; الجزائر بين المد الأمريكي والجزر الفرنسي | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر بين المد الأمريكي والجزر الفرنسي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 72

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 21-فبراير-1995

إن تيار «الأسلمة» في عالمنا اليوم أصبح نتيجة طبيعية وبديلا مطلوبًا لما عانته الشعوب المسلمة من قهر وطمس للذات خلال زمن طويل، وهو كذلك حقيقة واضحة لدى الغرب الذي أصبح مقتنعًا بضرورة تغيير إستراتيجية التعامل مع هذه الظاهرة العالمية. فبعد سياسة التسلط والإبادة وفعلهما العكسي على إرادة الشعوب ها هو اليوم يستعمل سياسة الاحتواء بأشكالها الكثيرة.

هذا الغرب الذي على رأسه الولايات المتحدة الأمريكية التي تحتل من غير شك الصدارة في النظام الدولي الحالي الذي أنهت رسمه حرب الخليج الثانية، لابد له من استمرارية في الهيمنة بالرغم من المتغيرات الجديدة المستعصية، إنه أدرك تمام الإدراك أنه لابد للتعايش مع الحركات الإسلامية من خلال سياسة جديدة تضبط ضمان بقاء مصالحه وسيطرته الخفية للحيلولة دون التفوق الفعلي لهذه الحركات.

إن الأحداث والتغيرات التي طرأت على الساحة الجزائرية قد تزامنت مع بداية تغير وجه عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية من تفكك المعسكر الشيوعي وذوبان الفلسفة الماركسية في السوق الليبرالية، وسقوط حائط برلين، وقبضة اليدين التاريخية في أوسلو، ثم سياسة التطبيع مع دولة «إسرائيل».

ملف الجزائر كان لسنوات عديدة تحت المجهر الفرنسي لعوامل تاريخية استعمارية وأخرى ترجع إلى انشغال الولايات المتحدة بالحرب الباردة، أما اليوم فقد انتفت الموانع وأصبحت الولايات المتحدة أميرة الموقف الدولي إضافة إلى عدم رغبتها في تكرار تجربتها السياسية الخاسرة مع الثورة الإيرانية إزاء الجزائر، لقد راحت واشنطن مبكرًا مع بداية الأزمة في الجزائر تمد جسورها للوصول إلى قادة الجبهة الإسلامية المنفيين في الخارج فمنحتهم المأوى السياسي بالرغم من المعارضة الفرنسية، ومن جهة أخرى تتحصل شركاتها البترولية على عقود كثيرة للتنقيب على النفط في صحراء الجزائر! هذه الشركات أصبحت تؤكد أن الفرصة جميلة جدا ولا يمكن إضاعتها، وفي هذا يقول مسؤول أمريكي عن شركة بترولية وإننا نذهب حيث يتواجد البترول بكثرة، وإن في الجزائر بترولا كثيرًا هذا وقد قدر الاحتياطي النفطي الجزائري بـ 45 مليار برميل، وبالتالي يجعلها تحتل المرتبة الرابعة في العالم بعد دول الخليج في حين ذهب بعض المتخصصين إلى القول بأن الجزائر ستصبح من أغنى دول العالم بالنفط.

إن البترول قضية أولية بالنسبة لأمريكا، وكل العالم لا يزال يتذكر كيف هذه الأخيرة نزلت بكل ما تملك من قوة في حرب الخليج الأخيرة، والجزائر أصبح لها شأن في ميزان النفط الدولي، لكن بها مشكلة أساسية قد تنعكس سلبا على المصالح الأمريكية، إضافة إلى دور فرنسا وعلاقتها مع هذه المستعمرة القديمة، إذن فكيف التعامل؟

من المعلوم أن فرنسا لم تخف يومًا ما موقفها المعادي للتيار الإسلامي في الجزائر ودعمها للنظام العسكري الحاكم بكل قوة وحتى خلال ندوة روما الأولى في شهر نوفمبر الماضي لم تغير هذا الموقف حيث أنها لم تبد أي اهتمام بها في الوقت الذي باركتها الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية في شهر نوفمبر الماضي أيضًا، وبعد خطاب الرئيس الجزائري الأمين زروال الذي حمل فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ المسؤولية الكاملة لما يحدث في الجزائر وتوعد باستعمال كل الوسائل للقضاء على العنف، جاء أول تصريح علني أمريكي في القضية الجزائرية على لسان مساعد وزير خارجيتها روبرت باترو، حيث انتقد بحدة الجناح العسكري المتشدد في النظام الجزائري بعد هذا وفي شهر ديسمبر الماضي جاءت حادثة احتجاز الرهائن على متن طائرة «إيرباص» الفرنسية التي على أساسها المباشر لوحظ تغير مفاجئ للخطاب السياسي الفرنسي حيال القضية الجزائرية حيث بدأ التحول والمرونة من خلال الدعوة للحوار بين الأطراف المتصارعة في الجزائر.

والسؤال هنا عما إذا كانت هذه الحادثة هي التي غيرت فعلا موقف فرنسا المعلن؟ أم هي فرصة غير محسوب لها؟ أم مجرد مسرحية للالتحاق بسياسة العم الأمريكي؟

وفي شهر يناير عقدت ندوة روما الثانية من أجل الخروج بقاعدة مشتركة بين الأطراف المعارضة للنظام الجزائري والضغط على هذا النظام من خلال المباركة الغربية، وهنا ظهر التغير التام للسياسة الفرنسية التي راحت تبارك هذه الندوة وترسل كشريكتها الولايات المتحدة مفوضًا عنها يراقب تطوراتها.

هذا التغير قد ظهر بشكل واضح خلال لقاء وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه بنظيره الأمريكي «وارن كريستوفر» الذي عقد في نهاية شهر يناير، والذي يعلن لأول مرة منذ بداية الأزمة عن تقارب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وفرنسا في القضية الجزائرية.

يأتي بعد هذا -ولتتويج الصرح الجديد- اقتراح الرئيس الفرنسي «فرانسوا میتران» على دول الاتحاد الأوروبي إجراء مؤتمر سلام حول الجزائر، وهكذا يتأكد التحول الكامل في السياسة الفرنسية من دعم للنظام الحاكم وتأكيدها عليه في مواصلة المواجهة الأمنية من خلال الدعم المادي والمعنوي التي قدمتها له منذ اندلاع المأساة إلى دعوته للقبول بالقاعدة المشتركة التي انبثقت عن ندوة روما الثانية وإصراره على عقد مؤتمر أوروبي حول الأزمة الجزائرية.

صحيح أن الولايات المتحدة تضغط على الدول الأوروبية من خلال مشروع أنبوب الغاز القادم من الجزائر والممول في غالبيته بأموال أمريكية كي تقارب موقفها من الموقف الأمريكي في القضية الجزائرية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حرص الولايات المتحدة لضمان مصالحها ومصالح شركائها في حالة تقلد الإسلاميين الحكم في الجزائر.

إن سياسة التعايش التي يهدف إليها الغرب مع الظاهرة الجزائرية إنما تهدف في الحقيقة إلى إبقاء سيطرته على منابع القوة والحيلولة دون وصول الإسلاميين إليها، ويبقى السؤال هنا عما إذا كانت الحركات الإسلامية تدرك هذا المغزى فتسعى إلى توحيد صفوفها والعمل لإيجاد البدائل لمواجهة الزحف الجديد.

الرابط المختصر :