; الجهاد الأفغاني في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان الجهاد الأفغاني في الميزان

الكاتب أحمد بوزبر

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983

مشاهدات 72

نشر في العدد 610

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-مارس-1983

لا شك أن الجهاد الأفغاني برز على الصعيد الدولي كقضية إسلامية لها ثقلها، يحسب العالم حسابها ببروز رجله الأول «عبد رب الرسول سياف» الذي أصبح -بلا ريب- رمز جهاد وعنوان صموده في وجه المؤامرات الدولية، والذي استعصى على الإغراءات والتهديدات.

 لقد أضحى سياف مثالًا حقًا للقائد الذي يقود الأمم المظلومة، والشعوب الضعيفة في وجه الطاغوت الكافر المدجج بالسلاح والمخابرات، حتى أصبح هذا الرجل اسمًا يتردد على لسان كل مسلم صادق، ونموذجًا واقعيًا لمن أراد أن يعرف كيف يستعلى الإيمان في نفوس أصحابه فيجعلها قممًا شاهقة وجبالًا راسخة.

إن الجهاد الافغاني قد بدأ قبل الغزو الروسي، ولهذا فهدف الجهاد ليس إخراج الروس كعدو غاز فقط إنما الهدف الأساسي الذي رفعت من أجله راية الجهاد هو إعلاء كلمة الله، وهذه حقيقة أبرزها ذلك السؤال الذي غمم على معظم المجاهدين حول: ما هو الهدف من جهادكم؟ فكان الجواب تكاد تتطابق كلماته، كما يتطابق معناه من جميع المجاهدين، أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، ولإقامة حكم الله في الأرض.

هذا الوضوح في الهدف من أجل القتال والذي لم نلمسه عند مقاتلين في جهات عديدة في الشرق أو الغرب، في الماضي والحاضر، إنما يبرز لنا أن قضية هؤلاء ليست قضية وطنية خاصة بالشعب الأفغاني، إنما هي قضية المسلمين جميعًا بالدرجة الأولى، وعلى رأسهم أبناء الحركة الإسلامية باعتبارهم الجزء الواعي والنامي من هذه الشعوب.

ولعل هذا ما يدفعنا إلى أن نطرح تساؤلات تدور في الذهن حول مدى اهتمام الحركة الإسلامية العالمية في مثل هذه القضية، وحجم هذا الاهتمام، وما هي القوى والطاقات المرصودة لدعم هذه القضية، سواء على الصعيد المادي أو المعنوي، وسواء على صعيد المال أو الرجال، ثم هل تؤدى أمثال هذه المعونات -والتي تقدم جهدًا شعبيًا في بعض الأحيان، وفرديًا في الأحيان الأخرى- دورها المطلوب في دعم هذه القضية، أم تحتاج إلى مزيد؟

في تصوري أن قضية أفغانستان تحتاج من الحركة الإسلامية إلى المزيد من الاهتمام للأسباب الآتية:

أولًا- إن القضية قضية إسلامية بالدرجة الأولى، يقودها مجاهدون يتمتعون بالصفاء العقائدي، والالتزام بالسنة، واحترام العلماء والعزة والأنفة التي لا زالت ترفض حتى فتح بصيص من أمل للعدو الروسي بإجراء أي مفاوضات، وقضية هذا شأنها من حقها على حكومات وشعوب العالم الإسلامي عامًة وعلى أبناء الحركة الإسلامية خاصة؛ باعتبارهم الجزء الواعي والنامي من هذه الشعوب- أن يولوها المزيد من الاهتمام، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

ثانيًا: إن قضية أفغانستان اليوم هي الأمل الوحيد في الساحة الذي يبرز كدليل على إمكانية التفكير الجدي في إقامة الدولة الإسلامية، واستخلاف الله في أرضه، ولعل هذا هو أحد آمال، بل وأهداف الحركة الإسلامية العالمية، ومن هنا فإن اهتمام الحركة بهذه القضية الأفغانية في تصوري أنه أولى خطوات الطريق في البحث عن مكان صالح لإقامة شرع الله عليه، ولعل أفغانستان في اعتباري المتواضع يمكن التفكير بها كأصلح مكان لهذه الدولة في الوقت الحاضر على الأقل.

ثالثًا: إن الوضع الدولي في الساحة يمكن الاستفادة منه في توسيع حجم التأييد المادي والمعنوي، المالي والرجالي لهذه القضية باعتبار التصارع الأمريكي الروسي، والذي يجعل من يدور في فلك الأمريكان يسكت (ولو إلى حين) عن كل مؤيد متحمس، وكل داعم بقوة لقضية أفغانستان والمجاهدين فيها.

نعم، نحن نعلم بأن المسألة ما هي إلا تبادل مصالح، وأنهم ينظرون بميزان أن (عدو عدوى هو صديقي)، لكن لماذا لا تكون الحركة قادرة على استغلال الموقف والاستفادة من هذا التصارع المرحلي (الظاهري على الأقل) لتستثمر الوقت في زخ الطاقات وتدعم هؤلاء المجاهدين علها تقوى شوكتهم أكثر، فيصلب عودهم قبل أن يتغير علينا وعليهم الزمان، وتتحول محاور القوى، ويلتفت الأعداء إلى حقيقة الجهاد الأفغاني فيعملون جميعًا (أمريكانًا وسوفيات) لتفتيته، أو احتوائه، أو تمييعه عن طريق تدويل القضية كما يفعلون عادة.

رابعًا: إن قضية فلسطين -كقضية ينظر إليها دائمًا على أنها القضية المركزية الأولى للمسلمين- أحد حلولها في تصوري هو قيام دولة إسلامية حقيقية صافية، ترفع راية الجهاد الحقيقي، لتسير بالناس قدمًا نحو تحرير فلسطين، وهذا سبب رابع نضيفه إلى الأسباب الأخرى التي تجعل اهتمام المهتمين بالقضية الفلسطينية -وعلى الأخص أبناء الحركة الإسلامية باعتبارهم في قمة المهتمين الصادقين في هذه القضية- يحتاج إلى تكثيف، ليس من باب أن القضية إسلامية فحسب) وهذا سبب جوهري)، وليس استفادة من الصراع الشكلي الدولي فحسب، بل قبل كل ذلك، وبعد كل ذلك؛ لأن قضية أفغانستان -في تصوري- هي الطريق إلى قضية فلسطين، ومن يحاول أن لا يصدق هذا، فليراجع خطاب الشيخ (سياف) زعيم الجهاد الأفغاني في مؤتمر القمة الإسلامي في الطائف حين قال: إن الجهاد الأفغاني لن يتجه بعد تحرير أفغانستان إلا إلى مكان واحد ليبدأ بتحرير فلسطين.

ولكن كيف يمكن أن يكون مثل هذا الاهتمام؟

بادئ ذي بدء ينبغي أن نؤكد في هذا المقال أننا لا ننكر أن هناك اهتمامًا واضحًا من قبل قطاعات الحركة الإسلامية المختلفة بهذه القضية، وهو اهتمام -إن قورن بالبخل وقلة ذات اليد التي تمتعت بها بعض دول المنطقة تجاه هذه القضية- يعد ولا شك اهتمامًا كبيرًا، لكنه أيضًا إن قورن بما هو مطلوب، وما هو في حاجة القضية والمجاهدين، لأصبح حكمنا عليه أنه اهتمام متواضع، فيه من الصحة الشيء الكثير.

وعلى هذا فباعتقادي أن الحجم المطلوب لهذا الدعم والاهتمام داخل الحركة الإسلامية ينبغي أن يصب في أطر كثيرة، نذكر من هذه الأطر، «على سبيل المثال لا الحصر».

أولًا- الإطار الإعلامي: 

فلا زالت القضية الأفغانية لا تشغل حيزًا ظاهرًا، (ناهيك أن يكون بارزًا) في إعلام دول المنطقة، بل وحتى عالميًا -إلا من يرغب منهم في الاصطياد في الماء العكر، بل أن ما يحدث وحدث- وهو أن بعضًا من دول المنطقة بدأت تسخر إعلامًا لها هنا أو هناك لبث روح الفرقة في صفوف المجاهدين عن طريق دعم واضح وقوى لفئة منهم منشقة، لتقوى على حساب اتحاد المجاهدين الأم.

ترى إن كان هذا نصيب هذه القضية في الأعلام الدولي، فأين نصيبها في إعلام الحركة الإسلامية؟

لا زالت قضية هؤلاء المجاهدين تحتاج منا المزيد من الإشهار الإعلامي والتأييد الظاهري ليس عبر ذلك الدور الصحفي الذي تقوم به مجلات الحركة فحسب، بل عبر مراكز هذه الحركة، ودور نشرها، ومساجدها، وكتابها، وأنشطتها، وأشرطتها، ودواوينها، وموظفيها، وطلابها، وطالباتها، واتحاداتها .... إلخ.

ثانيًا- الإطار الاستشاري:

إن روح الإخلاص وصدق النية وحدها لا تكفي لاستمرار الجهاد من غير أن يلزمها بذل للسبب، وإعداد للعدة، وتخطيط للكيد بالعدو والتربص به، ولئن قام هؤلاء المجاهدون -على قدر جهدهم- ببذل ما يمكن بذله من أسباب، فإن ما يحتاجونه من وسائل حديثة، وخبرات دارسة، ومهارات أكاديمية، وقدرات متعددة وموهوبة في التخطيط، والإدارة، والتموين، والتخزين، والسياسة، بل وحتى في إطار الفقه والعلم الشرعيين- ما يحتاجه سياف والمجاهدون من إخوانه من كل هذ، يفوق ما لديهم بكثير وعليه.

ففي رأيي أن إحاطة هذا الرجل الفذ المتواضع بطاقم من الاستشاريين والخبراء، ومد يد العون له في هذا حتى قبل أن يطلب هو- واجب مهم، وإطار رئيسي من أطر اهتمامات الحركة الإسلامية في هذه القضية الإسلامية.

ولا أحسب أن الحركة باخلة بمثل هؤلاء، أو أن مثلهم فيها معدومون.

ثالثًا- الإطار العلاجي:

فإن جرحى المجاهدين بالآلآف، ووسائل علاجهم بدائية ومتخلفة، حتى جبهة بغمان -وهي من الجبهات العريضة والعريقة في القتال الأفغاني جنوب شرقي كابل- طبيبها المعالج الوحيد ليس إلا ممرض في الحقيقة، كل مؤهلاته أنه تلقى دورة صحية لثلاثة أشهر فقط، هذا الممرض المتطبب يعالج الجرحى (بالدور) حتى أن أحد الجرحى استشهد لكثرة النزيف قبل أن تصله يد الطبيب المعالج. 

أقول: لا أظن أن الحركة الإسلامية سوف تبخل بفريق من أطبائها، أو حتى تلامذة كليات الطب من أبنائها، ليقوموا بزيارات تناوبية لهؤلاء الجرحى؛ علهم يسهمون في تطوير وسائل التطبب عند هؤلاء، ولقد فعلها مرة أحد الأطباء، ومكث عندهم عشرة أيام يداوي آلآمهم، ويسعف جراحاتهم فكان فرحهم به واستقبالهم له أشد من استقبالهم لأي شيء، ونرى كم طبيبًا في الحركة الإسلامية يمكن أن يخلف مثل هذا الطبيب.

رابعًا- الإطار المالي:

ولن نخوض في هذا الإطار كثيرًا؛ فلقد بات معروفًا لدى الجميع أن معونات من شعوب وأفراد وتجار المنطقة- عرفت وتعرف طريقها إلى المجاهدين في ميادينهم، قبل أن يصلهم درهم واحد من جيوب الدول المليئة ومحافظهم المنتفخة.

ولكننا نطمع -ويحق لنا أن نطمع- في مزيد من البذل والعطاء، إذا علمنا أن مثل هذه المساعدات على كثرتها في نظر البعض لا تزال لا تفي بالغرض المطلوب، ولا تغطي إلا جزءًا يسيرًا من نفقات الجهاد والسلاح باهظة التكاليف، هذا فضلًا عن كونها موسمية متقطعة في بعض الأحيان، ومنحصرة في عدد محدود من تجار المنطقة يكاد يعرف بالاسم أو بعدد الأصابع.

وبعد: فإن عذرًا مقبولًا كان يتعذر به الكثير من أبناء الحركة الإسلامية عند مناقشة مثل هذه المواضيع معهم، مفاده أن الحركة الإسلامية اليوم شغلت بقضايا أخرى في بلدان مختلفة، أو أنها ضربت وتضرب في كثير من هذه الأقطار، مما يجعلها يجب أن تقف أو تتمهل في السير، لتقوم بلملمة الجراح، ورأب الصدع، ورص الصف، وإعادة ترتيب الأوراق.

 أقول: لئن كان مثل هذا وغير هذا عذرًا مقبولًا في الماضي القريب فإنه اليوم -في تصوري- ما عاد يجب أن ننتحله عذرًا.

إن الثورة الأفغانية برجالها الأفذاذ من الشباب والشيوخ الذين أكرمهم الله بتعلم شريعته- ليقومون الآن بواجب ضخم، ويتصدون فيه لأشرس قوى الأرض الغازية، ويحملون فيه نيابة عن الأمة أجمع أمانة التاريخ، وراية الجهاد الصادق.

ألا تستحق مثل هذه الثورة منا ومن غيرنا كل تأييد.

الرابط المختصر :