; الحاجة إلى فقه الإعلام | مجلة المجتمع

العنوان الحاجة إلى فقه الإعلام

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

مشاهدات 90

نشر في العدد 1321

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

هل للفقه علاقة بالإعلام أم أن الصلة منقطعة بينهما ولا يلتقيان؟! 

قد يظن بعض الناس أن الإعلام لا علاقة له بفقه الدين، وقد يعجبون من الربط بين قضايا الإعلام وأحكام الفقه، وهذه نظرة قاصرة نابعة من تحجيم دور الدين في حياتنا المعاصرة.

والحق أن العلاقة بين الإعلام والفقه وثيقة، باعتبار أن للإسلام تصورًا شاملًا ينظم للإنسان نشاطه وحركته في الحياة في جميع المجالات.

ولكن أي فقه هو الذي نحتاج إليه في التعامل مع وسائل الإعلام ومعالجة قضاياه العديدة وإشكالاته التي تثير بين الناس الكثير من الجدل والاختلاف؟

لقد أعجبتني المحاضرة القيمة الشائقة التي ألقاها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي - يحفظه الله - ضمن فعاليات ندوة قناة اقرأ الفضائية التي أقامتها في القاهرة مؤخرًا تحت عنوان (تحت فقه معاصر لإعلام متميز).

لقد وضع الشيخ القرضاوي - وفق رؤيته الفقهية المستندة إلى فهم نصوص الشرع المطهر وفهم واقع الإعلام المعاصر، معالم رئيسة للنظر في مسائل الإعلام وإشكالاته التي تواجه العاملين في ميادين الإعلام المختلفة وبخاصة في مجال الإعلام المرئي.

وهو يرى أن الإعلام أصبح اليوم ضرورة عصرية لا غنى عنها، فهو جزء من حياتنا رضينا بذلك أم كرهنا ولا بد من التعامل معه، ووسائل الإعلام ليس لها حكم شرعي في ذاتها بل حكمها يتعلق بالمقاصد التي تستخدم من أجلها. أرأيتم إلى البندقية كيف يستخدمها قاطع الطريق في إرهاب الناس واغتصاب حقوقهم فيكون هذا الاستخدام حرامًا، وكيف يستخدمها المجاهد في إعلاء كلمة الله والدفاع عن الحقوق فيكون هذا الاستخدام حلالًا، بل قد يكون مطلوبًا ويأثم الإنسان إذا لم يفعله.

ويقول القرضاوي إن وسائل الإعلام اليوم وسائل جبارة ولذلك فخيرها كثير وشرها كثير أيضًا، وواجبنا أن نقلل من شرورها ونعظم من خيرها حتى يصبح خيرها أكثر من شرها، ويضيف أن على العلماء والفقهاء أن يشجعوا الإعلاميين الراغبين في خدمة دينهم وأمتهم من خلال وسائل الإعلام لا أن يسدوا أمامهم الأبواب ويثبطوا من عزائمهم. وهو يرى أن على علماء الدين وفقهاء الإسلام دورًا كبيرًا في مساعدة الإعلاميين لتغيير الواقع الإعلامي البئيس والمنحرف الذي يشكو منه كثير من الأمم، وتتمثل مهمة هؤلاء العلماء في الاجتهاد العصري الذي يفهم إشكالات العمل الإعلامي ويقدر ظروفه ويطلع على جميع أبعاده ثم يقدم للعاملين في الإعلام رؤية فقهية مستنيرة تراعي تلك الظروف والأبعاد وتأخذ من أحكام الفقه ما يتناسب معها ويلبي احتياجاتها الواقعية.

ويقول الشيخ القرضاوي إننا لن نستطيع معالجة مشكلات الإعلام وقضاياه بما يمكن تسميته بـ «فقه المنع» لأننا إذا شددنا على الناس فإنهم سيتركون أحكام الشرع وينطلقون وفقًا لأهوائهم.

ويقول إن إصدار أحكام المنع أمر سهل وميسور لكل أحد ويستشهد بقول الإمام سفيان الثوري - رحمه الله - إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد، ولا يعني ترك التشدد - كما يرى القرضاوي - أن نتجه إلى فقه التبرير الذي يلوي أعناق النصوص الشرعية لتوافق الواقع أو تعطيه صك البراءة من المخالفة والانحراف.

إن التعامل مع قضايا الإعلام المعاصر يحتاج حقًا إلى فقه جديد، فكثير من قضاياه هي قضايا جديدة لم يعرفها أسلافنا ولم يتعاملوا معها، وقد أصبح الإعلام - كما هو ملحوظ - ضرورة من ضرورات العصر الذي نعيشه ولا يمكن الإنسان راشد أن يغمض عينيه أو يصم أذنيه عن التعرض لوسائل الإعلام بكل أنواعها وأشكالها.

ويقرر الشيخ القرضاوي أنه ليست هناك أحكام شرعية قاطعة حول كثير من قضايا الإعلام، وتراوحت آراء العلماء بين التحريم والإباحة والكراهة ولكل فريق أدلته وتفسيراته.

ولكن المتفق عليه بين الجميع أن الشريعة وضعت ضوابط وشروطًا لكل قضية من تلك القضايا لكي تنضبط ممارستها بما لا يهدم أصول التدين أو يؤدي بالناس إلى مزالق الفساد.

ويتضح من تلك الضوابط والشروط أن الأمر كله يتعلق بالاستخدام ومدى مشروعيته، كما يتعلق بدوافع هذا الاستخدام الوسائل الإعلام ومدى تحقيقه للمصالح أو توسيعه الدوائر المفاسد في المجتمع.

ويرى القرضاوي أن نتعامل مع قضايا الإعلام بما يسميه بـ «فقه التيسير، مستندًا إلى منهج الرسول الله الذي أبانه للأمة بقوله: «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، ويتبنى الدكتور القرضاوي هذا المنهج في عبارته المشهورة التي يرددها دائمًا: التبشير في الدعوة والتيسير في الفتوى.

ويضم القرضاوي إلى فقه التيسير ضميمة أخرى هي «فقه التدرج فهو يري أن نعالج قضايا الإعلام بسنة التدرج التي هي سنة كونية وسنة شرعية معًا، فمفاسد الإعلام كثيرة وإصلاحها يحتاج إلى حكمة ووقت، كما أن بناء إعلام راشد يخلو من المفاسد لا يتحقق بين عشية وضحاها.

ولكنه ينبه إلى أن الدعوة إلى التدرج لا تعني التصويت» أي أن نترك الأمور بلا إصلاح لأزمان طويلة بدعوى التدرج، بل الواجب أن تكون هناك خطة محكمة ذات مراحل محددة تتدرج فيها محاولات الإصلاح واحدة بعد أخرى لكي يرى الناس ثمرات هذا التدرج في الواقع العملي.

إن ما يطرحه العلامة الشيخ القرضاوي من رؤى فقهية حول الإعلام جدير بأن يحظى بالاهتمام والنقاش والمحاورة من علمائنا الأفاضل، وقد دعت ندوة قناة اقرأ الفضائية التي عقدت في القاهرة العلماء والفقهاء إلى التعاون مع أهل الخبرة الإعلامية للوصول إلى صياغة رؤية فقهية معاصرة الإعلام متميز بكل ما يكتنفه من إشكالات في المضمون والشكل والأسلوب والطرح.

ونحن نأمل أن يستجيب أهل العلم والفقه لهذا النداء.

الرابط المختصر :