العنوان الجن والسحر والعين: شماعات مفضلة عند بعض المسلمين.. إلى متى؟!
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007
مشاهدات 50
نشر في العدد 1755
نشر في الصفحة 58
السبت 09-يونيو-2007
كاتبة جزائرية
- كثير من الناس يتوهمون أن بيوتهم وأجسادهم تحولت إلى سكن خاص للجن
لم تتسع أيدي الجن والسحر والعين على العقول بهذا الشكل المبالغ فيه، مثلما اتسعت هذه الأيام، ولم تقلب الحقائق ويختلط حابلها بنابلها مثلما هو حاصل الآن، كأن الجن بعشائرها وقبائلها، انتقلت إلى العيش بين ظهرانينا وطاب لها المقام بيننا فغلقت الأبواب، وقالت للناس: لا شغل لي سواكم، وكأن السحر أصبح سلاحًا نوويًا يخشى الجميع أن يصاب بإشعاعاته، والعين تحولت إلى صواريخ «كاتيوشا» تتربص بكل ذي نعمة!
فلو أمعنا النظر في أكثر ما يشغل الناس ويجذب اهتمامهم لوجدنا هذه الثلاثة قد مددت أرجلها في حياتهم وبسطت أيديها عليهم، وهو الأمر الذي أكده لنا أحد الرقاة المتمكنين الذي دأب على استقبال كم هائل من الشكاوى التي تصب في هذا المجرى.
والواقع أن الجن والسحر والعين في المجتمعات الإسلامية بالتحديد، وقع عليها من الظلم ما لا تطيق احتماله، ونسب إليها من الجرائم ما هي بريئة من دمائه، فمن توعك مزاجه واختلطت أحلامه بالكوابيس اتهم الجن، ومن مل الصبر من صبرها وهي بانتظار العريس الذي لم يأت أشارت إلى السحر، ومن كسدت تجارته أو زلت قدمه أو عطبت سيارته، شرع يحصي عدد العيون التي رمته بسهمها الفتاك!
وقد تنبه بعض الرقاة الذين كانت سجلاتهم التجارية تحمل علامة «مشعوذ» قبل أن يغيروا الاسم والتخصص، إلى هذه الحالات التي تعتري الناس فرموا شباكهم لاصطياد ما أمكن اصطياده من الحمقى والمغفلين، خاصة من فئة النساء، فصارت صفحات الجرائد تكاد لا تخلو من حوادث أبطالها أشخاص يدعون أنهم قبضوا على ناصية الرقية، وما هم في الواقع إلا زناة جناة.
وقد استشعر بعض علماء الدين خطورة الخبط في الرقية على غير بصيرة من الناس الذين يرمون بكل حمولهم عليها، ثم ينظرون أن تشرق عليهم الشمس في أعماء الليل، وفي ذلك حاول العلامة الشيخ محمد الغزالي – يرحمه الله – أثناء وجوده بالجزائر أن يخفف من حدة التعلق بالرقاة فقال: من ألم به أمر فليرق نفسه بنفسه، وقد هاله – رحمه الله – منذ سنوات طويلة استبداد الجن بعقول الناس فقال للدكتور محمد سليم العوا الذي أورد هذا الكلام في محاضرة قيمة عبر «الجزيرة مباشر»: أنت تسافر كثيرًا إلى أوروبا وأمريكا فهل رأيت جنيًا يركب الأوروبيين والأمريكيين؟! فقال لا: فاستطرد الغزالي قائلًا: فلماذا نحن المسلمين بالذات الذين تركبنا الجن والعفاريت؟!
ماذا لو عاد الغزالي إلى الدنيا ورأى كيف اعتلت الجن سدة العقول والنفوس أكثر من ذي قبل فصار الكثير من الناس يتوهمون أن بيوتهم وأجسادهم تحولت إلى «شقق متاجرة» للجن يدخلونها دون عقد موقع عند الموثق، ولا يخرجون منها إلا بعصا راق عنيد؟!
ويرى الدكتور «ع. ر»، مختص في الأمراض النفسية والعصبية بالجزائر، أن اتهامات الناس للعين والجن والسحر فيما يصدر منهم من تصرفات غير سوية هي ناتجة في الواقع من اعتلال الصحة النفسية، وأنها صورة من صور الإسقاط التي يحاول الشخص فيها أن يطرح عنه الشعور بالذنب بإلقائه اللوم على هذه الأطراف التي لا يملك السيطرة عليها، وغالبًا ما يتعزز شعوره بالارتياح كلما أكد له الراقي أنه مصاب بالعين، الأمر الذي يعطيه انطباعًا بأنه ذو مواهب كثيرة وخصال طيبة ما يجعله عرضة للحسد، وفي هذا وذلك هروب من مواجهة الطبيب النفساني الذي يعتبره الكثيرون طبيبًا للأمراض العقلية.
صحيح أن المجتمعات الغربية أيضًا تلقي بالظروف والحوادث التي لا تجد لها تفسيرًا على عاتق الأرواح الشريرة والأشباح، مثلما هو الحال مع مثلث برمودا الذي تختفي في عرضه السفن والطائرات، وإن كانت التفسيرات العلمية الحديثة قد دحضت فرضية الأشباح، ولكن ليس بالحدة التي تعرفها مجتمعاتنا الإسلامية التي تتعلق كثيرًا برقاب المجهول، وتلقي بتعثرها وفشلها على القضاء والقدر أكثر من اللازم، والحقيقة أن المسلمين وهنت عقولهم وقلوبهم كثيرًا، فلم تعد قادرة على مواجهة الشدائد بثياب لا نكوص معه، لذلك تبحث عن أي شماعة لتعلق عليها خيبات أملها وشعورها المتنامي بالإحباط والانهيار.
وإنصافًا للحق نقول إن هؤلاء الناس هم من يركبون الجن ويرمون بظلمهم على العين والسحر وليس العكس!