العنوان الجزائر– فرنسا... نحو عودة العلاقات
الكاتب عبدالله بوفولة
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-يوليو-1999
عرفت العلاقات الجزائرية- الفرنسية جمودًا لم تعرفه من قبل، وترجع أسباب ذلك إلى عدة عوامل، ليس أقلها الوضعية الأمنية السيئة التي رزحت تحت وطأتها الجزائر، وكانت زيارة «بيارشوفنمان»- وزير الداخلية الفرنسي المتزامنة مع انعقاد قمة وزراء الداخلية التي تبحث أمن ضفتي المتوسط- قد فتحت شهية المتتبعين لملف شؤون البلدين، وذكرتهم بالوقت الذي ضاع سدى دون التمكن من إقامة علاقات إنسانية محترمة وتعاون مشترك خدم مصلحة الطرفين.
الرئيس الفرنسي جاك شيراك بإعلامه في رسالة للرئيس الجزائري بالموقف الفرنسي تجاه ملف البلقان، قد أراد إعطاء دلالة حقيقية لهذا التوجه الجديد، بل والأبعد من ذلك أراد تبليغ نظيره الجزائري بنيته الصادقة في بعث العلاقات بين البلدين، والاعتراف بالدور الذي يلعبه الرئيس بوتفليقة على الصعيد الإفريقي والمغاربي والمتوسطي، والواقع أن الموقف الفرنسي الجديد المتعلق بالجزائر يتسم بـ «الديناميكية» على حد وصف بعض المراقبين السياسيين في العاصمة الجزائرية، ويرتكز على عنصرين استراتيجيين، الأول: عودة السلم، وذلك لطمأنه المستثمرين والمتعاملين الأجانب، والثاني: إنعاش الدور السياسي والدبلوماسي للجزائر إقليميًا، وعلى مستوى القارة الإفريقية، وإذا كان تدهور الوضع الأمني قد أضر بسمعة الجزائر على الصعيد الخارجي، فإن عودة الأمن في المدة الأخيرة قد ساهم في بداية عودة الجزائر إلى مكانتها، وهي تطمح إلى استعادة هذه المكانة.
أما فرنسا التي اعتمدت مواقف تلفها الضبابية في السنوات الأخيرة، فقد بدأت تستفيق، وتريد إعادة الدفء إلى علاقاتها مع الجزائر، ربما لاعتقادها بأن الرئيس الجزائري الجديد شرع في وضع قطار الجزائر على السكة بعد سنوات عجاف، وكان أول عنصر من قضية إعادة الدفء قد جاء على لسان وزير الداخلية الفرنسي شوفنمان، حيث قال: «إن العلاقات الجزائرية– الفرنسية تمر بمرحلة لا تضاهيها مرحلة في الماضي، ولا يمكن تعريضها سواء بالنسبة للجزائر أو لفرنسا».
رسالة اعتراف: تعود أهمية الرسالة التي بعث بها شيراك إلى نظيره الجزائري إلى كونها خرجت عن مألوف التبادل البروتوكولي للرسائل المتعارف عليه بين الرؤساء.
لقد تحدث شيراك كممثل المجموعة الدول الأوروبية، محاولًا تبرير الموقف، والدور الذي لعبه في أزمة كوسوفا، وجاءت الرسالة مرافعة مهيكلة ومفصلة للأسباب التي دعت دول الوحدة الأوروبية لطلب تدخل الأطلسي في البلقان، وفي الوقت نفسه تشرح بعض الدروس الأولى التي استخلصها القادة الأوروبيون من تسيير هذه الأزمة، ولقد اندهش الكثير من المحللين في المقام الأول كون الرئيس الفرنسي اختار بوتفليقة الذي تقلد منصب الرئيس منذ مدة قصيرة ليقدم له تصوراته التي أملاها عليه الموقف الأوروبي، وليأتمنه في الوقت نفسه على التطلعات التي تريد المجموعة الأوروبية القيام بها.
صحيح أن الجزائر تمتلك قدرًا لا بأس به من النفوذ في العالم لا يمكن القفز عليه، وخاصة في حوض المتوسط، وهي المنطقة المعنية بالدرجة الأولى بأزمة «البلقان»، ولكن هناك دول عربية وإفريقية تعنيها «الأزمة البلقانية»، وللذرائع والأسباب نفسها.
والواقع أن الرئيس الفرنسي لما اختار الجزائر وضع في الحسبان عدة مقاييس ليس أقلها الخصوصيات التاريخية والسياسية التي تحكم العلاقات بين البلدين، وخاصة مراعاة رئاسة منظمة الوحدة الإفريقية التي عادت للجزائر ابتداءً من منتصف يوليو الجاري.
لقد أراد شيراك إقناع مجموعة رؤساء الدول الإفريقية بحقوق الأوروبيين ونواياهم في المستقبل، كما أراد ألا يترك المجال مفتوحًا «للاشتراكيين» في فرنسا وحدهم للانتفاع من إعادة الدفء إلى العلاقات الفرنسية– الجزائرية، فالرجل يمتلك أسلوبًا خاصًا تجاه الرئيس الجزائري، ويريد إقامة علاقة من نوع خاص تميزها المباشرة والثقة.
ثم إن هناك شقًا في الرسالة يثير الاهتمام، ويحتاج إلى وقفة، ويتمثل في نية الأوروبيين المؤكدة من طرف شيراك في إنشاء قوة عسكرية للتدخل السريع، تتمثل مهمتها- كما يدل اسمها- في الدفاع عن مصالح الدول الأوروبية عندما تمس في المستقبل، بعيدًا وباستقلالية تامة عن الدعم الأمريكي والمظلة الأمريكية، كما كان يحدث إلى الآن، وتتكون هذه القوة السالفة الذكر في مرحلة أولى من عناصر آتية من جيوش دول جنوب أوروبا خاصة «فرنسا- إسبانيا- إيطاليا».
الزيارة الأخيرة لـ «شوفنمان» ورسالة شيراك لبوتفليقة تفتح من دون شك عهدًا جديدًا في إطار العلاقات بين البلدين، ويأتي تصريح شوفنمان الأخير من أن العلاقات مع الجزائر على «أحسن ما يرام»، «ولا يمكن تعويضها إن للجزائر أو لفرنسا» قد راعى صاحبه مختلف التطورات التي تعرفها الجزائر، وهي كلمات ذات دلالة للتعبير عن العلاقات التي يمكن إيجادها بين البلدين، ويبقى فعل الكثير وتجسيده على أرض الواقع.
منظمة الوحدة الإفريقية.. عودة شيء من الروح
ساهمت القمة الإفريقية التي اختتمت أشغالها مؤخرًا في الجزائر بقسط كبير في التقليل من التوترات الموجودة بين مختلف الفرقاء الأفارقة.
فقد استطاعت منظمة الوحدة الإفريقية- التي طالما شكت من ضعف مزمن في معالجة الصراعات التي تمزقها- من عرض غسيلها في إطار أسري داخلي، وفي إطار سلمي.
الواضح أيضًا أن هذه القمة قد تمكنت- ولأول مرة منذ أمد بعيد- من قلب الموازين داخلها، وتجلى هذا التغيير في سطوع نجم عدة دول عضوة نافذة، وسمح ذلك بالتالي بالمساس بالمصالح الفرنسية في إفريقيا، هذا إذا أخذنا في الحسبان الصراع الخفي الدائر بين الولايات المتحدة وفرنسا على إفريقيا، كما سمح بتفوق النفوذ الأمريكي بشكل واضح، وقد كانت الولايات المتحدة ممثلة في القمة بـ «سوزان وايس» مساعدة وزيرة الخارجية المكلفة بإفريقيا، وهي مرجعية معتبرة، و«سيدة إفريقيا» بالنسبة لكلينتون، ومن المؤمنات بتدخل استراتيجي أمريكي كبير في القارة السمراء، كما كانت مدعمة بالسفير الأمريكي كامرون هوم الذي اعتبر القمة «حققت نجاحًا واسعًا بالنظر إلى حجم مشاركة رؤساء الدول والتنظيم المحكم والنتائج المتوصل إليها».
أما تقلص حجم النفوذ الفرنسي فقد تأكد بتألق ثلاثة رؤساء كان لهم دور بارز في تقريب وجهات النظر بين دول البحيرات الكبرى أو القرن الذهبي، وتأكد أيضًا بارتسام محور جديد ممثل في الجزائر– لاجوس– وبريتوريا، أما نيجيريا وجنوب إفريقيا فهما حليفتان تاريخيتان للولايات المتحدة، تتزعمان كتلة الدول الناطقة بالإنجليزية، وتكونان قطبًا من الأقطاب في القارة، إضافة إلى ذلك تمثل الجزائر وحدها قطبًا ذا نفوذ ظاهر ستساعد على ظهوره رئاستها للدورة الحالية لمنظمة الوحدة الإفريقية.
فإذا أضفنا لذلك مصر تحصلنا على مجموعة دول تحيط بالقارة، فضلًا عن كونها دولًا فاعلة سياسيًا، وواعدة على الصعيد الاقتصادي، وهذا لا يعني بالضرورة نية هذه الدول في «حلف أمريكي»، أو الدوران في فلك الولايات المتحدة، بقدر ما يكون ذلك عاملًا مسهلًا لامتلاك سلطة القرار داخل المنظمة، مما يسهل لها إيجاد توازن في لعبة النفوذ في القارة التي يراها البعض «لعبة إبادة» بين القوى الغربية.
وحيال هذا المعطى الجديد، وتسارع وتيرة الأحداث لغير صالحها، بعثت فرنسا بوزيرها للتعاون «شارل جوسلان» ومن الضروري القول إن دولًا فرانكفونية كالجابون أو ساحل العاج، وبالرغم من حصولها على مقاعد في الأمانة العامة للمنظمة، ليست في مستوى مصارعة دول ناطقة بالإنجليزية، بدأت تستعيد صحتها داخل المنظمة.
وستواجه الدول الفرانكفونية موقفًا حرجًا في سبتمبر القادم، إذ سيتعين عليها الاختيار بين مشاركة زعمائها في القمة الاستثنائية التي ستعقد في طرابلس بليبيا، أو القمة الفرانكفونية التي ستعقد في كندا في الوقت نفسه، وسيكون على الدول الإفريقية إما الاستجابة لباريس، أو لأهل الجوار.
أما الملك الحسن الثاني فقد حسم اختيار المغرب مبكرًا على ما يبدو باختياره حضور استعراض ١٤ يوليو في باريس، بدلًا من استغلال فرصة القمة الإفريقية في الجزائر للعودة إلى منظمة الوحدة الإفريقية، ويكون بذلك قد ضيع فرصة إعادة ربط صلاته مع الأفارقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل