; دفاعا عن حرية الصحافة في الجزائر ! | مجلة المجتمع

العنوان دفاعا عن حرية الصحافة في الجزائر !

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 07-مارس-2009

مشاهدات 90

نشر في العدد 1842

نشر في الصفحة 24

السبت 07-مارس-2009

-التعديل الجديد للقانون يقيد حرية الصحافة المستقلة... ويعاقب الصحفي والجريدة على إهانة رئيس الدولة والقاضي والموظف ورجل الأمن.

-الصحف الجزائرية مجتمعة لا تبيع أكثر من مليون ونصف المليون نسخة يوميا .. وهو رقم ضئيل مقارنة بتعداد السكان !.

-منظومة الصحافة في الجزائر تشهد حالة من التضييق وتراجع الحريات مقارنة مع تسعينيات القرن الماضي.

«الصحفي» و «الإمام» ... محوران رئیسان في نهضة البلاد

ما يكتبه الصحفي في جريدة أو مجلة أو ينشره في أحد مواقع الإنترنت .. وما ينطق به إمام المسجد في خطبة الجمعة أو في أحد دروسه.. مسؤولية كبيرة ينبغي على كليهما أن يستشعرها وهو يقف على منصة التوجيه والنصح... فما الذي يجمع بين الصحفي والإمام حتى تخصص للاثنين مادتان في قانون العقوبات الجزائري، تشهران في وجه كل منهما سيف العقوبة إذا نطق بما يسيء إلى السلطة؟!

قدمت وزارة الاتصال مسودة قانون لتنظيم مهنة الصحافة، وهو قانون لا يلغي مواد قانون العقوبات التي تقدمت المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم «حمس» بمقترح لتعديلها؛ إذ إنها تقيد الحرية الإعلامية، وتتيح الفرصة أمام السلطات المختلفة للتضييق على الكلمة والرأي سواء في الصحيفة أو على المنبر.

التجربة الصحفية

تمثل الصحافة الجزائرية حالياً تجربة مختلفة وفريدة في العالم العربي؛ نظراً لما شهدته من تحولات خلال العقدين الأخيرين ويبدو ذلك واضحاً في تباين آراء رموز هذه الصحافة على نحو يعكس مواقفها، سواء أكانت مستقلة أم مقربة من الدولة.وتشهد حرية الصحافة حاليا حالة من الجمود والتراجع مقارنة مع تسعينيات القرن الماضي، ويرجع السبب في ذلك إلى المنظومة القانونية التي تشرع للمهنة وتحديدا قانون الإعلام الذي لم يتغير منذ عقد التسعينيات. ومن جهة أخرى، يواجه الصحفي مشكلة في الوصول إلى المعلومة، لأن المؤسسات الحكومية الرسمية دأبت على عدم التعاون مع الصحافة، كما أنه يعاني مشکلات أخرى من الناحية الاجتماعية والتكوين المهني، وأخطار الوضع الأمني. وحتى لا نغفل إيجابيات الوضع الإعلامي في الجزائر، فإننا نؤكد وجود هامش للحرية الإعلامية، مثل عدد الصحف، وأنه لم يسبق أن أودع صحفي السجن بتهمة النشر، عدا بعض ما يجري من محاكمات حول القذف والتشهير، و ۹۷٪ منها لها علاقة بخصومات مع الأشخاص وليس مع مؤسسات الدولة. وتقتضي حرية الصحافة أن ترفع الدولة يدها عن الإعلام، لأن مشكلات حقيقية نتجت عن هذا الوضع، وهذا لا ينفي ضرورة وجود الدولة كموجهة وضابطة لحركة الإعلام دون التدخل في الممارسة المهنية. ولهذا يجب تكييف مواد القانون مع المتغيرات الجديدة على صعيد التعددية السياسية والإعلامية، لأنه من غير المنطقي التعامل حاليا بقانون عام ١٩٩٠م، كما يجب إعداد ميثاق الأخلاقيات المهنة.ويبدو واقع الصحافة متردياً في بلد يعمل فيه الصحفي في إطار قوانين تشرع سجنه، خصوصاً أن الصحف مجتمعة لا تبيع أكثر من مليون ونصف المليون نسخة يومية، وهو رقم ضئيل مقارنة بالتعداد السكاني للجزائر !

تشديد الخناق !

وأهم ما نريد مناقشته هنا هو التعديل في قانون العقوبات بمصادقة نواب المجلس الشعبي الوطني «البرلمان» بأغلبية ساحقة ويشدد على ضرورة وضع ضوابط، وتشديد الخناق على الصحافة المستقلة، فالمادة (١٤٤) تشرع الملاحقة القضائية لأي نشرة يومية أو أسبوعية أو غيرها؛ بحيث يتهم الصحفي المسؤول عن النشر أو رئيس التحرير، إضافة إلى تعرض الصحيفة نفسها لعقوبات. وتنص المادة على أنه يعاقب بالسجن بين ثلاثة أشهر وسنة أو بغرامة مالية تتراوح بين خمسة ملايين «سنتيم» و ٢٥ مليون «سنتيم» جزائري، أو بهما معا في حالة الإساءة أو إهانة رئيس جمهورية عن طريق الكتابة أو الرسم أو التصريح أو بأي وسيلة تبث الصورة والصوت أو أخرى إلكترونية أو معلوماتية. كما تنص على أنه يُعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين، وبغرامة مالية تتراوح بين ٥٠ مليون «سنتيم»، وألف دينار جزائري كل من أهان قاضياً أو موظفاً أو ضابطاً أو قائداً أو أحد رجال القوة العمومية بالقول أو بالإشارة أو التهديد أو إرسال أي شيء لهم بالكتابة أو بالرسم وتباشر النيابة العامة في حالات ارتكاب هذه الجرائم ضد رئيس الجمهورية أو ضد رموز الدين إجراءات

المتابعة بصفة تلقائية.

بدهية الحرية

إن حرية الإعلام والصحافة أصبحت بدهية، وضمانها الرئيس نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٨م، ونصوص الدساتير المتتابعة .. وتفسير معنى حرية التعبير يختلف كثيرا عند التطبيق من دولة إلى أخرى؛ إذ تَعُدُّ بعض النظم السياسية حرية الإعلام والصحافة حجر الزاوية في الديمقراطية وتحميها بالقانون، وقد تقيد هذه الحرية في دول أخرى وفق ما تراه السلطة الحاكمة ملبيا للاحتياجات الوطنية من وجهة نظرها، زعماً من جانبها بأنه لا حرية لأعداء الدولة.. وتعني حرية الإعلام والصحافة حق الحصول على المعلومات من أي مصدر ، ونقلها وتبادلها .. وحق نشر الأفكار والآراء، وتبادلها دون قيود ... وحق إصدار الصحف، وعدم فرض رقابة مسبقة على ما تقدمه وسائل الإعلام إلا في أضيق الحدود، وفيما يتصل بالأمن القومي مع تحديد نطاق ذلك. والأمور العسكرية، وما يتصل بحرمة الآداب العامة.

مرحلتان رئیستان

ويمكن تمييز مرحلتين أساسيتين مرت بهما حرية الإعلام في الجزائر، هما : «مرحلة الحزب الواحد» «١٩٦٢-۱۹۸۲م»، و «مرحلة ما بعد التعددية الحزبية» «ما بعد ۱۹۸۲م إلى يومنا هذا»... فخلال المرحلة الأولى كانت الجزائر تعيش في ظل نظام الحزب الواحد حيث كرس دستور عام ١٩٦٣م مبدأ حرية التعبير بصفة عامة، ونص في مادته التاسعة عشرة على ذلك، إلا أن هذه الحرية لم تكن مطلقة بل كانت مقيدة من قبل السلطة، وهذا ما نستخلصه من المادة الثانية والعشرين من الدستور نفسه التي تنص على أنه لا يجوز لأي كان أن يستغل الحقوق سالفة الذكر في المساس باستقلال الأمة، وسلامة تراب الوطن والوحدة الوطنية ومنشآت الجمهورية، ومطامح الشعب والاشتراكية ومبدأ وحدانية جبهة التحرير الوطني.

 أما قانون الإعلام لسنة ۱۹۸۲م فقد استمد معظم أحكامه من دستور عام ١٩٧٦م، ويُعد أول قانون للإعلام في الجزائر، ويحتوي على (۱۱۹) مادة، موزعة على خمسة أبواب.. ومن المواد التي تتعلق بحرية الإعلام المادة الأولى التي تنص على «أن الإعلام أحد قطاعات السيادة الوطنية»، والمادة الثانية التي تنص على أن«الحق في الإعلام أساسي لجميع المواطنين ويجب على الدولة أن تعمل على توفير إعلام كامل وموضوعي». وفي المرحلة التي تلت صدور قانون الإعلام، عرفت الجزائر تحوّلاً مهماً : إذ انتقلت من نظام لا يعترف إلا بالحزب الواحد إلى نظام يقرّ التعددية الحزبية وصدر دستور جديد في ٢٣ فبراير ۱۹۸۹م دشن عهداً جديداً في الجزائر بتكريس مبدأ التعددية السياسية، وبالتالي التعددية الإعلامية، وضمان حرية الرأي والتعبير. إن الأدوار التي يقوم بها الصحفيون والأئمة صارت اليوم أدوارا مهمة وإستراتيجية، وإذا أرادت السلطة أن تكمم أفواه هؤلاء عن قول كلمة الحق فإنها ستكون مخطئة مرتين... الأولى لعدم إدراكها أن «الكلمة مثل الرصاص» لا يمكن التحكم فيها بالقوانين لاسيما وأن الجزائر انتقلت من مرحلة تكميم الأفواه إلى مرحلة جديدة تسمى «الكلمة المسؤولة». والثانية لأن الإمام والصحفي وسيلتان ينبغي النظر إليهما من منطلق إيجابي وليس سلبيا، وقد يحدث أن يخطئ أحدهما أو كلاهما، ولكن الإستراتيجية تقتضي العمل معهما بمنطق جديد يحاول المساهمة في إضفاء المزيد من المسؤولية والضبط المهني، وفق أسس قانونية شفافة وواضحة. 

والرهان على الصحفي والإمام المسؤول ينطلق من تعديل مناهج التكوين والتأهيل، إلى فتح المجال أمام الكفاءات الجامعية لقيادة الأمة يوميا وأسبوعياً.. والمساهمة الإيجابية من جميع هؤلاء هو المدخل المحوري الرئيس في أي مشاريع الإصلاح السياسي والتنموي، أما الانحباس داخل رؤى تقليدية في التعامل مع الإمام والصحفي، والانكماش على الذات والخوف من المواطن، واتهامه دائما في صدق حبه للوطن والبلاد فهو خطأ. 

والغريب في الأمر أن مجرد تقديم مقترح تعديل المادتين في قانون العقوبات أصبح عند البعض اتهاما بالإرهاب، والعودة إلى سنوات الفوضى والجنون، وكأني بمن تشكلت لديه هذه القناعة مازال يعتقد أن الجزائريين أصابهم عمى الألوان، وصاروا لا يرون إلا الأبيض والأسود ونقول لكل من يقف أمام التعديلات المقترحة: إن الجزائر قد دخلت مرحلة جديدة، والتراجع عن مكسب الحريات صار في حكم المستحيل، وينبغي على هؤلاء أن يركبوا في سفينة الحريات التي أبحرتعام ۱۹۸٨م، وستصل-إن شاء الله تعالى- إلى شاطئ الأمان الديمقراطي والمصداقية السياسية .

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل