العنوان الجنس بين مرتقيات الأدب الإسلامي وفوضى الآداب الجاهلية
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986
مشاهدات 48
نشر في العدد 774
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-يوليو-1986
- دور الأدب الإسلامي في ضبط الميل الجنسي (الحلقة الثانية)
- الحياة لا تكفي بقضاء الضرورة ولكنها تهدف دائمًا إلى الإحسان في الأداء.
- الإسلام صقل الدافع الفطري بين الجنسين ليكون طبيعيًّا وسليمًا.
بعد حديثنا عن طبيعة الميل الجنسي الفطري ومهمته البانية في الحياة، وخطورة اضطراب هذا الميل على الحياة التي أرادها الله في الدنيا استخلافًا عنه في الأرض، نعرض إلى دور الإسلام الإيجابي في ضبط هذا الميل الفطري من خلال آفاق الأدب الإسلامي:
1) سلامة الدافع الفطري دون إثارة، وذلك بإبقاء الدافع الفطري بين الجنسين طبيعيًّا سليمًا، دون استثارة مصطنعة، قد تؤدي إلى الإباحية بالإفضاء الفوضوي، أو إلى الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة، وتوجيه هذا الميل إلى مكانه المأمون النظيف في محضن الأسرة بالزواج.
ومن وسائل الإسلام في الإحصان من الإثارة والفتنة طلب غض البصر وعدم الاتصال المحرم على أنه أمر تعبدي يزكي النفس ويطهرها: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: ٣٠ – ٣١).
ومن وسائله أيضًا الحرص على نظافة المعروضات من كتب وصحف وصور ثابتة أو متحركة، ونظافة الشارع والبحر من الإثارات، وقد عرض الرافعي لذلك في حديثه عن «لحوم البحر» على الشاطئ، فمما قاله: «هنا تتعرى المرأة من ثوبها، فتتعرى من فضيلتها.. الفتاة ترى في الرجال العريانين أشباح أحلامها، وهذا معنى من السقوط. والمرأة تسارقهم النظر تنويعًا لرجلها الواحد.. أين تكون النية الصالحة لفتاة أو امرأة بين رجال عريانين؟» (۲)
ويصور الرافعي «الطائشة» وهي نموذج بشري عنده للفتاة التي نالت التحرير المتغرب ففسدت، وعلى لسانها يجري بعض الأقوال في حوار مع أستاذها قاسم أمين الذي تجاوزته بتحررها فمن قولها:
«ولكن هل قدر قاسم أن المرأة السافرة ستلجأ إلى حماية أخرى فتجعل ثيابها تعبيرًا دقيقًا عن أعضائها، وبدلًا من أن تلبس جسمها ثوبًا يكسوه، تلبسه الثوب الذي يكسوه ويزينه ويظهره ويحركه في وقت معًا؟ ما زادت المدنية على أن فككت المرأة الطيبة.. ثم ركبتها في هذه الهندسة الفاحشة» (۳).
ومن أسباب الإثارة الاختلاط وحرية العلاقات التي يدعي البعض أنها سبيل إلى تهذيب الدوافع الجنسية (٤)، ولكن النار لا تنطفئ بالاحتكاك، وإن انطفأت فإن دوام الاحتكاك يجدد اشتعالها، وهناك من ينبئنا بواقع الحال:
«شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينتهِ بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها، إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهومها أنها لا تنشأ إلا من الحرمان.. شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد ولا يقف عند حد» (5).
(ب) والإسلام يقدر الوسيلة الإيجابية والطبيعية لضبط الميل الجنسي بطلب الزواج من كل من بلغ، ففي الزواج ضبط الميل بين الجنسين وتكوين الأسرة، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (6).
إن الزواج جزء من مهمة الإنسان في بناء الحياة وتوريث الأجيال اللاحقة تأدية هذه الأمانة التي استخلفها الله الإنسان في الأرض، لذا كان التخلي عن الزواج تخليًا عن التبعة والمسئولية في الحياة، فضلًا عن الأضرار الخلقية والاجتماعية، وفي ذلك يقول الرافعي معبرًا عن وجهة نظر الأدب الإسلامي:
«فمن سقوط النفس.. أن يفر الشاب القوي من تبعة الرجولة، فلا يحمل ما حمل أبوه من واجبات الإنسانية، ولا يقيم لوطنه جانبًا من بناء الحياة في نفسه وزوجه وولده، بل يذهب يجعل حظ نفسه فوق نفسه، وفوق الإنسانية والفضيلة والوطن جميعًا، ولا يعرف أن انفلاته من واجبات الزواج هو إضعاف في طبيعته لمعنى الإخلاص الثابت، والصبر الدائب والعطف الجميل في أي أسبابها عرضت». (۷)
والزواج هو المنظم الطبيعي للغريزة، ويصعب علاج الميل الجنسي من دونه:
«فمن ناحية الغريزة الجنسية ذاتها نجد الأسرة هي المنظم الطبيعي لانطلاق الشهوة، بالصورة التي تمنع دمار الجسد وعذاب اللهفة الدائمة، وتمنح الفرد السوي في الوقت ذاته نصيبًا معقولًا من المتعة الجسدية، ينتهي به إلى الرضا والارتواء» (۸).
(ج) ومن وسائل الضبط الارتقاء بالجنس بما يميز الإنسان بإنسانيته، حيث يراه الإنسان جمالًا وإحسانًا في الأداء لا مجرد ضرورة «بيولوجية»، فناموس الحياة في مسائل الجنس أنه ليس ضرورة بيولوجية تُقضى على أي وضع.
فالحياة لا تكفي بقضاء الضرورة، ولكنها تهدف دائمًا إلى الإحسان في الأداء، أرأيت هذه الزهرة الجميلة الفياحة الشذى المتناسقة الألوان؟ أتظن أن ذلك ضرورة؟ قالوا: لتجتذب إليها النحل فينتج منها العسل غذاء وشفاء للنفوس، وتساعد كذلك في تلقيح النبات.. كلا....
فالنحل خَلقٌ متواضع، وإنه ليحط على الزهرة الأريجة الفاتنة كما يحط على الزهرة العادية الجمال، فليس جمال الزهرة إذن ضرورة، وكل الأهداف البيولوجية يمكن أن تتم في أبسط زهرة كما تتم في أجمل الأزهار.. نداء الجنس.
أليس يتحقق في كل أنثى وكل ذكر بصرف النظر عن ذلك الجمال؟ إنه ليس ضرورة وإنما هو جمال، هو إحسان في الأداء لا مجرد الأداء» (9).
على هذا المستوى مما يرفع إليه الإسلام الجنس فيصبح جمالًا وإحسانًا في الأداء يميز الإنسان به، نعرض لنموذج أسري من الأدب الإسلامي: «فاطمة، فتاة مؤمنة، وخطيبها أبو الحسن شاب مؤمن، خطیبان يسيران على طريق الإسلام ويكافحان الإلحاد.... يمران بأزمة... والد فاطمة مجاهد مؤمن «حاجي محمد إدريس» يختطفه أعداء الإسلام، وأبو الحسن يسافر بحثًا عنه... ويدور بين الخطيبين الحوار التالي:
فاطمة: لشد ما أنا قلقة على أبي!! احذر يا أبا الحسن فالطريق وعر والمكائد مزروعة في كل مكان.
أبو الحسن «بصوت يخالطه الانفعال»: سيضيئ وجهك المؤمن ظلام الطريق لي، وسيظل يسير إلى جواري طول تجوالي.. قلبانا يسيران معًا... يترنمان بأنشودة رائعة.. ما أعظم الحب في الله..
فاطمة «تبللت أهدابها بالدموع، وغشيتها موجة عارمة من السعادة وهمست»: سأنتظرك حتى تعود.
أخرج أبو الحسن مصحفُا صغيرًا من جيبه، ومده إليها وهو يقول: «هدية السماء، نعم الصاحب، سيملأ عليك حياتك وعندما أعود سنبدأ في قراءته معًا...» (۱۰).
(د) ويربط الأسباب هذه كلها ويؤدي بها إلى الغاية تقوى الله ورقابته، وعطف الله ورعايته، عذابه وحسابه، فهو العليم بالنفوس والطوايا، وقد شرع لهم ما يعينهم ويحفظهم أمام هذا الميل الفطري العميق الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله، وإلى هذا الأفق من استشعار عظمة الله يتسامى نداء الأدب الإسلامي.
يخاطب أبو العتاهية مشاعر المؤمن المرهفة بمراقبة الله تعالى وخوف سؤاله وعذابه إزاء الفتن والشهوات فيقول:
يا رُبَّ شهوة ساعة قد أعقبت.... من نالها حزنًا هناك طويلًا
فإذا دعتك إلى الخطيئة شهوة.... فاجعل لطرفك في السماء سبيلًا
وخف الإله فإنه لك ناظر.... وكفى بربك زاجرًا وسؤولًا (۱۱)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل