; الحال المرتحل | مجلة المجتمع

العنوان الحال المرتحل

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011

مشاهدات 69

نشر في العدد 1945

نشر في الصفحة 54

السبت 26-مارس-2011

حيثما جلس على مقعد الطائرة، تزاحمت عليه وجوه أفراخه تتوسل إليه ألا يطيل الغياب، ورنت في أذنه ضحكات بريئة لصغار، ووجوم حزين لكبار، وتداعت إلى خياله معاتبات وحركات صادقة، هي عنده سر من أسرار الوجود.

وتداعي الشعر مؤانسًا ومعبرًا ليقول: 

أشوقًا ولما تمض بي غير ليلة

                        فكيف إذا سار المطي بنا عشرا؟ 

وتذكر الأعرابي الذي حزم متاعه للرحيل في أرض الله الواسعة، وقال لزوجته: 

عدي السنين لغيبتي وتصبري 

                            وذري الشهور فإنهن قصار 

فجاوبته: 

اذكر صبابتنا إليك وشوقنا 

                             واذكر بناتك إنهن صغار! 

فوضع متاعه، وأقام حيث الأهل والعيال. 

مسافر جواب، تعود أن يرتاد الفضاء ويصفق بجناحيه في الهواء، ولو لم يستطع فالشوق يحدوه: 

سنة في دبي، والأخرى في لندن، وثالثة في إسطنبول، ورابعة في «كيب تاون».

إن الطيور وإن قصصت جناحها 

                            تسمو بفطرتها إلى الطيران 

الترحال دابه، يتفرس الوجوه ويتملى الملامح، وينظر في الآفاق، ويتأمل في الأخلاق، ويجدد الأفكار، ويستشعر الحرية التي جبل عليها.

يقرأ حتى يمل، ويكتب حتى يتعب وينام حتى يشبع، ويمشي حتى يعيا، وينأى بنفسه عن التوترات التي تصطبغ بها الحياة أحيانًا.

يحب الغرباء ويأنس بهم، لأنه يعد نفسه غريبًا مثلهم، يحب العفوية والبساطة والوضوح والصفاء، ويكره اللغة الممسوسة بالتحليل والتفسير والاستبطان، المولعة بقراءة المقاصد والنوايا وملء الفراغات بما تشتهي.

حتى في عبادته، قد يفقد في سفره صوت الأذان، وصلاة الجماعة، ولكنه يجد قلبه وروحه أكثر ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾  (المزمل: 6).

فالخلوة مع النفس، لقراءة كتاب، أو تدوين فكرة، أو تجهيز مادة علمية للطباعة أو مراجعة ملف، هي استثمار لا يعوض، فضلًا عن سجدة مناجاة:

 اغتنم ركعتين زلفى إلى اللــ

                               ــه إذا كنتَ فارغًا مستريحا

وإذا ما هممت بالقول في البا 

                              طل فاجعل مكانه تسبيحا 

العالم اليوم لم يعد قرية كونية، أصبح جهازًا بحجم راحة اليد، فيه المدرسة والقناة والسوق والعائلة والمؤسسة والخيارات الهائلة المتنامية لحظة لحظة، والعلاقات المؤثرة وفيه كل شيء على لغة الهدهد؛﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ﴾ (النمل: ٢٣).

تسافر وأنت مقيم، وتقيم وأنت مسافر، فالمسافات اختصرت، والحدود تقلصت، والأفكار تداخلت، والتجارب.. وحتى اللغة، فثم لغة مشتركة يتعامل معها أولئك المدونون اختصارًا وتسهيلًا واستثمارًا للتقنية.

في ظل هذا الفيض المعرفي الضخم؛ أصبحت تجد الناس جميعًا أو تكاد، المتعلم والجاهل، والصادق والخؤون، والصافي والمكدر، والمحب والشانئ، والهادئ والعجول، وكلهم يعبرون، ويجدون من يقرأ لهم ويسمع، ويوافق أو يخالف، فلم يعد ثم استثناءات.

ستجد المؤمن الحق الذي يتعبد ربه بكلمته الطيبة، ويسعى في الخير، ويقدم الأسوة الحسنة، وتجد الملحد الذي يهزأ بالمقدسات ويتجرأ على حدود الله، ويسخر من الأنبياء، ويتنكر للأديان.

وتجد العالم والمفكر والكاتب والشاعر والسياسي والتاجر والموظف ورجل الأمن والطفل والرجل والمرأة والمريض والمجرم.. وكل ميسر لما خلق له، وكل الناس يغدو في هذا العالم الافتراضي، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، كما قال الصادق المصدوق ﷺ فيما معناه.

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرةٍ

                           بلغت من العلياء كل مكانِ!

يحب الأنس كما كانت أم إسماعيل، وكما هو شأن البشر، وربما يأنس أحيانًا بالضجيج والصخب، ويرتاح لرؤية الغادين والرائحين، ويتعجب لهذا المزيج المتنوع من الوجوه والملامح والشيات والأذواق والتوجهات.. التي هي سر من أسرار الصنعة الإلهية؛﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21).

ويفر أحيانًا أخرى منه إلى حيث الهدوء والسكينة والدعة والراحة والصمت، ليستمع إلى همس نفسه وحديثها، وينصت لقديمها وحديثها، ويقبل لومها وتقريعها، كما يقبل دعمها وتشجيعها !

المتعة بالتغيير، ولو مؤقتًا، طبع إنساني وحين قال بنو إسرائيل:﴿لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ﴾(البقرة : ٦١)؛ قال الله لهم:﴿ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ﴾ (البقرة: ٦١).

تنويع المساكن وتنويع المطاعم، وقال هنا:«مِصۡرٗا»، بالتنكير، أي اهبطوا أي مصرٍ وأي بلدٍ فستجدون فيه ما سألتم.

أما هموم أمته وأهله فهي معه لا تريم ولا تنتقل، يتابع جديدها ويتداعى فرحًا وسرورًا، أو حزنًا وهمًا، على تحولاتها وأحداثها، ويعبر عن انتمائه الصادق بمؤشر القلب الذي يفرح ويحزن بحسب حالها. 

فإن رآها على خير بكى فرحًا 

                       وإن رآها على سوء بكى ألما

ويتعامل مع ربه بمنطق «الطمع»؛ فكلما حقق الله أمنية أو ختم بخير أو غير ما لم يكن في الحسبان، تحركت الهمة إلى موقع آخر يعاني الناس فيه ما يعانون من الخسف والقتل والإبادة، وتضرع القلب إلى باريه ضراعة المضطر أن يكشف الكروب ويجمع الشمل ويجعل العواقب كلها إلى خير.

وإنــي لأدعـــــو الله حتى كأنـــنـــي 

                         أرى بجميل الظن ما الله صانع

الرابط المختصر :