العنوان الجوانب المشرقة للابتلاء
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
مشاهدات 92
نشر في العدد 1219
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 01-أكتوبر-1996
المجتمع التربوي
الابتلاء ضرورة للجماعة المسلمة حتى تنفي خبثها وتنقي صفها من طلاب المنافع وأصحاب الأهواء والشهوات الذين تزين لهم أنفسهم أنهم قد يصلون لمآربهم، أو يحققون مصالحهم الشخصية عن طريق السير في هذه الجماعة والانطواء تحت لوائها.. فإذا فاجأهم القدر بالبلاء، وأدركوا أن ما يريدونه لن يتحقق، بل قد يضيع منهم المتحقق الذي في أيديهم.. حينئذ ينكصون على أعقابهم ويولون الدبر، وفي ذلك رحمة من الله بالجماعة أن طهرها من أمثال هؤلاء بيده وقدرته.. فإنهم لا خير فيهم، وكما قال الله تعالى ﴿ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ( الأحزاب: 20) (۱) ولو أن الجماعة أرادت بنفسها أن تقوم بدور الممتحن لأبنائها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.. بل ولسددت إليها السهام والنبال من كل حدب وصوب.. فاللهم لك الحمد على كل بلاء كحمدنا لك على كل نعماء.
أهمية الشدائد:
الشدائد تزيد أفراد الجماعة تماسكًا والتصاقًا واقترابًا وقد ضرب لذلك مثل رائع، حيث شبهها بعض الدعاة بقطعة الإسفنج التي كلما زدت الضغط عليها قل حجمها وتقاربت أجزاؤها وطردت الهواء من فجواتها، فالصف المسلم يقل عدده لكنه يشتد صلابة، لأنه فرغ من أصحاب الأفئدة الهواء.. كما أن ذلك لا يؤثر على وزنه، لأن الهواء لا وزن له بالذكر.
والابتلاء من رحمة الله بالجماعة، وتعهده لها بالرعاية، وإعداد الذين يخلفون من سبقوهم، حيث ترى أن الرعيل الأول الذي تخرج من مدرسة سيدنا يوسف بعد سجن تفاوتت المدد فيه، لكنهم مروا بهذه المدرسة هذا الرعيل اذن بالرحيل، ولقي منهم من لقي ربه، وبقي القليل ممن تقدم بهم العمر، وأصبح كاهلهم ينوء بأعباء الجماعة ويحتاجون لمن يحمل عنهم، ويرث تركتهم المثقلة ومع أنهم تعهدوا الجيل الذي سيخلفهم بالتربية البشرية التي في وسعهم ومقدورهم، لكن يبقى ليد القدرة الإلهية الدور التربوي الأخير بأن يدخلهم مدرسة الابتلاء والاصطفاء، فسخر الله أعداءه ليربي بهم أولياءه، حتى يعدهم لحمل الأمانة يوم أن يختار من بقي إلى جواره، فيلقون ربهم وقد اطمأنت نفوسهم إلى أن دعوة الله في أرضه يحملها رجال لن يفرطوا فيها، ولن يساوموا عليها وسوف يضحون في سبيلها بكل غال ورخيص.
سر الابتلاء قبل التمكين:
ومن الدروس أيضًا أن الابتلاء يسبق التمكين حتى يكون من يستخلفهم الله أقوياء أمناء فلا يخونون ولا يفرطون، فيوسف عليه السلام يخرج من السجن ليتبوأ على عرش مصر وخزائنها، ومع ذلك يظل مراقبًا لربه فيجوع يومًا ويشبع يومًا..
وهنا للمسلم أن يجول بخاطره ليرى الفارق الكبير بين من يخرج من السجن، ليتولى الحكم مثل: علي عزت رئيس البوسنة وبين من يخرج من الحكم ليدخل إلى السجن وهم كثير.
إن صاحب المبدأ والعقيدة لا يمكن أن يطغيه الحكم أو يجعله يستبد بالمحكومين، بل إنه يحرص كل الحرص على أن يتربع على عرش قلوب الناس ويحوز حبهم ومودتهم قبل ألسنتهم.
وشتان بين من يقهرون الشعوب لتصفق لهم وهم يسرقون أقواتهم، ويدنسون أعراضهم ويسلبونهم حريتهم وينتهكون كل المقدسات شتان بين هؤلاء وبين من يتعبون أنفسهم ليستريح غيرهم.
ويسهرون ليلهم لتنام شعوبهم، ويبذلون أموالهم ليحفظوا أموال الناس ويخرجون من أعمالهم وألسنة تلهج بالثناء عليهم والدعاء لهم، ألا فليعتبر أولو الألباب.
فترات الابتلاء في عمر الدعوة:
قد يحسب البعض أو يظن أن فترات الابتلاء تؤثر على حركة الجماعة في المجتمع، بمعنى أنه تضيع سنوات لو قضاها أصحاب العمل مع الناس، ودعوتهم إلى الحق وهدايتهم إلى الخير لكان أجدى على الجماعة وأنفع لها في كسب أنصار، وهذا تصور خاطئ لأمرين:
1- صدى آهات المعذبين من أصحاب الدعوات تسمعها الآذان من وراء الحجب وتتلقفها القلوب من وراء الجدر، وتكون في بيانها لحقيقة الدعوة أبلغ من قول كل خطيب يتربع على عرش البيان كما أن قطرات الدماء هي ماء حياة الدعوات وسر بقائها وخلودها، وكم كسبت الدعوات من وراء تعذيب أبنائها، ألا تعلم أن مفتاح قلب خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب قطرات الدماء التي سالت من وجه أخته المسلمة، فحين علم بإسلامها وإسلام زوجها ذهب إلى بيتهما قائلًا: فلعلكما قد صبوتما، فقال له ختنه يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئًا شديدًا، فجاءت أخته فرفعته عن زوجها فنفحها نفحة بیده فدمى وجهها فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله(۲) فلما يئس عمر ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحيا، ثم طلب الصحيفة التي كانت معهما، فرق قلبه وأخذ طريقه إلى رسول الله -الله- لا ليقتله كما كان يريد بل ليسلم ويذود عنه، ويقتل دونه،وهل تعلم أن أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمزة بن عبد المطلب قد سرى نور الإيمان إلى فؤاده، حين علم بأن أبا جهل قد مر برسول الله يومًا عند الصفا، فأذاه ونال منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساکت لا يكلمه، ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فشجه حتى نزف منه الدم، ثم إنصرف عنه إلى نادي قريش عند الكعبة، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة فأخبرته، فتوجه لأبي جهل وقام على رأسه وقال له: یا مصفر ،استه تشتم ابن أخي وأنا على دينه ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة...
فكان إسلام حمزة أنفة رجل أبي أن يهان مولاه، ثم شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى واعتز به المسلمون أيما اعتزاز (۳).
وأصحاب الأخدود هل أمنوا لسماع خطبة بليغة، أو موعظة مؤثرة، أو بعد مصاحبة الغلام وتعليمه ومدارسته ،لهم أم جمعوا ليروا مصير هذا الغلام الصغير، الذي كفر بآلهة البشر، وآمن بالله الواحد القهار الفعال لما يريد، وما إن أصاب الغلام السهم حتى آمن كل الناس بالله رب العالمين، كفروا بما سواه، وآثروا أن يحرقوا بالنيران ولا يرجعون عن إيمانهم.
نماذج من العصر الحديث:
وفي العصر الحديث قد مر بك قصة ذلك الوحش الذي أتي به ليفحش بمسلمة معذبة تسغب جراحها دمًا من كل مكان في جسمها فإذا به يتحول إليها قائلًا: لا تخافي يا خالة، لن أوذيك ولو قطعوني.. وكان صادقًا في وعده وعهده . فقد مزقوه حتى أسكتوا منه الأنين وحملوه إلى مصيره الذي لا يعلمه إلا الله.
وهل كان إيمان سيد قطب- رحمه الله- وهو في أمريكا إلا بعد أن قتل حسن البنا، ورأى الفرحة العارمة التي غمرت شوارع أمريكا لموته فحينئذ أدرك نبل رسالته، وأنها هي التي تغيظ الأعداء، فآمن بدعوته وعاد ليلتحق بالصف ويقدم دمه فداء لدعوته.
إنها سنوات العذاب التي أشرقت على هؤلاء وأضافت إليهم من الرصيد الإيماني، ما يعجز غيرهم عن نيله، ولو تبتل في محراب العلم عشرات السنين.
إنها بركة قطرات الدماء الذكية التي أريقت وآلام الجروح التي نقشت على صفحات القلوب ومعالم الإيمان الصادق والإسلام الحق لا يقبل على الدعوة في لحظات شدائدها وأيام كرباتها إلا الرجال الأقوياء والمتجردون من الأهواء والذين وطنوا النفس على تحمل الشدائد وتلقي العنت والعناء في سبيل الحق، لأنهم يرون ويشاهدون أمام أعينهم رواد الطريق وما نزل بهم أو حل بأسرهم، وفي ذلك اجتباء واصطفاء لحملة الحق أن يكونوا من الرجال الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وأيضًا هذه الشدائد تحول بين الدعوة وبين طلاب المنافع وأتباع الشهوات وبذلك يحفظها الله من الأدعياء وأصحاب الهمم المتدنية التي أخلدت إلى الأرض ورضيت بالحياة الدنيا وإطمأنت بها.
إن مثل هؤلاء لا طاقة لهم بحمل شيء مهما صغر، ودائمًا أبصارهم زائفة، وقلوبهم خــواء ويلهثون وهم بدون أحمال وذلك مثل الله البليغ لكل من انسلخ من آيات الله.. قال تعالى: وائل عليهم نبأ الذي أتيناه أياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 176) (٤).
الممتحنون رواحل الدعوة:
الممتحنون في سبيل الله هم رواحل هذه الدعوة وأعمدة البنيان الإسلامي وبهم يرتفع البناء ويعلو، وبحركتهم ينتشر في الآفاق، وبهؤلاء تنكشف الكربات وعليهم ينادي في ساعة الملمات. وشتان شتان بين مهاجرين وأنصار أسلموا وآمنوا والدعوة مضطهدة معذبة مطاردة لا تجد أرضًا تأمن فيها، وبين مسلمة الفتح الذين أمنوا والدعوة آمنة، ولها دولة قائمة وجيش قوي يؤدب من تسول له نفسه أن يمس طرفها.. ووقائع التاريخ تؤكد أن من طال بلاؤه ثبت بناؤه.
ويوم حنين يؤكد صحة ما ذهبنا إليه حيث باغت العدو جيش المسلمين بوابل من النبال وشدت عليهم كتائب العدو وهم في المضايق والمداخل إلى الوادي فانشمر المسلمون راجعين لا بلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب، وهو حديث عهد بالإسلام، لا تنتهي هزيمتهم دون البحر الأحمر، وصرخ جبلة أو كلدة بن الجنيد الا بطل السحر اليوم وانحاز رسول الله له جهة اليمين وهو يقول: هلموا إلي أيها الناس أنا رسول الله أنا محمد بن عبدالله ولم يبق في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته، وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها، فقد طفق يركز بغلته قبل الكفار وهو يقول:
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب
بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان أخذًا بلجام، بغلته والعباس بركابه يكفانها ألا تسرع ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلا: «اللهم أنزل نصرك وأمر رسول الله عمه العباس، وكان جهير الصوت أن ينادي الصحابة، قال العباس فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها فقالوا يا لبيك يا لبيك، وذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا، وصرفت الدعوة إلى الأنصار يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث ابن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى، كما كانوا تركوا الموقعة وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استعر واحتدم فقال الآن حمي الوطيس، ثم أخذ رسول الله من قبضة من تراب الأرض فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله إنسانًا إلا ملا عينيه من تلك القبضة، فلم يزل حدهم كليلًا وأمرهم مديرًا، فثبات النبي صلى الله عليه وسلم في الميدان ثم نداؤه على الناس فلم يجتمع حوله من عشرات الألوف إلا بضع عشرات ولما كان النداء بدأ بأصحاب السمرة، وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان وصل العدد إلى المائة، ثم كان النداء على الأنصار، وهؤلاء هم أصحاب الثبات والذين يكون عليهم النداء. وأبو بكر -رضي الله عنه- حين زاغت القلوب واضطربت الأفئدة واهتزت المشاعر بموت رسول الله يقف ليربط على القلوب ويثبت الأقدام بقدر الله.
فبعد أن تسرب نبأ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر -رضي الله عنه- إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران والله ليرجعن رسول الله له فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات.. ولكن أبو بكر- رضي الله عنه- يخرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس ياعمر، فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر أما بعد من كان منكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) (٥).
قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها (٦).
وفي التاريخ الحديث أتت المحنة على الجماعة الإسلامية الرائدة وكان تعدادها يتجاوز مئات الآلاف، فلما وقع البلاء، لم يثبت على الطريق إلا بضع المئات ولم يحمل أعباء الدعوة وإعادة بناء الصف إلا بضع العشرات، وهم من طال بهم البلاء ليصل إلى قرابة العشرين عامًا وهم ثابتون على العهد، أوفياء على البيعة، لم تكن لهم قناة، وما زادتهم المحن إلا إيمانًا وتسليمًا.
وهؤلاء هم الذين طالت فترة احتضان الدعوة لهم وتعهدهم مرشدهم الأول بالعناية والتربية بوسائله المتعددة المتنوعة وما قتل حتى وضع أقدامهم على الطريق، وكشف لهم عن شدائدها وتبعاتها، ويكفي أن تسمع معي! لتلك الكلمات التي كان يكثر من ترديدها على أسماعهم ويطرق بها دومًا على القلوب حتى تكون مهيأة لما ينتظر من بلاء لا يسلم منه صاحب الدعوة.
يقول الإمام حسن البنا في رسائله تحت عنوان:«العقبات في طريقنا» أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات أما الآن فما زلتم مجهولين وما زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين، ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم.
وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان... وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة وأن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم،﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (۷).
وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون(۸) ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍۢ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ.. فأيدنا الذين أمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ (۹) فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله(۱۰).
الهوامش:
۱- الأحزاب: 20
2- الرحيق المختوم ۱۲۱.
3- الرحيق المختوم ۱۱۸.
4- الأعراف: 175: 176.
5- أل عمران: ١٤٤.
6- الرحيق المختوم ٥٥٥.
7- الصف: ۸.
8- العنكبوت: ۲.
9- الصف: ۱٤-۱۰.
10- الرسائل ص ١٦٢.
(.) من علماء الأزهر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل