العنوان الجهاد في أفغانستان التحول الكبير 2
الكاتب محمد إدريس أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1990
مشاهدات 112
نشر في العدد 966
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 15-مايو-1990
·
أربعون
صاروخًا من طراز سكود سقطت على مواقع المجاهدين في جلال أباد ولم تحدث أي ضرر في
الأرواح!
على بعد
عشرة كيلو مترات من مدينة خوست المحاصرة وفي موقع متقدم للمجاهدين قرب قرية
يعقوبي، جلست مع بعض المجاهدين.. يمطرون مواقع الشيوعيين بقذائف الهاون والمدافع،
إذا قلت إن عزة الإيمان التي يشعر بها المرء في مثل هذا الموقع لا يمكن أن يذوقها
في أي موقع آخر لا أكون مبالغًا.. مؤمن خاشع.. ليلهُ ركوع وسجود وقراءة ومناجاة،
ونهاره قذائف ومعارك.. سلاحه على كتفه..
- سر
عزة المجاهد
يعيش
المؤمن بالقرآن والسنة ويحيى بهما لا يرضى عنهما بديلًا.. يتعامل مع الكفر على
أساسهما لا على أساس المقاييس الظالمة التي وضعها الكفر والطاغوت من أجل استذلال
المسلمين وهضم حقوقهم.. هذا المؤمن في هذا الموقف يستشعر معية الله لأنه يعبد الله
عبادة شاملة في صومه وصلاته.. وفي حكمه ونظامه.. وفي تفكيره ومنهجه.. ولذلك يستشعر
معية الله.. هذا المؤمن يعيش أعز الناس على هذه الأرض.. نعم إنه يعيش في قلة من
الدنيا، وخشونة من العيش.. يفترش الأرض.. ويلتحف السماء.. ولكنه يعيش عزيزًا.. ويموت
عزيزًا.. وبهؤلاء يعيش المسلمون أعزاء.. ويؤدون رسالتهم للبشرية.
لقد رأيت
رجالًا لا تساوي عندهم هذه الدنيا شيئًا.. هانت في أنفسهم لأنها هانت عند الله.
والله
إنها لأحقر في أعينهم من شربة ماء.
- فهم
وفهم مغاير
ورأيت
رجالًا أحيوا فينا المقاييس التي اندثرت.. فنقول (القوى العظمى) فيفصح المجاهد عن
ابتسامة رِثاء كلها ثبات وطمأنينة ووقار.. وتقول: «إن أمريكا وروسيا» تتقاسمان
العالم ولا يستطيع أحد أن يخرج عن نفوذهما وإلا هلك.. فينظر إليك المجاهد في ذرى
الهندكوش، نظرة الأب الحاني الشفوق إلى طفلهِ الذي يلهو في التراب ويلوث ثيابه
بالطين والأوحال.. وتقول «الأسلحة النووية» والغواصات.. حاملات الطائرات.. الطائرات
الأسرع من الصوت... الصواريخ العابرة للقارات التي تدمر كل شيء! فينظر إليك وهو لا
يزال في ابتسامته الهادئة المطمئنة.. نظرة مليئة بالمعاني والكلمات التي تدركها من
البرق الذي يلمع في عينيّ هذا المجاهد.. وكأنه يقول لك: مسكين هذا المسلم المستضعف..
الذي جاء من عالم إسلامي منهك.. عالم إسلامي مستعبد.. عالم إسلامي ينفخ فيه
الإعلام الغربي ليلًا ونهارًا، ويزرع في نفسه الخوف والرعب من أعداء الله الكافرين..
مسكين هذا المسلم المستضعف من ذراري
المسلمين.. جاء من بلاد إسلامية.. أصبح فيها الإسلام غريبًا.. وغدت فيها عزة
المؤمن والاستعلاء بالإيمان أمرًا شاذًا.. وأصبح فيها الجهاد والاستشهاد من
الحكايات التي ترويها كتب السلف فقط، ولا يتصور المسلمون أنها يمكن أن تتكرر.
أثر
الفكر الغربي في نفسية المسلم
مسكين هذا
المسلم الذي ملأ رأسه ضجيج الكفر، وعجيج الباطل، وهيلمان النفاق، وانتفاش الشرك.. فأصبح
لا يرى رؤية المؤمن.. ولا يثق ثقة المؤمن.. ولا يتوكل على الله توكل المؤمن..
مسكين هذا المسلم الذي جاء من بلاد الإسلام المستضعفة التي تطحنها عجلة الكفر
والطاغوت.. فنسي في خِضم ذلك معنى الآيات الكريمة التي يقرأها.. ونسي السنن
الربانية.. ونسي قوة الله الباهرة.. ينسى ما نزّل الله من الآيات والبينات.. لمن
يعقل.. ولمن يتذكر.. ولمن يفهم..
نعم.. إن
الذي يذهب إلى أرض الجهاد، أرض العزة والفخار بالفكر المنهزم الذي يعيش به في
العالم الإسلامي، عندما يذهب وفي نفسه هالة ضخمة عن أولئك الكفار من الشرق والغرب،
سوف يشعر بصغر نفسه وضآلة حجمه عندما يخطو أول خطوة في الأرض التي تخضبت بدماء
شباب مؤمن مجاهد، هم من خيرة شباب هذه الأمة.. إيمانًا.. وجهادًا.. وعبادة
وأخلاقًا.. وسوف يرى حتى لو كان عالمًا كبيرًا، وفقيها عظيمًا، ودكتورًا بارزًا،
أنه لم يفهم آيات سورتي التوبة والأنفال، وكثيرًا من آيات القرآن حق الفهم قبل أن
يعيش في أرض الجهاد أرض العزة والفخار..
- حياة
الجهاد وما تفعله
ولا يمكن
أن تستقيم رؤيته الإسلامية إلا في أرض الجهاد التي يرى فيها عزة المسلمين واقعية
عملية.. إنني أرجو من إخواني الدعاة وأساتذني العلماء الذين عاشوا طوال حياتهم بين
الكتب وقاعات الدرس، وأمام مكبرات الصوت أن يذهبوا في زيارة واحدة.. زيارة واحدة
فقط.. تنظم لهم زيارة بعض الجبهات.. يسيرون في أرض العزة والفخار.. لحظة واحدة في
حياتهم يتخلصون فيها من الخوف أيًّا كان نوعه.. لتخلص أنفسهم مرة واحدة وتشعر أنها
فعلا تعيش في أرض يحكمها الإسلام.. وتحميها قوة المجاهد المسلم المكبر.. ويشعرون
فيها أن العزة للمسلم والذلة على الكافرين مهما كانت أسماؤهم.. إنهم لو فعلوا ذلك،
لتغيرت كثير من أفكارهم، وتغيرت كثير من تصوراتهم ونظرتهم للأمور.. ولرأوا مرة
واحدة حياة قريبة من الحياة التي قرؤوا عنها كثيرًا في كتب السلف.. والتاريخ.. وألَّفوا
عنها... وتمنوها.. وعاشوا حياتهم من أجل أن تقوم في أي أرض مثل تلك الحياة الطيبة
التي يظللها الإيمان.. وتحوطها العزة الإسلامية.. والاستعلاء بالإيمان.. إنني أسأل
العلماء والفقهاء والدعاة وأبناء الصحوة الإسلامية: مم يشكون في العالم الإسلامي؟!
من قلة الاستجابة للدعوة؟ من قلة يقين المسلمين بتأييد الله ونصره؟ من نقص الإيمان
وضعفه؟ من ضعف التوكل على الله لدى الناس؟
نعم.. إنهم
يشكون من ذلك كله.. وعندما تسأل أي داعية أو عالم: لماذا يعيش المسلمون هكذا ضعفاء..
تدوسهم أقدام الكفار والطواغيت، وتسحقهم آليات الشرك، ويعيشون مستضعفين؟ سيقول لك
على الفور: لضعف إيمانهم.. ولأنهم أخذوا القرآن رسما ولم يأخذوه واقعًا وعملًا.
ولكن تعالَ
أيها الداعية.. والعالم.. والفقيه، وانظر ماذا صنع الجهاد.. القائد الميداني
سازنور قائد المجاهدين في ننجرهار وكان من القادة البارزين في معارك جلال آباد.. صنع
الأعاجيب في ننجرهار.. وذاق الروس على يديه مرارة الهزائم وحنظل الذل.. وكأس
المهانة.. هذا القائد كان راعي غنم قبل الجهاد.. وقف أحد المجاهدين أمام الدبابة
عندما انتهت قذائف الـ آر بي جي فصاح به سازنور: ارم بالكلاشنكوف فإنك لا تقتل،
إنما الله هو الذي يقتل.. (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم)! أي إیمان هذا.. وأي ثبات..
وأي ثقة بالله.. وأي توكل على الله.. والله إن بعض المسلمين الذين يحملون الشهادات
العليا يرتجف من رئيسه المباشر.. وينخلع قلبه من مكانه إذا مر في الشارع بالسيارة
دون إجازة.. وإذا أردت أن يؤلَّف لك كتاب في التوكل على الله! فأمامك حياة
المجاهدين فيها الدرس العملي الناطق.
فإن الذين
يعيشون في أرض الجهاد يعيشون في عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي يعيش فيه
المسلمون في العالم الإسلامي الذين رتع في أرضهم الكفر وباض فيها الطاغوت وفرخ،
فماتت في نفوس المسلمين كثير من الأمور والمفاهيم الأساسية في المسلم.. إن هناك
خيطًا دقيقًا بين توكل المجاهد الذي يرى آيات الله واقعًا حيًّا في أرض المعركة.. ويرى
أن الله يدير المعركة.. وبين توكل القاعدين الذين يعيشون على النظريات وفلسفة
التوكل دون أن يعيشوا لحظة واحدة عملية في أتون المحنة، وزلزال المعركة، وفتنة
المواجهة الساخنة.
هؤلاء
المجاهدون الذين يعيشون في أرض الجهاد تختلف نظرتهم للأمور عن ذراري المسلمين في
العالم الإسلامي اختلافًا كبيرًا.. إنهم يعيشون الأمور بمقياس أصبح عندنا في
العالم الإسلامي من التراث الذي نقرأه ولا تعمل به.. المجاهد الأفغاني رأى على مدى
عشر سنوات كل الأسلحة التي تستعبد بها تلك الوحوش الضارية- التي تسمِّي نفسها
«القوى العظمى»- البشرَ، رآها لا تستطيع أن تهزم الإيمان..
إن صواريخ
سكود التي كانت عشرة منها كافية لإخماد حرب الخليج، سقط منها أكثر من أربعين
صاروخًا على مواقع المجاهدين في جلال آباد ولم تُحدث أي ضرر في الأرواح إلا
صاروخًا واحدًا وقع قريبًا من الحدود الباكستانية في طريق طورخم أصاب عددًا من
المجاهدين.. واستعملت الغازات السامة والصواريخ فلم يأبه بها سازنور.
وسبحانك
اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل