; الجهاد عزنا وفخرنا ونصرنا | مجلة المجتمع

العنوان الجهاد عزنا وفخرنا ونصرنا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 87

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 45

السبت 01-فبراير-2003

يستحيل أن تنال أمة عزها بالخمول والركود، أو تدرك مجدها بالخور والجبن، ولهذا أوصى الإسلام المؤمنين بالجهاد وجعله فريضة لازمة حازمة لا مناص منها ولا مفر عنها، ورغب أعظم الترغيب وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، فلم يلحقهم في مثوبتهم كما يقول العلماء إلا من عمل بمثل عملهم واقتدى بهم في جهادهم. 

هذا وقد منحهم الله من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم، وجعل دماءهم الطاهرة الزكية عربون النصر في الدنيا وعنوان الفوز والفلاح في العقبى، وتوعد المخلفين القاعدين بأقسى العقوبات، ورماهم بأبشع التهم والنعوت، ووبخهم على الجبن والقعود، ونعى عليهم الضعف والتخلف، وأعد لهم في الدنيا خزيًا لا يرفعه إلا إذا جاهدوا، وفي الآخرة عذابًا لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل أحد ذهبًا، واعتبر القعود والفرار جريمة من أعظم الجرائم، وكبيرة من أكبر الكبائر وإحدى السبع الموبقات المهلكات.

ولست ترى نظامًا قديمًا أو حديثًا دينيًّا أو مدنيًّا، كما يقول الباحثون -عني بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة وحشدها كلها صفًّا واحدًا للدفاع بكل قواها عن الحق، كما تجد ذلك في الإسلام وتعاليمه، وآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم التي تفيض بكل هذه المعاني السامية، داعية بأفصح عبارة وأوضح أسلوب إلى الجهاد والقتال والجندية وتقوية وسائل الدفاع والكفاح بكل أنواعها، من برية وبحرية وغيرهما على كل الأحوال. 

والآيات والأحاديث النبوية كثيرة في بيان تلك المعاني قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء:74)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾(آل عمران:156-157)، ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (التوبة: 81-82)

وقال ﷺ: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق» (رواه مسلم وأبو داود)، وقال ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم اذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم» (رواه أحمد وأبو داود)، وقال ﷺ: «من رابط ليلة في سبيل الله سبحانه وتعالى كانت كالف ليلة صيامها وقيامها» (رواه ابن ماجه) وقال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغة الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».

 وعن المقداد بن معد يكرب قال ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة «وفي رواية دفقة دم»، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهله» (رواه الترمذي وابن ماجه). وقال ﷺ: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة».

قال العلماء: فإن تركه المسلمون أثموا، ثم قالوا: فإن غلب العدو على بلاد الإسلام أو ناحية من نواحيه كان الجهاد فرض عين، فتخرج المرأة والعبد بلا إذن الزوج والمولى، وكذلك الولد من غير إذن أبيه وأمه، والغريم بغير إذن دائنة، وقالوا: «إذا امرأة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها ما لم تدخل حصونهم وحرزهم، وقال أبو عبد الله «يعني الإمام أحمد بن حنبل»: «لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد وغزوة البحر أفضل من غزوة البر». وقال الشوكاني: «الأدلة الواردة في فرضية الجهاد كتابًا وسنة أكثر من أن تُكتب هنا في كتب، وهو فرض كفاية على المسلمين إذا لم تنتهك أرضهم، فإذا اعتدى عليها فهو فرض عين».

وكل من قرأ في تراث المسلمين وتصفح تاريخهم يجد أنهم في أي عصر من عصورهم قبل هذا العصر المظلم الذي ماتت فيه نخوتهم، لم يتركوا الجهاد ولم يفرطوا فيه، حتى علماؤهم والمتصوفة منهم والمحترفون وغيرهم حيث كانوا جميعًا على أهبة الاستعداد، فكان عبد الله بن المبارك الفقيه الزاهد متطوعًا في أكثر أوقاته في الجهاد، وكان عبد الواحد بن زيد الصوفي الزاهد كذلك، وكان شقيق البلخي شيخ الصوفية في وقته يحمل نفسه وتلامذته على الجهاد.

وكان البدر العيني شارح البخاري -الفقيه المحدث- يغزو سنة ويدرس العلم سنة ويحج سنة، وكان القاضي أسد بن الفرات المالكي أمير البحر في وقته، وكان الإمام الشافعي يرمي عشرة أسهم ولا يخطئ، والإسلام يفرض الاستعداد حتى لا تحرج الأمة، والاستعداد أساس الجهاد، وصدق الله ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة:46)، وثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الاستعداد أضمن طريق للسلام، وقد فرض الله الجهاد على الأمة لا أداة للعدوان، ولا وسيلة للمطامع الشخصية، ولكن حماية للمسلمين والإسلام وضمانًا للسلم وإحقاقًا للعدالة، وكما فرض الإسلام الجهاد أشاد بالسلام فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ (الأنفال: 61).

ولما كانت الغاية في الجهاد أنبل الغايات كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل، فقد حرم الله العدوان فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (البقرة: 190)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، إذن فالمسلمون في حربهم وقتالهم لا يعتدون، ولا يفجرون ولا ينهبون الأموال ولا ينتهكون الحرمات، فهم في حربهم أفضل محاربين وفي سلمهم أفضل وأشرف مسالمين، ورحم الله من قال: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الكريمة يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، لكن أن تقعد وتجبن فإنها لا بد أن تموت كما تموت الفئران والهوام والدواب والحمير. نسأل الله السلامة والعزة والكرامة. آمين.

آمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 500

109

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

أوزار الحرب

نشر في العدد 323

101

الثلاثاء 02-نوفمبر-1976

علام اتفقتم وفيم كان الخلاف؟