; الجواب على الأخطاء الإصلاحية | مجلة المجتمع

العنوان الجواب على الأخطاء الإصلاحية

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1977

مشاهدات 89

نشر في العدد 364

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 23-أغسطس-1977

لقد تضمن مقال سماحة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر اتهامًا لي بأنني لم أكن محققًا ولا مدققًا أو متحريًا الحق فيما نسبته إلى الشيخ محمد عبده ومدرسته بشأن رد المعجزات النبوية الواردة عن طريق الأحاديث النبوية التي دونت بطريق الإلحاد ونسب إلي المقال أيضًا الإفتاء بخروج هؤلاء على الإسلام وكفرهم به، وهذه الفتوى تنسحب في نظره على صحابة أبرار قالوا بأن الإسراء بالروح فقط ومنهم حذيفة ومعاوية وعائشة رضي الله عنهم.

وذلك إلى جانب استنتاجات أخرى سنتناولها بالرد الموجز حرصًا على وقت القارئ وجهده.

أولًا: الاتهام الموجه إلى الشيخ محمد عبده ومدرسته

لقد نسب إلينا المقال القول بأن الشيخ محمد عبده ومدرسته الإصلاحية ردت المعجزات النبوية وأولت النصوص الشرعية تبعًا للهوى ومسايرة للغرب. ثم دافع عنهم لأنه «ليس في طائفتهم من ينكر معجزة أو يردها مما ورد في القرآن أو جاءت به الأحاديث الصحيحة تواترًا أو آحادًا وليس فيهم من يؤول المعجزات الواردة في القرآن بنص صريح بل فيهم من يعتبر ذلك ردة وكفرًا».

ولقد أيد وجهة نظره بأقوال الشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده.

ونود أن نؤكد أنه لم يرد في مقالي أن تأويلهم النصوص كان تبعًا للهوى بل قلت إنهم تأثروا في الغرب فسايروه في إنكار الإسراء بالجسد ظنًا منهم أنهم يدافعون عن الإسلام.

وكنت أود أن ينقل لنا أستاذنا أقوالًا للشيخ محمد عبده تفيد أنه لا يرد المعجزات النبوية الواردة بطريق أحاديث الآحاد، لأن أقوال الشيخ رشيد رضا تعبر عن وجهة نظر شيخه اللهم إن كان شيخه لم يصرح بخلافها، فما بالنا والشيخ محمد عبده قد تجاوز الحدود العلمية في تأويل المعجزات وقد نقلنا هذا التأويل عنه وكان الأولى أن يناقش ذلك من خالفنا ليتضح هل رجمناه بالغيب عندما نسبنا له ذلك أم أن هذه أقواله.

لقد جاء في مقالي ما نصه:

«وقد بدأ أصحاب هذا التيار برد المعجزات التي لم ينص عليها القرآن الكريم والسنة المتواترة ولكن النتيجة الطبيعية لهذه البدعة هي أن هؤلاء العلماء أصبحوا يؤولون المعجزات الواردة في القرآن الكريم بنص صريح، فزعموا أن الإسراء كان بالروح فقط وزعموا أن هزيمة أصحاب الفيل كانت عن طريق الرعب والخوف مع أن الله تعالى يقول ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (الفيل: 3-5).

ولكن الإصلاح الديني الذي أرادوه هو الزعم بأن هذه الطيور هي مرض الجدري والحصبة الذي جعل الجيش يولي هربًا». وهذه تأويلات الشيخ محمد عبده وهي تنبع من أصل عنده أو رده في كتابه رسالة التوحيد حيث كتب ما نصه «لا يمكن أن يتخذ حديث من أحاديث الآحاد دليلًا على العقيدة مهما قوى سنده فإن المعروف عند الأئمة قاطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا».

والجدير بالذكر أن بعض الأئمة قد قطع بأن أحاديث الآحاد تفيد اليقين لا الظن وأنها قطيعة الثبوت ومن هؤلاء ابن الصلاح والسيوطي وابن حزم الذي أطال في إثبات ذلك في كتابه الإحكام في أصول الأحكام.

كما أن الذين قالوا إن أحاديث الآحاد ظنية يريدون أنها ظنية الثبوت ولكنهم لا يختلفون على وجوب العمل، وإنما يفرقون بينها وبين قطعي الثبوت وهو المتواتر بأن الأخير يكفر من يرده أما ظني الثبوت فلا نحكم بكفر من رده لأنه ليس على يقين من نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والشيخ محمد عبده يرتب على القول بظنية أحاديث الآحاد بأن «الظن لا يغني من الحق شيئًا» وهذا اقتباس من آية من القرآن الكريم ولكن الظن الوارد في الآية القرآنية موضوعة هو قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ, وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا(النجم: 27-28).

 فزعم الكفار أن الملائكة إناث ونهم بنات الله حيث رد الله عليهم بقوله عز وجل ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (الصافات: 149-150) هذا الزعم هو الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا.

أما وصف الأحاديث النبوية الواردة بطريق الأحاد بأنها ظنية فهو اصطلاح أتى به أكثر علماء الحديث وهو لا يراد به أنها لا تغني من الحق شيئًا، بل مفاد ذلك عدم الحكم بكفر من توقف في قبولها أو ردها لشبهة لديه.

فالظن الوارد في الآية القرآنية يراد به ترك الحق الثابت باليقين واتباع الهوى بينما الظن في أحاديث الأحاد غير ذلك تمامًا فهي عماد السنة النبوية.

ذلك أن الظن أصله كما جاء في معاجم اللغة- إدراك الذهن للشيء مع ترجيحه.

وقد يرد في القرآن الكريم بمعنى اليقين كما في قول الله تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).

ثانيًا: الخلط بين مدرسة محمد عبده والمدرسة السلفية

وقد خلط المقال موضع الرد ببن الإصلاح الممثل بالاتجاه السلفي الذي اشتهر به شيخ الإسلام ابن تيمية ثم حافظ عليه الإمام محمد بن عبد الوهاب.

والفرق شاسع بين الإصلاح الذي سار فيه أصحاب المدرستين فالمدرسة السلفية لم تؤول النصوص ولم ترد المعجزات ولم تكن محل اتهام يذكر بينما المدرسة الإصلاحية بروادها -ما عدا قلة منهم مثل الشيخ محمد رشيد رضا- كانوا يردون المعجزات ويؤولون النصوص وقد اختلف معهم أكثر علماء الأزهر كما أورد الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه الأستاذ الإمام حتى أنه كان يطلق على الأزهر عبارة «الاسطبل والمارستان أو المخروب».

وقد نسب إلى كل من الشيخ محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني الانتساب إلى الماسونية حتى نسب إلى الأفغاني أنه مؤسس محفل الشرق ورئيسه وأن الشيخ محمد عبده كان عضوًا فيه.

جاء ذلك في كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين الذي قال إن الشيخ محمد رشيد رضا قد أيد هذه الروايات في كتابه سالف الذكر.

فالفرق واضح بين المدرستين مع الإحاطة أنه لم توجد طعون على نسبة هذا إلى الأفغاني ومحمد عبده فيكون الصحيح أنهما لم يعرفا حقيقة الماسونية وارتباطها باليهودية، ذلك أنهما كانا يدافعان عن الإسلام أمام هجمات أعدائه إلا أن منهما من أخطأ سبيل الدفاع كإنكار المعجزات النبوية وتأويل نصوص المعجزات الواردة في القرآن الكريم، وأيضًا يوجد من أتباعهما من فعل ذلك ومن وصف المستشرقين بالعملاء الأجلاء كما يوجد من تجنب هذه الأخطاء مثل الشيخ محمد رشيد رضا.

ثالثًا: محمد عبده وكرومر والبهائية

كما أخطأ الشيخ محمد عبده عندما صدق البهائيين في زعمهم أنهم يقربون بين الأديان.

وأخطأ في انضمامه إلى المعتمد البريطاني اللورد كرومر في نزاعه مع الخديوي عباس، وفي ثقته بهذا اللورد الذي أعلن أن الإسلام عدو الحضارة، وفي السفر إلى عاصمة الخلافة التركية، تحت حماية السفارة البريطانية هناك بتوصية من كرومر الذي توسط في العفو عن إمام المصلحين وإعادته إلى مصر بعد المنفى الذي فرضته الخلافة العثمانية «المرجع الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ج١ وتاريخ الأستاذ الإمام ج ١ ص ٨٤٧».

لقد عاب المقال علينا أن وصفنا تأويل الشيخ محمد عبده للمعجزات وصفًا فيه عبارة أنه تأثر بأقوال المبشرين والمستشرقين. واستنكر هذا الوصف على إمام المصلحين وعلى مدرسته.

وما كنا نود أن نتتبع الأخطاء العلمية للشيخ محمد عبده أو غيره ولكن جعل أقواله وكأنها معصومة من الخطأ، إحدى نتائج الغزو الفكري الوافد على الأمة والممثل في جانب منه في خلق شخصيات من الزعماء والفلاسفة والحكام ليكون لمناهجهم وفكرهم الولاء المطلق وفي سبيل ذلك ننسى تقويم هؤلاء بميزان الكتاب والسنة النبوية.

هذا هو الذي جعلنا ننقل ما كتبنا عن الشيخ محمد عبده ومدرسته مخالفًا للكتاب والسنة مخالفة تعد من الهفوات التي لا تغتفر لمثلهم.

لقد جاء في كتاب الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده -ج٣ ص ٥٣٤- بتحقيق الشيخ محمد عمارة أن الشيخ رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده قد سلمه رسالة عن البهائية فيها بيان مذهبهم وهي بخط ميرزا فضل الله الجوزقاني أمير البهائية في عكا فقرأها الإمام واستحسنها وشكر للبهائية سعيهم لتقريب الأديان، والمعلوم للجميع أن البهائيين يزعمون أن الإسلام قد نسخ ويعطلون الجهاد وينكرون أسماء الله وصفاته والمعجزات القرآنية والنبوية والجدير بالذكر أنه عندما أوضح الشيخ رشيد رضا لإمامه هذه الانحرافات قال له -أنا لا أفهم من عباس أفندي شيئًا من هذا-..

وعباس هو نجل البهاء وهو الذي دعا للبهائية عندما كان في بيروت وقد أوجد صلة علمية بينه وبين الشيخ محمد عبده وكان يحضر دروسه.

وكان يراسله في مصر بعد عودته من بيروت ولعل الإمام قد خدع فيه.

رابعًا: تأويل صريح للقرآن

والشيخ محمد عبده أنكر الملائكة والجن والشياطين فقال عن الملائكة هي نوازع الخير في أنفسنا وعن الشياطين هي نوازع الشر-المرجع السابق هـ ٤ ص ١٤٣-.

والشيخ محمد عبده لا يجهل ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير سورة الجن ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ  (الجن: 1).

فقد جاء في الحديث النبوي «قد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب.

قالوا ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها»

فالحديث صريح في أن الشياطين مخلوقات تتحرك وليست نوازع في النفس الإنسانية.

والقرآن الكريم فيه آيات كثيرة تدل أن الملائكة مخلوقات وكذا الشياطين وأن لها حياة ومملكة ووظائف نكتفي هنا بقول الله تعالى في وصف إبليس:- ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27).وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة : 34). وقال تعالى عن وظائف الملائكة: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ) (آل عمران : 124).ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97).

كما يقول ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأنعام : 93).

كما يقول ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(الأنفال: 50).فهل هذه نوازع في النفس أم مخلوقات لها رسالة تتحرك لتحقيقها؟

تحقيق أهداف المستشرقين 

إن الذين يؤولون نصوص القرآن والسنة يخدمون أهداف المستشرقين مع أنهم ما فعلوا ذلك إلا ردًا علي هؤلاء الأعداء ودفاعًا عن الدين فيما يفهمون فالمستشرقون تواتروا علي ذلك وحسبنا هنا ما كتبه المستشرق -درمنجم- الذي نقل عنه الدكتور هيكل في كتابه حياة محمد، فقد زعم هذا المستشرق أن أحاديث الإسراء والمعراج أساطير لم يرجح منها علماء الأحاديث رواية واحدة يعتمد عليها.

ثم يقول الدكتور هيكل «وأحسبك لو سألت الذين يقولون الإسراء بالروح في هذا لما رأوا فيه عجبًا بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدث عن أشياء واقعة في الجهات النائية» ثم يأتي الشيخ محمد مصطفي المراغي وهو من المدرسة الإصلاحية - ويكتب مقدمة كتاب حياة محمد فيقول: «وعلم استحضار الأرواح فسر للناس شيئًا كثيرًا مما كانوا فيه يختلفون وأعان على فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها وفهم ما تستطيعه من السرعة في طي الأبعاد، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا بتقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف».

وإذا كان هذا اتجاه المستشرقين وهؤلاء ظهروا حديثًا فإن التبشير والمبشرين لم يكن معاصرًا لحركة المستشرقين بل يمتد إلى عصور الإسلام الأولى حيث جند علماء أهل الكتاب أنفسهم للتبشير بدينهم والطعن على الإسلام بطرق مختلفة ومنها اختلاق أحاديث وروايات ونسبتها إلى بعض الصحابة والتابعين، ولذا لا يجب الاعتماد على كتب السيرة والتاريخ إلا إذا تم تحقيق رواياتها كما حدث في كتب السنة النبوية وأيضًا ما ورد في كتاب الإمام المراغي للأستاذ أنور الجندي من أن الشيخ المراغي قال -ضعوا من المواد القانونية ما يبدو أنه يوافق الزمان والمكان وأنا لا يعوزني أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم- «الكتاب صدر ضمن سلسلة اقرأ العدد ١١٥ - القاهرة» ونقل هذا يبين اتجاه بعض كبار المصلحين في تطويع النصوص الشرعية لتوافق الزمان والمكان.

لهذا أظهر المخطط الصليبي ومفكروه وفلاسفته رضاهم عن اتجاه مدرسة محمد عبده وتشجيعهم لها، من ذلك قول –جب– في كتابه إلى أين يتجه الإسلام «لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها مدرسة عليكرة بالهند - ومدرسة محمد عبده بمصر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها والإصلاح الذي ينشده المستشرق جب أوضحه في نفس الكتاب إذ قال «إن مشكلة الإسلام بالقياس إلى الأوروبيين، ليست مشكلة أكاديمية خالصة فحسب، فإن لتعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي».

والتخطيط الذي يروقه سجله في هذا الكتاب بقوله «والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب «أي أن يصبح الإسلام غربيًا» هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية وعلى التفكير الغربي، وهذا هو السبيل الوحيد لا سبيل غيره..» ثم يقول «إن التعاليم الدينية ومظاهرها عند أشد المسلمين محافظة على الدين وتمسكًا به قد أخذت في التحول ببطء خلال القرن الماضي- وإذا حدث هذا فإن معناه أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحول وتتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق، التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية».

سادسًا: محمد عبده لدى الإنجليز

أما اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر خلال فترة الاحتلال فقد وضع كتابًا باسم بريطانيا العظمى في مصر زعم فيه أن الإسلام عدو للحضارة.

  • وعن مدرسة محمد عبده قال –كان محمد عبده مؤسسًا لمدرسة فكرية حديثة في مصر-.. وهو وتلاميذه خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوروبي، قال تيومان «إن تعاليم الشيخ محمد عبده تتسرب ببطء إلى أدمغة المسئولين المصريين، بينما ظل الإسلام واقفًا في مكانه لا يتحرك. فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور. عند ذلك سوف يتحرك ملايين البشر من هذه العقائد»!!.

ثم قال «وكان برنامجهم فوق ذلك التعاون مع الأجانب لإدخال الحضارة الغربية إلى مصر – وهو ما جعل كرومر يحصر فيهم أمله الوحيد في قيام الوحدة الوطنية المصرية، وهذا أيضًا هو السبب في تعيينه سعد زغلول وزيرًا للمعارف» «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين ج٢».

سابعًا: التطاول على الصحابة وتكفير المسلم

لقد نسب المقال إلى صاحب هذه السطور أنه أطلق فتواه بخروج أصحاب المدرسة الإصلاحية عن الإسلام وكفرهم به. وهذه الفتوى هل يصدق أن حذيفة ومعاوية وعائشة قد كفروا «كما يستفاد من الفتوى لأنهم قالوا إن الإسراء كان بالروح فقط» «كما هو في تفسير ابن جرير الطبري»  وجوابنا أن القاصي والداني يعلم أن بعض النصوص الشرعية قد ترد بلفظ الكفر أو نفي الإيمان ولكن تفسر بأنه كفر النعمة أو الكفر المجازي وذلك مثل حديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).

 ومثل حديث:- «والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». فهنا المعنى لا يكون كامل الإيمان أي النفي هنا للكمال، والعبارة التي أخذت علينا هي:- إذا ما أخبر النبي أن الله قد أرسل له جبريل فأخذه على البراق حتى وصل إلى بيت المقدس ثم صعد به إلى السموات العلى حيث فرض الله عليه الصلوات الخمس ثم عاد لا يقبل من مسلم أن يزعم أن هذا كان بالروح فقط. وهذه العبارة لا تؤدي إلى الحكم بكفر أصحاب المدرسة الإصلاحية بل معناه أن المسلم الذي لا يشك في هذه الرواية التي وردت عن النبي لا يقبل منه أن يفسرها بما لا تقبله أساليب اللغة العربية.

ولا ندري كيف ينسحب هذا الحكم إن جاز جدلًا، إلى الصحابة رضي الله عنهم؟.

لقد استخلص المقال أن من أنكر المعجزات وزعم أن الإسراء بالروح فقط من أصحاب المدرسة الإصلاحية كان كافرًا وهذا لم يصدر عني صراحة أو ضمنًا، كما أنه إن صدر لا يتصل بالصحابة أبدًا، كما لا يؤدي إلى جعل السيدة عائشة رضي الله عنها في زمرة المتهمين بتحريف الكلام كما يقول كاتب المقال «الرد» في هذا استنتاج في غاية الغرابة وأسلوب مرفوض في الدفاع عمن أخطأ من أصحاب المدرسة الإصلاحية وهذه مسألة لا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح حتى لو كانت الروايات عن عائشة وبعض الصحابة صحيحة السند لأن وصف أصحاب هذه المدرسة لتأويل النصوص كرد فعل لهجوم المستشرقين لا يمكن أبدًا أن يفهم منه أن من قال جدلًا إن الإسراء بالروح في عهد الصحابة يكون قد أول لنفس العلة.

أما ما نقله الفخر الرازي من روايات عن حذيفة رضي الله عنه من أن الإسراء والمعراج كان رؤيا فقط، وما نقله عن عائشة ومعاوية والحسن رضي الله عنهم، ليس إلا روايات لابن إسحاق في السيرة، وبتمحيصها طبقًا لقواعد علم مصطلح الحديث يتبين أن ابن إسحاق قال: حدثني بعض آل أبي بكر ولا توجد معاصرة بينه وبين من روى عنهم لأنه قد مات في منتصف القرن الثاني الهجري كما أنه لم يذكر اسم من روى عنهم، فتكون الرواية منقطعة وليست حجة في أي استدلال علمي.

والرواية المنقولة عن معاوية أيضًا منقطعة إذ يوجد فارق زمني كبير بين يعقوب بن عقبة شيخ ابن إسحق الذي روى عنه وبين معاوية المنسوب إليه هذا القول، وهذا الانقطاع يجعل الرواية ساقطة ولا يحتج بها علميًا.

وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه ابن كثير في السيرة «ص ٦٠» أنه وعمر وبعض الصحابة رضي الله عنهم يرون أن الإسراء والمعراج كانا أولًا رؤيا منامية تدريبًا وتيسيرًا على النبي صلى الله عليه وسلم وتمهيدًا للرحلة الواقعية في اليقظة وهي رحلة الإسراء والمعراج الواردة في الكتاب والسنة. كما نقل ذلك عن شرح الشفاء للعلامة علي القاري ج١ ص ٤٠٥، ٤٠٦.

المرجع أيضًا رسالة الإسراء والمعراج للأستاذ محمد أنس المراد ص ٥٨، ٥٩.

فضلًا عن ذلك كله فإن الثابت في الصحيحين البخاري ومسلم أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. وفي الحديث الذي نقله الناقد، أنه صلى الله عليه وسلم قال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا في هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء... وهذا يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرى به بالجسد والروح وأن عائشة هي التي روت هذا فكيف تروي مرة أخرى أنه بالروح ولو حدث هذا فالرواية الأصح هي التي تقبل.

ومع ضعف سند هذه الروايات فإن الشبهة التي يرون أنها دليل لهم هي قول الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ (الإسراء: 60). وقد أجاب الجمهور على ذلك أنها رؤيا عين وأخرج ذلك البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية.

والراجح أنها تتعلق برحلة الإسراء والمعراج كمشاهدة عملية لأن الفتنة لا مجال لها إذا كانت رؤيا فهذا يحدث لجميع الناس ولا يكذبه أحد.

أما ما ورد في بعض أحاديث الإسراء والمعراج من عبارات مثل «بينما أنا نائم» ومثل «فاستيقظت» فلا يدل على الرؤيا المنامية لأنه كان صلى الله عليه وسلم نائمًا فعلًا وجاء جبريل وأيقظه، وآيات سورة الإسراء تقطع بأن الرحلة ليست رؤيا منامية.

لماذا كان ذلك

فلا يجوز أن نأخذ هذه الأحداث من كتب التاريخ أو التفسير أو السير لأنها لم تمحص مثلما محصت الأحاديث النبوية وكتبها، فقد كانت الأمانة تجعل أصحاب هذه الكتب مثل الفخر الرازي، ينقلون في كتبهم كل ما اتصل بعلمهم ولو كانوا يشكون في صحته، ولهذا نجد في هذه الكتب أقوالًا هي إسرائيليات ونسبت إلى بعض الصحابة أمورًا حول خلافهم وتنازعهم على الحكم والدنيا بصورة لا يمكن أن تصدر عن هؤلاء الذين رضي الله عنهم، بل إن بعض هذه الكتب تنقل روايات تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمورًا لا تصدر عن الرعاع مثل الإسرائيليات المنقولة عن قصة الحب المزعومة بينه وبين السيدة زينب بنت جحش حيث قالوا إن الحب المزعوم هو سبب طلاقها.

فهل يحتج بمثل هذه الروايات لوجودها في الكتب سالفة الذكر أو في بعضها؟

لقد نقل كتاب التاريخ والسير كل ما سمعوه أو قرأوه وفيه أقوال القصاصين والوضاعين وأهل الأهواء والمذاهب المختلفة وبالتالي فهذه المصادر تحتاج إلى تحقيق مثلما الأحاديث النبوية لأن الراوي قد نراه مردودًا ومتهمًا في علم مصطلح الحديث بينما نرى روايته في كتب السير والتاريخ هي السائدة.

هذا ما نؤمن به ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول قولنا صواب يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

وبالله تعالى نعتصم ونتأيد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

123

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

في ذكرى الإسراء والمعراج

نشر في العدد 29

197

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)