; تحركات لجمع مليون توقيع لمنع مشروع إلغاء مادة الشريعة.. الجزائر.. حملة شعبية ضد علمنة المناهج! | مجلة المجتمع

العنوان تحركات لجمع مليون توقيع لمنع مشروع إلغاء مادة الشريعة.. الجزائر.. حملة شعبية ضد علمنة المناهج!

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005

مشاهدات 68

نشر في العدد 1655

نشر في الصفحة 28

السبت 11-يونيو-2005

المراقب لتفاعلات السياسة الجزائرية يطرح العديد من التساؤلات حول من يقف وراء العبث بثوابت الأمة وعلى رأسها الإسلام والعربية والوحدة الوطنية والأمازيغية؟  تعتبر هذه محاور ظلت طيلة مرحلة الأحادية والتعددية مجالًا للمزايدات السياسية بين النخب الثقافية والدينية والوطنية في الجزائر. والغريب في الأمر أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتحالف الرئاسي وكل الأوساط الفاعلة في الساحة الثوابتية بعيدة عن التزامها بقيم المجتمع الجزائري وهويته، لكن بين الفينة والأخرى تخرج علينا الإدارة الجزائرية بمشروع قانون «يعلمن» الحياة الاجتماعية في الجزائر.

موقف الرئيس كان فاصلًا في مسألة هوية قانون الأسرة، مؤكدًا احترام الشريعة الإسلامية حيث عُرِفَ عنه إعلاميًّا مقولة «لا يمكن أن أعصي الخالق في طاعة المخلوق» وفعلًا صدر القانون محافظًا على هويته الإسلامية، كما طُرِح في الجزائر مشروع علمنة المنظومة التربوية فيما عُرِفَ بتقرير نور الدين بن زاغو «رئيس اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية»، وهي ورشة مهمة أنشأها بوتفليقة في بداية عهده الأول، وكان تقرير هذه اللجنة قد أثار رفضًا واسعًا لدى المواطن الجزائري واستياءً كبيرًا لدى الأحزاب السياسية الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى رفضه جملة وتفصيلاً، كما طرحت الأوساط العلمانية في الجزائر في مضمون قانون المالية بندًا ينص على استيراد الخمور، ورفض كذلك في البرلمان من طرف جميع الغيورين على الثوابت الوطنية.

إلغاء مادة الشريعة

وتعيش اليوم الساحة الجزائرية على وقع مشروع جديد متجدد صادر عن وزارة التربية الوطنية يتضمن إلغاء تخصص الشريعة الإسلامية من مقررات التعليم الثانوي، وخرج الوزير بن بوزيد في إحدى الندوات ليعلن ما كان خافيًّا وينفذ في السر. وزارة التربية الوطنية الجزائرية تستند في أسباب إلغائها لمادة الشريعة من التعليم الثانوي إلى كون أن الإصلاح الذي قامت به الوصاية على مستوى التعليم الثانوي جاء وفقًا لفلسفة وإستراتيجية مدروسة، وجدت أن مكمن الخلل هو التخصص المبكر والشعب التي لا تسمح للطلبة باختيار عدة شعب في الجامعة نظرًا للمحدودية هذه التخصصات التي لم يحصرها الوزير في العلوم الإسلامية فقط، إذ وسع الأمر إلى شعبة الكيمياء والإلكترونيك والإلكتروتقني وغيرها من الشعب الملغاة «9 شعبة» وأكد الوزير أنه لابد من تلقين الطلبة في الثانوي المواد التي تنفعهم في دراستهم الجامعية، وليس حصرهم في شعبة واحدة لا مستقبل لهم فيها، ويضيف أنه غير مستعد للمساهمة في تكوين ٣٠ ألف بطال «يقصد طلاب الشريعة».

وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها وزارة التربية على تعريض ثوابت الأمة للمزايدة السياسية، ولم تكتفِ بما فعلته من كوارث على مستوى الكتاب المدرسي والمقررات، بل راحت تبرر إلغاء شعبة الشريعة في وقت أصدرت فيه وزارة الشؤون الدينية تقريرًا يبين حاجة المساجد إلى دعاة وأئمة مقتدرين بغرض القيام بمهمة تصحيح الفهم وترقية المهمة الدينية في المساجد بسبب ما تعانيه الجزائر من ضعف في المرجعيات الدينية، الأمر الذي لعب دورًا كبيرًا في أزمة الجزائر الدموية، وكانت السلطات الجزائرية لا تلقي بالًا لما سيحدثه هذا الإلغاء من استياء ورفض لدى الشارع الجزائري، بل كان أطرافًا داخل دواليب السلطة تعمل ضد إرادة الرئيس والتحالف الرئاسي.

رئيس جمعية العلماء المسلمين يصف المشروع أنه جريمة ترتكب في حق الشريعة الإسلامية

مظاهرات رافضة

طلاب الشريعة وأساتذتها والمجتمع المدني والأحزاب الإسلامية وأئمة المساجد لم يسكتوا على هذا الإجراء، بل خرجت جموع الطلبة والأساتذة في أغلب ثانويات وجامعات الوطن معبرين عن رفضهم لإلغاء الشريعة الإسلامية من التعليم، حيث تجمعوا في تنسيقية أساتذة علوم الشريعة الوطنية للتعليم الثانوي التي أرسلت رسالة إلى رئيس الجمهورية تدعوه فيها إلى التدخل، وجاء في الرسالة التي حصلت المجتمع على نسخة منها: «إن المشروع المقترح يهدف إلى إضعاف مقومات وهوية الأمة الجزائرية لاسيما إلغاء مادة الشريعة التي تحتل مرتبة الصدارة في كل امتحانات البكالوريا الثانوية، وجعل المادة غير مهمة في بقية الشعب من خلال تقليص معاملها وحجمها بحجج واهية.

ومن خلال رسالة الأساتذة شخصوا أخطار هذا المشروع، في حرمان الشباب الجزائري من تعلم دينه الصحيح ؛ بما يجعله معرضًا إلى مختلف الانحرافات، وبالخصوص في خضم الانفتاح الإعلامي الجارف والخطير، وإضعاف اهتمام الأجيال بالثقافة الإسلامية، وكذا تمكين المصادر غير الرسمية وغير المؤهلة لتلقين الشباب مفاهيم خاطئة عن الدين الإسلامي، وإضعاف مستوى الجامعات الإسلامية بتجفيف منابع التأهيل في التعليم الثانوي، فضلاً عن التخلي عن دور الدولة في تكوين نخبة أو طليعة متخصصة تساهم في التوعية والإرشاد، ليرفعوا صوتهم عاليًّا لرئيس الجمهورية بضرورة التدخل لإنقاذ المنظومة التربوية من أشباح العلمنة والتحريف والإلغاء.

برامج التحرك

فيما تحركت الجامعات الجزائرية تحت لافتة الاتحاد العام الطلابي الحر للقيام بمظاهرات احتجاجية توجت بميلاد تنسيقية الكليات الإسلامية الخمس التي سطرت لنفسها برنامجًا للتحرك في اتجاه إلغاء هذا المشروع، ومن جهتها أصدرت بيانًا شديد اللهجة عبرت فيه عن رفضها واستيائها من هذا المشروع، ودعت الحكومة إلى سحبه، وأعلنت عن حملة لجمع مليون توقيع لمنع ترسيم هذا المشروع.

ومن جهة أخرى حركت حركة مجتمع السلم سؤالًا شفويًّا لرئيس الحكومة في البرلمان تسائله عن خلفية هذا المشروع وأبعاده، وجاء في رسالة كتلة حركة مجتمع السلم على إثر القرار الاستفزازي لوزارة التربية الوطنية بإلغاء شعبة العلوم الإسلامية من التعليم الثانوي، وتكييف مادة اللغة العربية وآدابها في المرحلة الثانوية بحذف محور القرآن الكريم والحديث الشريف من المقرر، أودعت الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم بالمجلس الشعبي الوطني بواسطة نائبها محمد فاضل سؤالاً شفويًّا موجهًا لوزير التربية الوطنية. ويتضمن السؤال الشفوي تساؤلات عن الأهداف الحقيقية لإلغاء شعبة العلوم الإسلامية، وكذا مصير المرشحين الأحرار للبكالوريا الذين زاولوا دراستهم الثانوية في هذه الشعبة، وكذا التناقض بين هذا القرار غير المدروس وغير العلمي وتبوؤ شعبة العلوم الإسلامية للمرتبة الثانية في نتائج البكالوريا لعشرية كاملة.

كما تضمن السؤال الشفوي عنصرًا يتعلق بحذف محور القرآن الكريم والحديث الشريف من مقرر اللغة العربية وآدابها في التعليم الثانوي، وتؤكد الكتلة البرلمانية أن إيداعها هذا السؤال الشفوي يندرج ضمن إجراءات المكتب التنفيذي الوطني للحركة لرفض هذا القرار الذي اتخذ بعيدًا عن التشاور الحكومي، ومخالفًا لروح برنامج الحكومة، ومازالوا في انتظار رد الوزير المعني على السؤال، وسيكون هذا الموضوع من ضمن انشغالات واهتمامات نواب الكتلة البرلمانية أثناء مناقشة بيان السياسة العامة للحكومة، ويدخل هذا المسعى في إطار ممارسة نواب حركة مجتمع السلم لصلاحياتهم الدستورية في مراقبة الحكومة ووفاء بتعهداتهم الانتخابية واستجابة لنداءات المعنيين من أساتذة وطلبة، وسائر مكونات المجتمع.

ومن جانبه وصف رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الرحمن شيبان هذا المشروع «بالجريمة التي قد ترتكب في حق الشريعة الإسلامية»، داعيًّا إلى إلغائه وسحبه، فيما عبرت باقي الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها حركة الإصلاح الوطني عن رفضها كذلك لهذا المشروع المشبوه. تفاعلات ملف إلغاء الشريعة الإسلامية تقف وراءه - حسب مصادر مطلعة - جماعة من العلمانيين النافذين الذين أصبحوا يتقربون إلى كل ما هو أمريكي أو يدخل في سياق التزلف لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ولكن يقظة الجزائريين دائمًا تقف ضد إرادة الإلحاق والتغريب والعلمنة التي أصبحت سلعة بائرة في كل الأسواق.

ولكن ما زاد الطين بلة ما حدث مؤخرًا من محاولات إلغاء بكالوريا العلوم الشرعية وتقليص عدد الساعات لمادة العلوم الإسلامية، والتطاول على الشريعة الإسلامية بتصريح يذكره المعنيون وهو «عدم الاستعداد للمساهمة في تخريج ٢٠ ألف عاطل، وهذا مساس بمشاعر الشعب الجزائري، ومس بالحقوق الدستورية والشرعية والمشروعية في الجزائر تحت أي مبرر كان، وهو ما ذهب إليه كل الغيورين على الثوابت والحريصين على وحدة الأمة واستقرارها ذلك أن قرار الإلغاء لبكالوريا الشريعة الإسلامية - وهي المادة التي تحتل رتبة الصدارة في نتائج الامتحانات - هو قرار متعجل، ولا يستجيب لتطلعات الشعب الجزائري ولا لتوجيهات رئيس الجمهورية، كما صرح بذلك رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيخ بوعمران، وهي هيئة رئاسية تشتغل تحت وصاية الرئيس، وتعد جريمة ترتكب في حق ثوابت الأمة، كما صرح بذلك رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الرحمن شيبان.

حذف محور القرآن الكريم والحديث الشريف من مقرر اللغة العربية وآدابها في التعليم الثانوي

جدال دائر

وموضوع الجدال الدائر حول مضمون قرار الإلغاء هو الإجابة عن سؤال جوهري: هل تدريس مادة العلوم الإسلامية تكوين أساسي أم تكوين تخصصي؟ ذلك أن فصل المقال من طرف الخبراء والتربويين في هذا الأمر هو الذي يجعل من القرار المبرر بمنطق منع التخصص المبكر في العلوم الإسلامية قرارًا لا ينسجم والروح العلمية قبل أن يرفض من طرف الرأي العام. والهيئة تمثل أغلبية الشعب الجزائري بكل فئاته الحية من أحزاب ومنظمات ومجتمع مدني، وطرف آخر يمثل التيار العلماني النافذ في بعض مفاصل السلطة من إدارة وإعلام، ويحاول هذا التيار في كل مرة أن يظهر إلى الساحة الإعلامية بقرارات مماثلة تستفز الشعب الجزائري وتضغط ببعض مؤسسات الدولة لتمرير مثل هذه القرارات المفروضة والمرفوضة لدى أغلبية الأمة الجزائرية، وهي حماقات سياسية يرتكبها هذا التيار باستمرار ويحكم على نفسه بالعزلة الشعبية، ويريد أن يجر معه مؤسسات الدولة إلى خيارات تعرف السلطة الجزائرية جيدًا مآلاتها ونتائجها المأساوية عليها وعلى الشعب، بالرغم من أن استعمال مؤسسات الدولة لأغراض حزبية أصبح مفضوحًا الآن ومخالفة يعاقب عليها القانون.

الرابط المختصر :