العنوان الحاكم والناس بين الإسلام والعلمانية
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 11-أبريل-2000
ما من سياسة تتبناها دولة أو حركة أو فرد في ظل المرجعية الإسلامية إلا وتعتبر اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد والتقويم من قبل العلماء وسائر الأخذين بالمرجعية الإسلامية ومن قبل الأمة بمختلف نخبها وفئاتها وتكويناتها، ولاسيما حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، أو السياسات الاقتصادية أو الإعلامية أو التعليمية، أو مصالح الناس وحقوقهم أو كيفية تنظيم التنافس فيما بين الجماعات السياسية، أو الدعوية نفسها، أو محتويات العقود أو الاتفاق العام بين المسلمين وغير المسلمين، بما في ذلك تنظيم المواطنة وحقوقها وواجباتها.
يجب أن يؤخذ في الاعتبار هنا أنه كثيرًا ما تكون هنالك خلافات بين الإسلاميين أو فيما بين العلماء في الاجتهاد حول كيفية تنزيل حكم من الأحكام على واقع محدد دون أن يكون ثمة خلاف في أصل فهم النص وتبنيه، والأمر كذلك بالنسبة إلى الفتاوى والاجتهادات عند تنزيلها على واقع محدد.
ولهذا فإن القول إن القائد أو الحاكم في الدولة الإسلامية هو «الممثل الشرعي والوحيد للدين»، أو «لا يخطئ في أحكامه»، أو «لا تحق معارضته ومخالفته»، ليس مما يقول به غالبية العلماء والداعين إلى الحكم الإسلامي، أو غالبية المنادين بتبني المرجعية الإسلامية، وبأن يرشد الدين الدولة، فنحن لسنا إزاء دولة لاهوتية أو كهنوتية، ولسنا أمام شخص يعتبر نفسه «ظل الله على الأرض»، فكل ما نحن في صدده هو حاكم متعاقد مع الجماعة أو الشعب أو الأمة، له مرجعية إسلامية وعليه التزام الشورى ونص البيعة ودستور الدولة.
ويمكن التوسع بحقوق الشعب أو الأمة في ظل المرجعية الإسلامية أكثر بكثير مما يمكن أن يتمتع به شعب إزاء حاكمه أو الطبقة الحاكمة في نظام ديمقراطي علماني، ولنتذكر أن كشف الحساب في تجربة الأنظمة الديمقراطية العلمانية الغربية عن حقيقة العلاقة بين الطبقة الحاكمة والشعب لن يكون أبدًا على تلك الصورة الوردية التي يصورها البعض.
من هنا فالخلاف بين المنظور العلماني على النمط الغربي والمرجعية الإسلامية فيما يتعلق بمسائل الدولة وعلاقة الحاكم بالأمة وبحقوق الشعب حين يوضع في الميزان ترجح أفضلية المرجعية الإسلامية قطعًا.
أما الخلاف حين ينصب في هذه الأيام حول النظر إلى الحاكم واختياره، ومحاسبته ومراقبته وتغييره وآليات ذلك فقد تتقارب المداخل عند البحث في الآليات مع بقاء الخلاف في المرجعية حاضرًا هنا أيضًا، فعلى سبيل المثال إن مبدأ الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في اختيار الحاكم أو الحزب الحاكم، والتداول على السلطة يمكن أن يكون واحدًا في الحالتين، ولكنه لا يكون مع المرجعية الإسلامية صراعًا على الحكم لا أكثر، فما ينبغي للمنافسة أن تأخذ شكل الصراع الذي يستخدم كل الأسلحة المعروفة في الحملات الإعلامية التي تتسم بالتشهير والابتزاز وألوان الخداع وتعلق الناخب، كما هي التجربة الأمريكية لتحطيم الخصم وإخراجه من السباق بكل وسيلة ابتزازية وخداعية ممكنة.
أما من جهة أخرى فالمرجعية الإسلامية التي جعلت السيادة للشرع ولم تجعل أحدًا فوق الشرع، لم تجعل القانون وحده -كما في التجربة الديمقراطية الغربية- الحاكم الفيصل؛ بحيث يمكنك أن تفعل ما نشاء شريطة ألا تقع بين براثن القانون أو تشهير الصحافة «وهذه محكومة بقانون القوة والنفوذ» فالقانون عندهم هو الرادع الأول والأخير بينما القانون في المرجعية الإسلامية يأتي من جهة الردع في مرتبة ثانية أو ثالثة بعد الإيمان وتقويم أخلاق الفرد بقيم الدين، وتثبيت ذلك كله من خلال العقل الجمعي وقيمه الدينية.