العنوان الجماعة الإسلامية في الباكستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1979
مشاهدات 85
نشر في العدد 456
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 23-أكتوبر-1979
الجماعة الإسلامية في الباكستان أشهر من نار على علم في العالم الإسلامي وليس في القارة الهندية فحسب، فإننا لا نستطيع أن نجد مسلمًا مهتمًا بشؤون المسلمين لم يعرفها أو يسمع عنها على الأقل بشكل أو بآخر.
ولكن مع ذلك من الواجب والضروري لجميع المسلمين عامة والملتزمين منهم خاصة، أن يعرفوا على وجه الدقة والتفصيل متى أسست الجماعة الإسلامية، وكيف نشأت، وما الصعوبات التي اعترضتها، ومن قام بها، ولماذا، وكيف تغلبت عليها، وما الخدمات التي قدمتها للمسلمين، وما دورها في الحركة الإسلامية، وما إلى غير ذلك.
لذلك رأينا من المفيد جدًا أن نلقي بعض الأضواء على الجماعة الإسلامية في الباكستان.
ما هي الجماعة الإسلامية وما غايتها؟
إن الغاية التي من أجلها قامت الجماعة الإسلامية أولًا وآخرًا هي تطبيق شرع الله -تعالى- في جميع مناحي الحياة، وعلى جميع المستويات، والجماعة الإسلامية -كما عرفت نفسها- ليست بجماعة سياسية أو دينية أو اجتماعية بذلك المعنى الضيق المحدود، الذي يعرفه الناس للأحزاب السياسية والجمعيات الدينية والتجمعات الإصلاحية.
وإنما هي جماعة شاملة تؤمن بنظرية عالمية للحياة البشرية -الإسلام- وتريد تنفيذها فعلًا في عقائد الناس وأفكارهم وأخلاقهم وعاداتهم، وعلومهم وفنونهم وآدابهم ونظمهم وثقافتهم، واقتصادهم وسياستهم وعلاقاتهم الدولية.
وإنها ترى أن سبب ما في الأرض اليوم من قلق واضطراب وفساد ودمار، هو انحراف البشر عن طاعة الله -تعالى-، وغفلتهم عن مسؤوليتهم في الآخرة، وإعراضهم عن اتباع هدى الأنبياء وطريقتهم المثلى.
متى تأسست وكيف استمرت؟
مع أن الجماعة الإسلامية في الباكستان قد تأسست رسميًا وقانونيًا في ٢٦ - ٨ – ١٩٤١، إلا أن تاريخ إنشائها يعود إلى قبل هذا التاريخ، إذ إن هناك مرحلة كاملة قبله وهي:
1- مرحلة النقد والتبليغ:
بدأت هذه المرحلة منذ عام ۱۹۲۸، عندما حاول مولانا أبو الأعلى المودودي -رحمه الله تعالى- تكوين فكرة سليمة للإسلام ونظمه في أذهان المسلمين، وانتقاد الآراء والنظريات المنحرفة، وتنبيه المسلمين إلى خطر التسلط الهندوسي، وتعريفهم أنهم يكونون أمة متميزة واحدة، وتركيز هذا المفهوم.
وكان يتم هذا بصورة رئيسية عن طريق المجلة الشهرية التي كان يصدرها مولانا المودودي -ترجمان القرآن- وعن طريق الكتب التي ألفها -رحمه الله تعالى- في هذه الفترة وغير ذلك.
تم وضع دستور جديد على الأسس الإسلامية وكان هذا عام ١٩٥٦، نتيجة لمساعي الجماعة الإسلامية وغيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى في البلاد.
ولكن هذا لم يدم إذ قام انقلاب عسكري عام ١٩٥٨ بقيادة المشير أيوب خان، فأعلن الحكم العرفي وألغي الدستور ليضع دستورًا جديدًا عام ١٩٦٢، خاليًا من المواد الإسلامية التي كان يتضمنها الدستور السابق، فتصدت له الجماعة الإسلامية وطالبته بتصحيح هذا الدستور وتعديله، فوجد المسؤولون أن من الضرورة الشروع بحملة صحفية سوداء لتشويه سمعة الجماعة الإسلامية، وحظر نشاطها..
انتهى الحكم العرفي فعادت الجماعة إلى نشاطها ونجحت بعض النجاح في إدخال بعض المواد الإسلامية في الدستور الجديد، إلا أن المسؤولين في الدولة سرعان ما حلوها وسجنوا أميرها وأعضاء مجلس الشورى، الأمر الذي أدى إلى اعتراض المسلمين على هذا الظلم ونجحوا في إجبار الحكومة على التراجع عن هذا.
- رحلة الإنشاء والتعمير
بعد وضع الدستور الجديد لباكستان دخلت الجماعة الإسلامية مرحلة جديدة من المساعي والجهود، وكان من مقتضيات هذه المرحلة أن تستحث الجماعة المجتمع لإقامة الحكم الإسلامي في البلاد وإصلاح المجتمع إصلاحًا شاملًا.
وفي هذه المرحلة قامت الحرب الباكستانية - الهندية الثانية التي أدت إلى انفصال باكستان الشرقية تحت اسم بنغلاديش، وإلى زوال حكم أيوب خان ثم يحيى خان، ثم مجيء «ذو الفقار علي بوتو» الذي لعب دورًا مهمًا في انفصال بنغلاديش.
ضيق «بوتو» الخناق على الجماعة الإسلامية من جديد، حتى يستطيع أن ينفذ مخططاته المشبوهة والمعروفة، فتصدت له واستطاعت أن تثير الرأي العام ضده وأن تتعاون مع غيرها من الجماعات الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى الإطاحة به ومجيء الجنرال ضياء الحق إلى دفة الحكم.
دخلت الجماعة في عهد ضياء الحق مرحلة جديدة، إذ أعلن عن رغبته في تطبيق الإسلام، وطلب مساعدتها وغيرها فاشتركت الجماعة الإسلامية بالحكم، وبذل وزراؤها جهودًا طيبة في خدمة الإسلام وتنقية وزاراتهم مما هو مناف له.
إلا أن اشتراك الجماعة الجزئي في حكومة ضياء الحق لم يطل، إذ انسحبت منها على الرغم من إلحاح ضياء الحق على بقائها لأسباب عدة.
وعلى كل حال فإن الجماعة الآن تنتظر موعد إجراء الانتخابات، ومن ثم انتقال الحكم إلى حكومة مدنية، وهي إلى جانب هذا سائرة في خططها وأهدافها بثبات وقوة، حتى غدا مركزها ممتازًا مؤثرًا بين جموع الشعب الباكستاني.
ما خطة الجماعة وبرنامجها؟
اتخذت الجماعة لتحقيق غايتها برنامجًا شاملًا يتضمن أربعة أجزاء:
1- تطهير الأفكار وتعهدها بالغرس والتنمية، وذلك عن طريق تجلية الإسلام الصحيح للناس، بعد أن نزيح ما قد تغشاه من جمود، وعن طريق نقد علوم الغرب وفنونه ونظمه، وبعد ذلك توضح الجماعة للعالم كيف تطبق مبادئ الإسلام على المسائل والشؤون الحاضرة، لكي يقوم في الأرض نظام صالح للمدنية والاجتماع.
٢- استخراج الأفراد الصالحين وتجنيدهم في سلك نظام واحد وتربيتهم، والاستفادة من حبهم للإصلاح واستعدادهم للقيام بكل تضحية بأموالهم وأوقاتهم وجهودهم.
ومع أن عضوية الجماعة مفتوحة للجميع، إلا أنه يجب على كل من يسعى إليها أن يظهر -من خلال فترة تجريبية طويلة- استيعابه لأهداف الجماعة وغاياتها وأساليب عملها، وسياستها وبرنامجها ويتفق معها، ويلتزم بما يطلبه الإسلام في حياته اليومية.
وبعد الانضمام للجماعة يجب أن يغير العضو حياته الشخصية بحيث تكون إسلامية كاملة، كما تأمل منه الجماعة أن يصرف كل ساعات يقظته في مواصلة جهاده لإرساء قواعد نمط الحياة الإسلامية.
وإذا أراد إنسان ما الاكتفاء بالتأييد دون تحمل أعباء العضوية، فإنه ينضم إلى فئة «أنصار الجماعة» وتحيطه الجماعة بالعناية الكافية.
وللمرأة المؤمنة دورها في الجماعة الإسلامية، فهناك الكثيرات عضوات فيها. ومتطلبات عضوية الجماعة للنساء هي نفس متطلبات عضوية الرجال.
ودرجة العضو -ذكرًا كان أو أنثى- لا يقرره مركزه الاجتماعي في الحياة ولا ثقافته الدنيوية، ولكنها تتناسب ودرجة امتثاله لأوامر الله وعلو منزلته في فهم الإسلام، وتنظيمه لأمور حياته الخاصة لتتفق مع الإسلام.
۲- مرحلة التربية والإعداد:
بدأت هذه الفترة في 26 - 8 - 1941 فبعد أن تحقق مولانا المودودي -رحمه الله تعالى- من الحاجة إلى جهود جماعية للوصول إلى وجود عملي لمنهج الحياة الإسلامية، رأى أن الوقت قد حان لينخرط الذين تأثروا بالدعوة الإسلامية الخالصة في المرحلة الأولى في سلك واحد، فاجتمع في التاريخ المذكور على دعوة مولانا المودودي -رحمه الله تعالى- خمسة وسبعون رجلًا في مدينة لاهور، وأعلنوا عن تأسيس الجماعة الإسلامية وانتخبوا مولانا أبا الأعلى المودودي أميرًا لها.
شرعت الجماعة في مهمتها بتعميم الدعوة ونشر الفكر الإسلامي بين جميع فئات المسلمين في القارةالهندية، وكان جل اهتمامها في مرحلة التربية هذه على أمور ثلاثة:
- التبليغ.
- المحافظة على نظام الجماعة.
ج- حرية النقد في داخل الجماعة وخارجها.
ولقد استجاب لها عدد كبير حتىبلغ أنصارها ٦٢٥ رجلًا.
3- مرحلة الكفاح والنضال:
بدأت هذه المرحلة مع انقسام القارة الهندية إلى الباكستان والهند في عام ١٩٤٧، ورأت الجماعة في الهند أيضًا أن تنفصل تنظيميًا ولمصلحتها ذاتيًا عن أختها في الباكستان، فانتخبت أبا الليث الإصلاحي أميرًا لها.
وفي الباكستان وسعت الجماعة عملها وضاعفته وقوته، بعد أن اتضح لها أن الذين وضعوا على دفة الحكم في باكستان ليس لديهم أية نية في تطبيق الشريعة الإسلامية وهو الهدف الذي قامت الباكستان من أجله، فاصطدمت الجماعة مع هؤلاء المنحرفين مدة ثماني سنوات، حتى ومقدار قدرته في تسيير الحركة، ودرجة استعداده للتضحية بماله وذكائه وجهده ووقته لتحقيق أغراضها. ولا يوجد عضو مهما علت مكانته وحتى أمير الجماعة غير خاضع للنقد، ولكنه نقد إسلامي حكيم ولقد أبعد هذا أي خطر لدخول أية طبقة تتميز بثرائها أو بعوامل أخرى.
الأمر الذي جنب صفوف الجماعة أي انقسام.
هذا وتركز الجماعة تركيزًا خاصًا على التربية الروحية والخلقية لأعضائها وأنصارها.
- السعي في الإصلاح الاجتماعي
وهو يشمل إصلاح المجتمع بقدر طاقة الجماعة، فينقسم أعضاء الجماعة وأنصارها إلى مختلف قطاعات المجتمع حسب كفاءاتهم ومواهبهم، ويعطى كل منهم من العمل ما يلائمه في جميع الميادين الاجتماعية والفكرية، والأدبية وغيرها، ولكنهم جميعًا يسيرون نحو هدف واحد، هو القضاء على الفوضى الفكرية والعملية والخلقية في الأمة، ونشر الإسلام الصحيح بينها.
والجماعة لا تقوم بهذا كله بالوعظ والإرشاد والنشر والمحادثات الشخصية فقط، وإنما بحسب برامج إنشائية مرتبة منظمة.
وبالنسبة إلى العمال، فإن الجماعة لا تكتفي بالوعظ والإرشاد وإنما بدأت بتنظيم جديد لهم على أساس الفكرة الإسلامية الخالصة، يهدف إلى إقامة العدل الاجتماعي والحصول على الحقوق المشروعة بعيدًا عن الصراع الطبقي، والعمال الذين يسيرون في طريق الجماعة هذا لا ينظرون إلى حقوقهم فقط، بل إلى واجباتهم بأمانة وإخلاص.
- إصلاح الحكم والإدارة:
إذ إنه لا يمكن أن ينجح تدبير من التدابير في إصلاح مفاسد الحياة الحاضرة، ما دامت لا تبذل المساعي الإصلاح نظام الحكم والإدارة مع المساعي الإصلاحية الأخرى، فإن الفساد الذي تتغلغل آثاره يستند على الثقافة والقانون والإدارة والمال، ولا يمكن أن يزيله الاعتماد على الوعظ والإرشاد والدعوة فقط، فلا بد من أن نبذل سعينا مباشرة في إزاحة الفساد عن منصة القيادة والسلطة، وإحلال الصلاح مكانه، ومن البديهي أنه إذا كان زمام الأمور والسلطة في أيدي الصالحين، فإنهم يحدثون في أعوام قليلة من التغييرات الهامة ما لا يمكن أن تأتي به الجهود غير السياسية في مدة قرن كامل.
الجماعة الإسلامية والعالم:
في ميدان السياسة الخارجية، فإنها تمثل أقرب الأواصر وأشدها أخوة مع كل بلد مسلم، طبقًا لتعاليم الإسلام، مؤكدة ضرورة وحدة المؤمنين وتماسكهم.
وبالنسبة إلى المعسكرين الغربي والشرقي، فإن الجماعة تختلف معهما كل الاختلاف على حد سواء، منطلقة بذلك من موقفها الإسلامي الأصيل، ومن مؤامرات الشرق والغرب على المسلمين سرًا وعلانية.
والجماعة الإسلامية لا تقصر تطلعها على الباكستان فقط، بل إنها تتطلع إلى إيجاد نظام إسلامي يشمل العالم بأسره تحكمه الشريعة الإسلامية الخالدة، وإن خاتمة دستورها تدعو جميع المسلمين ليطيعوا الله ورسله، وليبتعدوا عن الشرك والنفاق وكل ما لا يرضى عنه الله، ولينجوا من مراكز القيادة والسلطة كل أولئك الذين يعرضون عن أوامر الله، ويتركون منهج الإسلام في الحياة، ويستبدلونهم مؤمنين أتقياء.
شعب الجماعة في مركزها العام:
وحتى تستطيع الجماعة القيام بأعبائها الجسيمة التي رأينا، كان لا بد لها من الاعتماد على جهاز مخلص منظم دقيق شامل، لذلك نرى مركز الجماعة العام في لاهور يشتمل على:
- شعبة التنظيم والإدارة.
- شعبة بيت المال.
- شعبة الخدمات الاجتماعية.
- شعبة النشر والإعلام.
- شعبة الشؤون العمالية.
-شعبة التربية.
-شعبة المدارس والمعاهد ومكافحة الأمية.
-دار العروبة للدعوة الإسلامية.
-دار الترجمة الإنكليزية.
-دار الترجمة البنغالية.
-شعبة الشؤون البرلمانية.
-شعبة الانتخابات.
-قسم الأخوات المسلمات.
وأخيرًا وبعد هذا العرض الوجيز، يدرك الإنسان المنصف بوضوح أن الجماعة الإسلامية ذات نطاق واسع وقوي في العالم كله، تتميز بالديناميكية والتنظيم والإخلاص قيادةً وأفرادًا، وتتمتع بتأييد كبير من المسلمين داخل باکستان وعلى مستوى العالم الإسلامي جميعًا، بفضل كتبها المترجمة إلى أكثر اللغات التي يمكن أن يفهمها المسلمون. كل ذلك يشكل ضمانًا كافيًا لفوزها في المستقبل بإذن الله تعالى.