العنوان الجزائر تتحول إلى ثقافة الاستقالات بدلا من الانقلابات
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر الجمعة 10-سبتمبر-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1617
نشر في الصفحة 32
الجمعة 10-سبتمبر-2004
الجزائر
تغييرات بوتفليقة القوية في المؤسسة العسكرية أدخلت البلاد في عصر جديد
قبل الانتخابات الرئاسية بدأ الشرخ بين رأسي المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة.... وراهن البعض على تشكيل ثلاثي عسكري لصياغة لجنة إنقاذ الجمهورية
التغييرات لم تكن شاملة ولكنها حساسة ونوعية وتسير في خط بوتفليقة المرسوم بأن يسترجع الجيش مكانته في المجتمع الجزائري.
يعيش الجزائريون هذه الأيام على وقع سلسلة تغييرات جذرية مست المؤسسة: العسكرية والإدارة والسلك الدبلوماسي في سابقة لم تعهدها الجزائر، منذ الاستقلال والسؤال المثار حاليا هل جاءت هذه التغييرات استجابة طبيعية لـ ٨٥ بالمائة من الجزائريين الذين صوتوا يوم ١٨ أبريل ۲۰۰٤ لصالح فترة رئاسة ثانية للرئيس بوتفليقة؟ أم أن ذلك مجرد تغيير للديكور السياسي المتفق عليه سلفًا؟ وخصوصًا التغييرات التي مست المؤسسة العسكرية، وهي المؤسسة التي ظلت طيلة عقود خارج إطار. التغيير وفي قلب الصراع الإجابة على هذه الأسئلة توضح السياق السياسي الذي يريد بوتفليقة وضع الجزائر فيه طيلة فترته الرئاسية الثانية (٢٠٠4-٢٠٠9م).
الصراع السياسي في الجزائر بدا جليًا وأكثر وضوحًا خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأبرز ما ظهر هو موقف المؤسسة العسكرية التي التزمت الحياد على لسان قائد الأركان المستقيل محمد العماري وهو الحياد الذي زاد من حدة الصراع بين الأطراف السياسية، لأنه لأول مرة يخرج الجيش الجزائري من حلبة الصراع ليترك المجال للسياسيين للتباري وتحقيق الانتصار.
وبالفعل لم يخرج الجيش إلى الشوارع، ولم تخرج دباباته يوم الانتخابات ويوم إعلان النتيجة، كما روج لذلك بعض العناصر التي راهنت على تدخل الجيش، وخصوصًا أن بوتفليقة كان يريد بنتيجة الانتخابات التحرر من مقولة الجيش التقليدية «نحن الذين أتينا بك إلى السلطة».
ثقافة الاستقالة
بدأت الجزائر فعلًا عقب الانتخابات الرئاسية - تشهد ميلاد ثقافة جديدة هي ثقافة الاستقالة المترتبة على فشل سياسي أو تنموي بدلًا من «الانقلاب»، أو «الوفاة» اللذين كانا يمثلان خياري التغيير الوحيدين المعترف بهما، وكان أول المستقيلين علي بن فليس من الأمانة العامة للمكتب السياسي للحزب الحاكم «جبهة التحرير الوطني» بعد فشله في الانتخابات الرئاسية، تلاه رئيس البرلمان كريم يونس أحد المناصرين الرئيسين له ابن فليس، ثم الاستقالة الأهم والأولى في التاريخ الجزائري لقائد أركان الجيش الفريق محمد العماري لتتوالى الاستقالات والإعفاءات في متتالية هندسية مجهول حدها الأول.
استقالة العماري
الفريق محمد العماري ابن المؤسسة العسكرية «ولد في يونيو عام ۱۹۳۹» عرف عنه دائمًا تحفظه وقلة حديثه وابتعاده عن الأضواء لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون رقمًا فاعلًا في - التحولات التي عرفها الجيش منذ دخول الجزائر عهد التعددية السياسية كان أول بروز للعماري في المناصب القيادية للجيش توليه قيادة المنطقة العسكرية الخامسة «محافظة قسنطينة» سنة ۱۹۸۹ خلفًا للواء خالد نزار الذي تولى قيادة القوات البرية، ثم خلف نزار أيضًا في قيادة القوات البرية حتى عام ١٩٩٢ عندما اختاره وزير الدفاع خالد نزار مستشارًا له، ثم تولى العماري هيئة خاصة بمكافحة الإرهاب مكونة من عناصر مختارة من الجيش والدرك والشرطة بعد إلغاء الجيش للانتخابات النيابية التي اقتربت الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الفوز بها، وفي يوليو ۱۹۹۳ تولى العماري رئاسة الأركان العامة للجيش بقرار من وزير الدفاع خالد نزار، وكان ذلك بمثابة تحضير للفريق محمد العماري لقيادة المؤسسة العسكرية بعد ذهاب خالد نزار إلى التقاعد.
لم يعرف عن العماري المشاركات الإعلامية خلال مساره العسكري أو اتخاذ مواقف علنية تجاه الأحداث الوطنية باستثناء افتتاحيات مجلة الجيش في أكتوبر ۱۹۹۷ التي نفى فيها وجود صقور وحمائم، في الجيش الجزائري، ثم تطمينه لمرشحي الانتخابات الرئاسية ۱۹۹۹، بأن الجيش لن يدعم أحدًا، لكن صمت العماري انتهى منذ أن وصل الرئيس بوتفليقة إلى الحكم ففي عام ۲۰۰۱ وبعد أن شوهت كتب الضباط الهاربين إلى الخارج سمعة الجنرالات، نشرت له وكالة الأنباء الجزائرية ردًا على اتهامات صاحب كتاب الحرب القذرة لتتوالى تصريحات العماري ومشاركاته في الندوات الصحفية بالأكاديمية العسكرية ليدافع عن قادة الجيش وينتقد المصالحة الوطنية، وكانت آخر تصريحاته هي تلك المتعلقة بالانتخابات الرئاسية ٢٠٠٤وتجديد الولاية للرئيس بوتفليقة، حيث أكد في مرات عديدة حياد الجيش، الأمر الذي فهمه المراقبون على أن العماري ضد تجديد ولاية بوتفليقة.
خلافات متصاعدة: لم يعارض العماري سنة ۱۹۹۹ مجيء بوتفليقة رئيسًا قائلًا: «أنا رجل عسكري ولا دخل لي في الشأن السياسي ولم يكن معارضًا لمبدأ المصالحة المحدودة، لا الشاملة ولكنه صرح بأنه لا يوجد اتفاقًا مكتوبًا بين الجيش الوطني الشعبي والجيش الإسلامي للإنقاذ؟ بل دفع بوسيط قريب من الجماعات المسلحة ليتفاوض مع أحد أمراء الجماعة الإسلامية المسلحة، الجيا GIA.
ولكن مع مرور الوقت ظهر الخلاف بين العماري وبوتفليقة وبدأ في التزايد إلى درجة قيام العماري بتقديم استقالته التي قبلها بوتفليقة، ويرى البعض أن سبب تلك الاستقالة شعور العماري، خاصة بعد نسبة الـ ٨٥ ٪ التي حصل عليها بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة «أبريل ٢٠٠٤» - أنه لم يعد قادرًا على استيعاب الرئيس والتحكم به أو على حد تعبير أحد المراقبين أن يضعه في جيبه، وهي الخطة التي اعتمدها في البداية ومن ثم أصبحت انتقاداته لبوتفليقة علنية، ثم تداولتها الأوساط والصالونات السياسية الأمر الذي فسره البعض التحالف الرئاسي تشبه إلى حد بأنه بداية الشرخ بين رأسي المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة، بل وراهن البعض قبل الانتخابات الرئاسية على تشكيل ثلاثي عسكري من العماري والجنرال المتقاعد خالد نزار وبعض الجنرالات المتقاعدين من أجل صياغة لجنة الإنقاذ الجمهورية من مصالحة بوتفليقة وجماعة بعيد لجنة عام۱۹۹۲ وإلغاء المسار الانتخابي.
ولاء للرئاسة
القائد الجديد للأركان اللواء أحمد قايد صالح ٧٢ سنة، والذي كان قائدًا للقوات البرية منذ منتصف التسعينيات لم يخف تأييده لإعادة تزكية ترشيح بوتفليقة لفترة رئاسة ثانية مخالفًا رأي العماري، ويرى المراقبون أن تعيين محمد العماري قايد في منصبه الجديد من شأنه أن يكرس هيمنة بوتفليقة على مختلف دوائر القرار في المؤسسة العسكرية ورسالة طمأنة في الوقت ذاته من بوتفليقة لقادة المؤسسة العسكرية القدامى الباقيين أن ذهاب العماري لا يعدو أن يكون تغييرًا طبيعيًا مثلما يحدث في سائر مؤسسات الدولة، وليس حملة مطاردة للجنرالات، لكن الأمر الذي لا ينكره أحد أن استقالة العماري أعقبتها حركة تنقلات وتعيينات واسعة وعلى مستوى عال في الجيش الجزائري شملت قيادة القوات البرية وقيادات أربعة من أصل سنة مناطق عسكرية في البلاد، فيما أبقى بوتفليقة على مناصب أخرى مثل: الأمين العام لوزارة الدفاع اللواء أحمد صنهاجي والعميد أحمد بوسطيلة قائد الدرك الوطني واللواء محمد بو سليماني قائد القوات الجوية وغيرهم.
إذن التغييرات لم تكن شاملة ولكنها مهمة وحساسة ونوعية تسير في خط بوتفليقة المرسوم، بأن يسترجع الجيش مكانته ضمن المجتمع الجزائري في إطار السير السوي لمؤسساتنا على حد قوله، وانطلاقًا من هذا فإن الذهاب الجزئي للجنرالات الباقيين والذين قادوا الجيش الأكثر من عقد بأكمله وأشرفوا على التقاعد اليوم هو أمر حتمي طال الزمن أو قصر.
تغييرات شاملة
الرئيس بوتفليقة يسعى بهذه التغييرات أن تشمل مؤسسات النظام بأكمله ليتحول نظام الحكم من نظام برلماني إلى نظام رئاسي ومن نظام مركز ثقله في الجيش إلى نظام ثقله في رئاسة الجمهورية.
المؤشرات تؤكد أنه في ظل التحولات الوطنية والدولية والتدافع بين أمريكا وفرنسا على مصالحهما في الجزائر والملفات التي أصبحت تفتح في الداخل والخارج هي التي ستساهم في صياغة السياق المستقبلي للجزائر نحو مزيد من المدنية والدستورية..