; الجزائر بين المحنة والفتنة.. هل تسلم؟! | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر بين المحنة والفتنة.. هل تسلم؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

مشاهدات 98

نشر في العدد 1118

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

الفتن دائمًا ليس لها عيون ولا أسماع ولا عقول، لأنها دواه مدمرة، وصواعق محرقة، إذا نزلت على جبال زلزلتها، أو على ديار خربتها، أو على جماعات نسفتها، الفتن دائمًا ما تكون سلاحًا لعدو، أو عدة لمتربص، أو أحبولة لشيطان، لا يقع في براثنها إلا كل غر، ولا ينخدع بها إلا كل جاهل، ولا ينجرف بها إلا كل مضيع، واليوم تجري الفتن بأمتنا أمواجًا بعضها فوق بعض في ظلمات حالكة بهيمة، إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها، يصاب المسلم في دينه بيد راعيه، ويغتال في إنسانيته بفعل حاميه، أليست هذه كارثة؟! وصدق الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج: 10).

قد يفتن المؤمن في ميدان جهاد الكفر أو المنكر أو الظلم، ويستعين بالله على ذلك، ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الممتحنة: 5)، أما أن يفتن المؤمن بفعل واليه وأمر أخيه، فهذه إحدى الكبر، هذه واحدة.

أما الثانية فهي فتنة المسلمين بعضهم ببعض، وقتل فريق منهم لفريق آخر ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة: 126)، وكان الأولى بهم أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، يدعو بعضهم لبعض، ويستغفر فريق منهم للفريق الآخر ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10)، لكن أصبحت الأمور كما يقول القائل:

فما الناس بالناس الذين عهدتهم ** ولا الدار بالدار التي كنت أعرف

وهذا مما يملأ القلوب لوعة وأسى على تاريخ للأخوة باد، وذكريات للعز ولت وانقضت، وصار الإنسان يبث حزنه وألمه لربه، ويشكو لوعته لنفسه وما حوله من ربوع أصابها ما أصابها من وهن وفرقة:

وقفت على ربع لمية ناقتي ** فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

وأسقيه حتى كاد مما أبثه *** تكلمني أحجاره وملاعبه

وفي الجزائر وغيره من بلاد المسلمين فتن عمياء، فتحت الباب لآلاف الشياطين ليصولوا ويجولوا في عقول أبناء الأمة، وجلبت الأعداء والطامعين من كل حدب وصوب ليخربوا الديار، ويزرعوا الشوك، وبدأت الفتنة بتخريب الاقتراع الذي حصل فيه الإسلاميون أكثر الأصوات، وكأن الديمقراطية لا تصلح للإسلاميين أو تتعايش معهم، وإنما يصلح لهم العصا الغليظة والسجون والمعتقلات، وكان هذا سببًا في الفتنة التي راح ضحيتها الألوف، تلك التي ولدت العنف بدون حدود أو قيود، وكان يجب أن يبحث عن طرق أخرى أجدى وأنفع في إصلاح ما أفسده دعاة الفتنة والفوضى، والذين يجلسون في قمة الهرم السلطوي، ولكن جاءت المواقف متنافرة ومتناقضة، ليس فقط على الصعيد الفردي، ولكن أيضًا على طريق السلوك الاجتماعي، الذي قابله في الجانب الآخر الانتفاضات الشعبية والمعارضات العنيفة، التي حدت بالسلطة إلى التوسع في استخدام العنف الرسمي، وفي معظم الأقطار العربية كان العلاج الرسمي للمعارضة هو المواجهات العسكرية والمذابح الجماعية، بحيث كان الرد الحكومي في كثير من الحالات أشبه بحرب انتقامية ضد السكان، وحربًا وقائية ضد التنظيمات السياسية والأحزاب المعارضة، بهدف إضعافها، وتبديد طاقتها، وشل حركتها، وإبقائها تحت سيطرة السلطة الحاكمة، وبوقوع المواجهة بين السلطة المسلحة والمعارضة الشعبية على اختلاف مستوياتها، واستخدام السلطة لأحدث الوسائل في مجال القهر والبطش وإخضاع المشاغبين، ودفع مطالبهم العادلة، كانت النتيجة صدمة عنيفة لدعاة الإصلاح، وشرخًا عميقًا في الحياة السياسية العربية بوجه عام، حتى سادت روح الهزيمة مقترنة بمشاعر اليأس والإحباط، وضياع الأمل في إمكان التغيير السلمي، وتحولت السلطة إلى قدر محتوم، يدوم بدوام القهر ووسائل السيطرة، ومخططات العنف السلطوي، كل ذلك أنتج عنفًا شعبيًا وسياسيًا بعيدًا عن الضوابط، وكفر كل فريق الفريق الآخر، كفرت السلطة المعارضة وطنيًا، وكفرت المعارضة السلطة إسلاميًا، ووقعت الفتنة، ودخلت عناصر مشبوهة في كلا الجانبين، ودخلت عناصر معادية وأجنبية سافرة لتزيد النار اشتعالًا حتى يتمزق القطر الواحد، وتتفرق الجماعات والقوى الفاعلة، وتقع البلاد فريسة الفوضى، واخترقت الجماعات المسلحة الوطنية ليتحول مجراها إلى عنف لا يعلم مداه إلا الله، يستحيل أن يكون إسلاميًا، ويبعد أن يكون وطنيًا أو إنسانيًا، وأصبح غير منتج لشيء إلا الضياع، وانكفأت بعض الحركات تكفر المعتدلين الوطنيين والإسلاميين، بل حتى قادتها، فمثلًا كفرت الجماعة المسلحة في الجزائر شيوخ الإنقاذ لبحثهم عن حل سلمي للأزمة، وقالوا عنهم إنهم فسقة يفسدون في الأرض، يحبون المناصب، ولا يؤمنون بالجهاد، إنهم يعتقدون أن الجهاد في سبيل الله عنف، ومن اعتقد غير ذلك فهو كافر، ولا ينبغي للمسلمين من الآن فصاعدًا مزاولة الانتخابات واللعبة الديمقراطية تلك الفتنة، وتطور الهياج إلى اشتباكات مسلحة بين أنصار هذا وذاك، وتعداه إلى القوى الإسلامية المعتدلة والمخلصة والعاقلة، التي تزن الأمور، وتعرف خطورة نار الفتن، حتى خطف رجل عظيم من شيوخ الإسلام، وذُبح على يد الجماعات المسلحة، وهو الشيخ محمد بوسليماني، الذي شهد الجميع بفضله وإخلاصه وعلمه، وجرت محاولات لاختطاف العديد من المخلصين العاملين للإسلام، كان آخرهم الفتى الناهض العبقري الفذ الدكتور محمد شلبي - أستاذ العلوم السياسية - ... وبعد فما ماهية هذا السعار الوحشي من كلا الجانبين؟ ومن الذي يستطيع إيقافه، أو نزع فتيله؟ هل هم قادة الإنقاذ والمخلصون في السلطة وحدهم؟ لا أظن، وإنما قد يكون بتكاتف المخلصين في الأمة وفي العالم الإسلامي، مع حسن النوايا، وإخلاص القصد، وهل تحسن النوايا ويخلص القصد في هذه الأيام؟ نسأل الله ذلك.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل