير المحب فيه كلاماً إلا كلام الحبيب ولا حكماً الا حكم الحبيب. الحب الذي جعل أبا بكر الصديق ينسى نفسه وآلامه يوم ضربه عتبة بن ربيعة حتى كاد يزهق روحه فحمله أهله مغمى عليه، ولما أفاق من المساء كانت أول كلماته التي نطق بها: ما فعل رسول الله؟ وآلى على نفسه ألا يذوق الطعام أو الشراب حتى يرى حبيبه، إنه حب العارفين لمقام النبوة، إنه حب الرجال في عصر الرجولة. وهذه امرأة من الأنصار يقتل أعز الناس عليها أبوها وأخوها وزوجها، فتصبر على مصابها بهم وتسأل في لهفة عمن هو أعز منهم جميعاً، من به بقاء المثل الأعلى الذي تؤمن به، الدين الذي رسخ في قلبها تسأل في لهفة ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولما أجابها القوم بأن الرسول بخير، لم يطمئن لها قلب حتى اكتحلت عينها برؤيته فقالت في اطمئنان: كل مصيبة بعدك تهون. نعم إن فقدان الأب والأخ والزوج أصبحت مصيبة صغيرة ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم سالمًا يبلغ الدين ويهدي الضالين ويقاتل المضلين. وهذا خبيب، صلبه کفار قریش على الخشبة، ولم يبق بينه وبين الموت إلا لحظات، ويسألونه: أتحب أن محمداً مكانك؟ ويكون الجواب، جواب المحب الذي ملك الحب عليه نفسه: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه. وهنا بين ضحك اللاهين وبين دهشة المندهشين لهذا الجواب يقول أبو سفيان: ما رأيت أشد من حب أصحاب محمد محمداً. لقد أدرك أبو سفيان بعض الحقيقة، ولم يدركها كلها لأنه لم يدرك أسبابها ولو أدرك أسبابها في ذلك الحين لكان من المحبين. وأي حبيب كان يمكن أن يقف موقف المحبين في أُحد، رجالاً ونساء، يترسون بأنفسهم عن حبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحب العلوي الذي جعل أم حبيبة بنت أبي سفيان تطوي عنه فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمنعه الجلوس عليه. هذا الحب الذي أذهل عروة بن مسعود الثقفي يوم الحديبية فعبر عنه بقوله: والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً. هذا الحب الذي هو جزء من إيمان المسلم بالدين الذي ارتضاه الله للعالمين، «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه». وإلا كيف بنى هذا الرسول البشر دولة؟ وكيف نشر ديناً ساد الأديان جميعاً؟ إننا اليوم ندعو للحب، ندعو لحب صاحب الرسالة في اتباع رسالته والتفاني في الدعوة إليها، إننا ندعو أولئك الذين أهدروا عواطفهم وعقولهم في حب فان ولذات عابرة أن يتوجهوا بعواطفهم وعقولهم نحو رسالتهم للإنسانية جمعاء. حب رسول الله هو الجهاد في خدمة الدين الذي جاء به . فإذا ما أحببنا هذا الحب فإننا سنعيد البناء الذي بناه رسولنا العظيم، وسنتمتع بالعزة التي أرادها لنا رب العالمين. وصلى الله عليك يا حبيبنا یا رسول الله.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل