العنوان الجزائر.. إفراج سياسي لمهمة غير معلنة
الكاتب عامر حمدي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 29-يوليو-1997
مدني الصامت وثلاث أسئلة ملحة
ما طبيعة الاتصالات التي يجريها بعد الإفراج عنه؟
هل يسعى لتشكيل حزب سياسي من أعضاء الانقاذ وبديلًا عنها؟
ما مدى سيطرة الانقاذ السياسية على الأجنحة المسلحة؟
بعد 20 شهرًا من انتخابه رئيسًا للجمهورية في 16 نوفمبر ،1995 قرر الرئيس الأمين زروال، إعلان جملة من القرارات الجريئة، التي كانت مفاجأة للكثير من المتابعين للشؤون الجزائرية إفراجه عن مسؤولين في جبهة الإنقاذ تزامنًا مع بعض التعيينات الجديدة، في المؤسسة السياسية والأمنية، فهل كانت هذه القرارات مفاجئة، وإلى أي مدى يمكن أن تؤدي مثل هذه القرارات إلى عودة الأمن والاستقرار في البلاد، وهل كان الإفراج عن قادة الانقاذ تخلصًا من ملف معلق أم توظيفًا محكمًا لحالة الانقاذ في إعادة ترتيب الخريطة السياسية في البلاد وفق قواعد لعبة ديمقراطية واضحة الحدود والأبعاد؟
أثار إطلاق السلطة صلاح مسؤولين قياديين في جبهه الانقاذ التي_ حظر نشاطها رسميا_ جملة من التساؤلات لدى الأوساط السياسية والدبلوماسية، حول توجهات السلطة في المرحلة المقبلة، لاسيما وأن ذلك تزامن مع جملة من التغييرات المهمة التي شرع فيها الرئيس زروال، على مستوى هرم السلطة، وإن كان اختلاف الملاحظين واضحًا في تفسيرهم لخلفيات الإفراج عن قيادي الإنقاذ، بالنظر إلى عدم حاجة السلطة على الأقل لدعم الإنقاذ بعد كسبها الشرعية الشعبية، في ظل تحالف حكومي يربطها مع بعض قوى المعارضة، وتراوحت تحاليل المراقبين بين من اعتبر قرار الإفراج خطوة مهمة في اتجاه التخلص من الملفات السياسية والاقتصادية المجمدة على مكتب رئيس الجمهورية منذ 1992 م، ويدعم راية هؤلاء أن الحسم في هذه الملفات، يكسب الرئيس زروال مزيدا من ثقة الجماهير، إذ يبدو أنه أدرك بعد ثلاث استشارات شعبية حقيقة المطالب التي رفعها الشعب، بدليل تركيز المجتمع الوطني الديمقراطي حزب الأغلبية الرئاسية في الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية الأخيرة، على بعض الملفات المستعجلة كالسلم خلافًا للشعار الانتخابي، الذي رفعه في الأيام الأولى وهي معطيات كافية لن تدفعه لمراجعة كل الحسابات قبل انقضاء عهدته الانتخابية الأولى، فيما يعتبر آخرون قرار الإفراج عن مسؤولي لإنقاذ خطوة مزدوجة الأهداف ترمي أولًا إلى التغطية على التعداد غير معلنه قد يتولى القيام بها ثمانية من مسؤولي الجبهة تم إطلاق سراحهم بين ربيع وخريف 1994 ميلاديًا، وفضلًا عن عبد القادر حشاني وعباسي مدني سيكون كل من على جدي وعبد القادر بوخمخم وعبد القادر عمر وآخرون دور جديد في الساحة السياسية، خاصه في ظل تحسن نسبي في الوضع الأمني عما شهدته البلاد سنتي93 و 1994 ميلاديًا.
وفي سياق هذا، تقول أوصاف سياسية، أن السلطة قدمت لمسؤولي الإنقاذ ما كانوا يطالبون به من غير مقابل، محملة بذلك قادة الإنقاذ مسؤولية مواجهة الشعب، خاصة وأن قد قادة الإنقاذ الذين كانوا عنصرًا مهمًا في الأزمة، مطالبون سياسيًا وشعبيًا لأن يكونوا عناصر مهمة في حل الأزمة، وهو تحد مرفوع لقيادة الإنقاذ المرشحة للعب دور أساسي على الصعيد السياسي والأمني، بعد أن مكنتها السلطة من شرطها الذي سبق وأن طرحته في جوالات حوار خريف 1994 ميلاديًا، حيث طالبوا آنذاك مقابل وقوفهم- النزيف الدموي- تمكنهم من لقاء جميع فعاليات الإنقاذ لبحث ما يمكن القيام به خارج السجن، لدعوة أن المسجون فاقد لأهليته ولا يمكن انتظار أي قرار بشأن منه.
التوقيت السياسي لقرار الإفراج وإن كان لا يلغي ما سبق ذكره إلا أنه يعطي المسألة شكلًا، وبعد آخر صعب التفكيك في الوقت الحاضر، فقد تزامن الإفراج مع جملة من المستجدات التي تدعو للاهتمام، فهي أولًا جاءت بعد أن ألغى صندوق الانتخابات في يونيو الماضي، الخريطة السياسية التي أفرزت أزمة 1992 ميلاديًا، وظهور الجبهات الثلاث والآن فقد رضيت جبهتان، جبل التحرير الوطني، وجبة القوة الاشتراكية بنتائج انتخابات الأخيرة، فيما غابت جبهه الإنقاذ عن الساحة السياسية الرسمية، وفي المقام الثاني يأتي قرار الإفراج في ظل أول حكومة ائتلافية في تاريخ البلاد ميزها الحضور القوي لكل من حركه حمس وجبات التحرير، وثالثًا في غضون أسبوع شهد إقدام رئيس الجمهورية على إجراء تعيينات جديدة في هرم السلطة، فبعد الإفراج عن عبد القادر حشاني أحدث زروال حركة أولية في سلك الولاة مست سبع ولايات وقد تشهد بعض المناصب المهمة في الإدارة المحلية والمركزية خلال الأيام القليلة المقبلة ببعض التغييرات، التي ينظر إليها على أنها تحمل طابعًا سياسيًا وإداريًا، إضافة إلى هذا ينظر إلى شروع زروال في سلسلة من التعيينات في المؤسسة العسكرية، المكلفة بمعالجة الوضع الأمني على أنه تهدئة جديدة على الصعيد الأمني، لا يستبعد أن تدعى قريبًا إجراءات أخرى مرافقة، وبالنظر إلى طبيعة نظام الحكم في الجزائر، الذي أصبح يكتسي طابعًا مؤسساتيًا بزوال شخصية الزعيم مع رحيل هواري بومدينن، فإنه يمكن القول أن السلطة فضلت بعد خمسة أعوام ونصف العام من عمر الأزمة، إحداث القطيعة مع الأزمة، بشكل منظم بإبعاد بعض الأوجه التي حكمت البلاد في المرحلة الأولى من الأزمة، كإجراء آخر تهدئة الأوضاع والرجوع بالبلاد نحو السير العادي للمؤسسات، ومقابل ذلك إعادة استغلال العروض التي قدمها قادة الإنقاذ في جوالات الحوار السابقة، ضمن استراتيجية جديدة يواجه في الإنقاذ السياسي الأجنحة المسلحة للحزب، وفق ترتيبات يكون قد أعد هندستها سلفًا عباس مدني بدعم من مسؤولين في الحزب، وإن كان المدني الذي شرع حسب أكثر من مصدر في اتصالات مع أوجه مسؤولية في جبهة الإنقاذ، قد أبلغ من طرف الوكيل العسكري الجمهورية بضرورة الابتعاد عن ممارسة العمل السياسي لمدة الست سنوات المتبقية له من الحكم النافذ في حقه والمقدر ب 12 سنة كاملة ،وعدم ممارسة أي نشاط سياسي، من شأنه المساس بالأمن والطمأنينة العمومين، وتتوقع الأوساط السياسية أن تلجأ عناصر مسؤولة في جبهة الإنقاذ إلى تأسيس حزب سياسي إسلامي جديد، لدعم وتزكية مسؤولي الإنقاذ المحظورة عليهم ممارسة النشاط السياسي، وفق قواعد اللعبة الديمقراطية التي حددها قانون الأحزاب الجديد، تمهيدًا للمواعيد الانتخابية المقبلة، وهو ما لم يخفه عباسي مدني في تصريحاته المقتضبة للصحافة المحلية والدولية، ويتوقع هنا أن تدعم السلطة هذا التوجه، في إطار شامل تحكمه لعبة التوازنات انطلاقا من عدة معطيات أهمها، تحقيق كلا من حركة حمس والنهضة، وهي قوه منظمة تقدم ملحوظًا على الصعيد الانتخابي بخاصة بعد فشل سياسة الترويض التي حاولت السلطة ممارستها مع الحركة الأولى، التي يتزعمها محفوظ نحناح الذي استطاعت أن تظفر في ظرف قصير بسبع حقائب وزارية، وعليه فإن رغبة السلطة في مباشرة هذه اللعبة من جديد مع بقايا الإنقاذ يكفل لها استراتيجيًا حفظ التوازنات في الساحة السياسية، بين أهم الأقطاب السياسية الأيديولوجية، ويدعم هذا الرأي اعتقاد الملاحظين بأن السلطة فضلت إطلاق سراح قادة الإنقاذ ليكون لهم مستقبلًا دور في حفظ توازن ساحة التيار الاسلامي، بشكل لا يهدد استقرار حكم التيار الوطني النوفمبري، وهي مسألة مهمة لم يغفلها بيان التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي صدر عقب إطلاق سراح مدنية حيث وصفت تشكيلة سعيد سعدي الوضع الجديد بالشاذلية من غير الرئيس الشاذلي بن جديد، مشيرة إلى عودة التسوية على الطريقة السودانية في إشارة واضحة الى لعبة التوازنات التي تنوي السلطة ممارستها، بإشراك الإنقاذ في الساحة السياسية من جديد، في إطار تسوية ظهرت حسب سعيد سعدي بين السلطة والإنقاذ عشية انتخابات 26 ديسمبر 1991 م وبالرغم من أن المسؤول الأول على جبهة الإنقاذ عباس مدني حول إلى إقامة أخرى ثلاثة أيام بعد إطلاق سراحه خفان الأوساط السياسية اعتبر ذلك طبيعيًا للتغطية على تحركاته التي باشرها منذ إطلاق سراحي لوقف العنف في البلاد كلهم أولوية في الوقت الحالي وهو المسعى الذي لم يخفه خلال تصريحاته الأخيرة، ومعلوم أن الشيخ مدني كان قد أقام في أيامه الأولى عقب إطلاق سراحي في بيت والده المتوفى منذ ثلاث سنوات بحي بلكور الشعبي، وهو الحي الذي أمكن للحضور معاينة اتصال عباسي عن قرب، الشيء الذي رفضته الداخلية الجزائرية واعتبرته خروجًا عن الاتفاق الذي حصل بين الطرفين والذي يرجح الآن أن يكون مرتبطًا بمسع عملي، من زعماء الإنقاذ المفرج عنهم لتأسيس حزب سياسي إسلامي جديد، لإعادة جمع شتات الإنقاذ في إطار قواعد لعبة ديمقراطية واضحة.
ردود فعل متباينة للتشكيلات السياسية الجزائرية
أبدت مجمل التشكيلات السياسية، ارتياحها لقرار الإفراج عن عباسي مدني، وأعتبر ذلك مؤشرًا إيجابيًا على نية السلطة في التخلص من الحلول الأمنية، وفي هذا الاطار أكد علي ميموني المكلف بالإعلام في حزب جبهة التحرير الوطني _الحاكم سابقًا_ أن حزبه مرتاح لقرار الإفراج عن المدني، وأنه يتمنى لو يتم حل المشاكل التي تعاني من الجزائر بشكل جماعي، من جانبه عبر زعيم- حركة مجتمع- السلم محفوظ نحناح: عن موقف حركته في تصريح لجريدة لوفيفارو قال فيه: أنه مسرور لإطلاق سراح عباس مدني، غير أن ذلك لم يمنعه من تحديد مسؤولية الشيخ عباسي مدني، فيما حدث للبلاد وقال نحتاج في معرض حديثه عن الأزمة الدعوية التي تعرفها البلاد، أنه لولا توفيق المسار الانتخابي لكان بالإمكان أن تذهب البلاد في انزلاقات خطيرة تصل إلى حد مجازر البورندي أو أحداث أفغانستان، معيبًا على الإنقاذ عدم تحمله مسؤولياته التاريخية بعد انتخابات 1991م، والتي تزامنت مع تصريحات نارية من الإنقاذ كانت سببًا كافيًا لإثارة حقيقة الكثير من القوة في البلاد، مشيرًا إلى أنه سيلتقي قريبًا بالشيخ مدني، ويسأله عما سيقوم به لوقف النزيف الدموي، وإن كان في مقدوره ذلك، علمًا أن الرجل الأول في جبهة الإنقاذ محكوم عليه بالإعدام من طرف الجماعات المسلحة، بدوري قال الصديق دبابلي أمين عام جبهه القوى الاشتراكية، أن هذه الإجراءات ستساهم في تحسين الجو السياسي والأمني، بخاصة إذا ما قامت في الأيام المقبلة باتخاذ إجراءات تهدئة شاملة تمس كل الجزائريين، كرفع حالة الطوارئ، وهو نفس الموقف الذي جدد التأكيد عليه أمين عام الحركة، من أجل الديمقراطية خالد بن اسماعيل الذي قال: إننا نشهد تحولًا مهمًا للسلطة نحو الحلول السياسية، وهو ما يشجع على مشاركة الأحزاب في الانتخابات المحلية المقبلة، فيما تمنت حركة النهضة أن يشمل قرار الإفراج أخيه علي بن حاج، خلافًا لهذا عبرت أحزاب التيار الديمقراطي عن خيبة أملها، بعد إطلاق سراح الشيخ مدني، حيث جاء في بيان أصدره التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، أن إطلاق صلاح مسؤولين في جبهة الإنقاذ يعني أن السلطة تنوي عقد تسوية مع الأصوليين على الطريقة السودانية، وبذلك العودة إلى الشاذلية-النظام السياسي السابق- بدون الرئيس الشاذلي بن جديد، من جهتها اعتبرت حركه التحدي ذات التوجه العلماني، أن إطلاق سراح مسؤول لإنقاذ بمثابة مقصلة الجزائريين، داعية الديمقراطيين ورجال المقامة إلى التحلي باليقظة والحذر.
منع عباس من الإدلاء بتصريحات
وكانت وزارة الداخلية قد وقعت قرارًا تذكر فيه عباسي مدني بالواجبات المترتبة على الإفراج المشروط، الذي استفاد منه وحذرته من القيام بأي نشاط حزبي أو سياسي بأي شكل من الأشكال، أو من أي طبيعة كان، كما حذرته من الإدلاء بأي تصريح شفهي أو خطي لوسائل الإعلام الوطنية أو الدولية، ومن المشاركة في أي اجتماع أو مظاهرة عموميين اللذين يبقيان خاضعين لترخيص خطي مسبق من وزارة الداخلية والجماعات المحلية والبيئة.
ويفيد البيان أن عباسي قد أخطر بالامتناع عن القيام بأي تصرف، أو نشاط من شأنه أن يخل بالأمن والطمأنينة العموميين.
وجاء إعلان الداخلية بعد ثلاثة أيام من الإفراج عن عباسي وعقب التصريحات التي أدلى بها، والتي وصفها بيان الداخلية بالمتعددة والمتكررة، وركزت على الجانب الأمني، حيث أكد بأن الإسلام رسالة وليس إجرامًا، موضحًا في نفس السياق بأنه سيعمل على تفجير قنابل الحياة، ليضيف بأنه يريد الخير لهذه البلاد قبل أي شيء ويصل إلى القول إن ما نريده وما يريده الجميع هو أن يتوقف العنف.
وما هذه الإشارات التي حاول من خلالها إظهار إمكانية مساهمته في إيقاف العمق، ذكر عباسي بأنه لم يمض أي عقد من السلطات كما أوضح بأنه حر في تحركاته فيذهب إلى حيثما يريد ويتكلم مع من يريد وبيته مفتوح لكل الذين يحملون نوايا حسنه مضيفًا بأنه حر في كل تصرفاته، ما عدا تنقله إلى الخارج، الذي يخضع لإذن من وزارة الدفاع الوطني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل