; الجزائر: الدخول في المعادلات الصعبة | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر: الدخول في المعادلات الصعبة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994

مشاهدات 73

نشر في العدد 1082

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 04-يناير-1994

باريس:

مع اقتراب موعد انتهاء المدة الانتقالية للمجلس الأعلى للدولة في الجزائر، يشتد التوتر السياسي والأمني داخل البلاد في الوقت الذي تفكر فيه السلطة في الانفتاح على الجبهة الإسلامية للإنقاذ؛ مما يزيد من مخاوف الأطراف الإقليمية والغربية بالخصوص من المستقبل المجهول ومن الاضطرار إلى الاعتراف بالأمر الواقع مقابل التراجع نسبيا عن مساندة النظام، وخاصة الطرف المصر على التمادي في الحل الأمني داخله.

فكيف تتعامل مختلف الأطراف مع المعادلات الصعبة المعقدة التي يشهدها الوضع الجزائري الراهن؟

فقد شهدت الساحة الجزائرية خلال الأسابيع الأخيرة تطورات مهمة في اتجاهين متناقضين: بوادر انفتاح السلطة -وبالتحديد اللجنة الوطنية للحوار- على الجبهة الإسلامية للإنقاذ تحت ضغط الجماعات المسلحة، وارتفاع وتيرة الصدام ومسلسل الاغتيالات خاصة في صفوف رجال الأمن والقضاء والأجانب من مختلف الجنسيات. وعلى المستوى الخارجي، فقد أبدت الأوساط الغربية قلقها من التوتر السائد وبدأت تفكر في مراجعة مواقفها بعد استهداف عناصر من جاليتها. وبالنظر إلى أن المرحلة الحالية دقيقة وحساسة، فإن عملية خلط الأوراق قد تداخلت وتشابكت بين الأطراف الستة الممسكة بزمام المعادلة داخل الجزائر وخارجها.

بوادر انفتاح

وتتمثل هذه الأطراف في النظام من جهة، والجماعات المسلحة والجبهة الإسلامية للإنقاذ والمعارضة عموما من جهة أخرى، بالإضافة إلى الأطراف الإقليمية والخارجية. فعلى مستوى النظام الجزائري، فإن الصراع الآن ليس بين الجناح المدني والجناح العسكري أو المؤسسة العسكرية من أجل البقاء في السلطة، وإنما بين جناح مُصر على التمادي في الحل الأمني إلى منتهاه يضم عناصر مدنية وعسكرية تخاف من كل عملية تحول؛ لأن مصالحها التي بنتها على الفساد الإداري والنفعية طوال ثلاثة عقود من هيمنة عقلية الحزب الواحد ستكون مستهدفة. ومن أجل التمسك بمواقعه، فإن هذا الشق يدفع البلاد اليوم نحو الهاوية بالإمعان في انتهاك حقوق الأبرياء وبمزيد من التبعية للقوى الخارجية.

أما الشق الأكثر اعتدالا في النظام، فإنه يرى أن حفظ مصالحه مرهون بحل سياسي ولو نسبي، ويبدو أن هذا الشق هو الذي يدفع -تحت ضغط الجماعات المسلحة وتوتر الوضع الأمني- إلى شبه انفتاح على الرقم الصعب في المعارضة متمثلا في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وتجلت بوادر الانفتاح هذه خلال الندوة الصحفية التي عقدتها اللجنة الوطنية للحوار يوم الأربعاء ٨/١٢، والتي نقلت وقائعها وسائل الإعلام الرسمية، وتحدث خلالها اللواء الركن محمد التواتي -أحد أعضاء اللجنة الاستشارية ومستشار وزير الدفاع الجزائري- الشيء الذي يعكس أهمية تصريحاته التي جاء فيها بأنه: «إذا كان هناك شخصيات من الجبهة الإسلامية للإنقاذ تحترم القانون والدولة الجزائرية وراغبة في تمثيل هذه الحساسية، فإن المجلس الأعلى للدولة يعطيها الفرصة للمشاركة في الحوار الوطني».

ويلاحظ أن النظام بمختلف أجنحته يسعى إلى عدم الظهور بمظهر المتراجع والمتنازل أمام الطرف الذي كان يصفه إلى زمن قريب بالتطرف والإرهاب والإجرام؛ فقد أكد التواتي في نفس التدخل بأن حظر (الفيس) -يقصد بذلك الجبهة- كحزب يعتبر قرارا شرعيا لأنه اتخذ من أعلى سلطة قضائية في البلاد. لكن في المقابل فإن السلطة مستعدة للتضحية ببعض حلقائها الذين فقدوا الشعبية وأصبحوا حملا ثقيلا عليها؛ فقد صرح التواتي بقوله بأن: «اللجنة عازمة على المضي بالحوار إلى منتهاه»، أي إلى الإجماع الواسع حتى وإن تم إسقاط حزب أو حزبين في الطريق، وفي ذلك إشارة واضحة إلى الشق أو الكتلة الراديكالية في المعارضة والتي تشمل بعض الأحزاب العلمانية المتصلبة في عدائها للتيار الإسلامي، وبالتالي لكل محاولة لتشريكه في الحوار، وعلى رأس هذه الأحزاب يأتي «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» الذي يرأسه سعيد سعدي، وحزب «التحدي» الذي خلف الحزب الشيوعي، وهذان الحزبان من أنصار الحل الأمني في أقصاه ضد الإسلاميين على يد الجيش.

أما الكتلة المقابلة في المعارضة فإنها تضم خليطا من الأحزاب المختلفة أيديولوجيا والمتفاوتة من حيث قاعدتها الشعبية، لكنها تلتقي حول الحل السياسي للخروج من الأزمة الخطيرة التي تشهدها الجزائر منذ سنتين. ومن بين هذه الأحزاب «جبهة القوى الاشتراكية»، وحزب بن بلة، و«حماس»، و«النهضة». لكن هذه الأحزاب تخشى منافسة الجبهة لها في حال عودتها بقوة إلى الساحة، علما بأن حركة «حماس» التي يتزعمها الشيخ محفوظ نحناح هي الطرف المرشح لدور مهم في اللعبة السياسية بعد المصالحة الوطنية بالنظر إلى إشعاعها في الأوساط الإسلامية المثقفة على وجه الخصوص.

حوار الكواليس

وتبقى مواطن الغموض عالقة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد سنتين من حلها قانونيا. قال مراقبون مختلفون في تقييم حجم هذا الطرف السياسي وفي مدى قدرته على الاحتفاظ بشعبيته التي أبرزتها انتخابات أواخر سنة ١٩٩١م، خاصة وأن الطاقم القيادي مشتت بين السجن والاختفاء والنفي. وتعتبر مسألة التفاوض أو الحوار مع النظام وطبيعة هذا الحوار وشروطه المحك الذي سيعطي مؤشرات على مدى إمساك قيادة الجبهة السرية وفي المهجر بخيوط اللعبة وتفعيل الساحة في الداخل في هذا الاتجاه أو ذاك. وتعددت الأخبار التي تتحدث عن اتصالات مكتوبة وشفوية في الكواليس بين اللجنة الوطنية للحوار -التي تعد لندوة المصالحة الوطنية التي ستحدد المرحلة السياسية الانتقالية ما بعد المجلس الأعلى للدولة.

وقد جاءت تصريحات اللجنة الأخيرة لتؤكد هذه الاتصالات. وهناك تساؤلات جديدة في الصحافة الجزائرية والغربية لا تتعلق بمشاركة الجبهة وإنما بأبعاد هذه المشاركة، وعن الطرف الذي سيمثل الجبهة في الحوار، واحتمال إطلاق سراح شيوخها وعن اسمها الجديد واستراتيجيتها المقبلة.. بل ذهبت بعض التحاليل إلى أن هناك شبه احتمال كبير أن يتسلم الجيش رأس السلطة ومحمد طالب الإبراهيمي الحكومة باعتباره الطرف المقبول من المؤسسة العسكرية ومن الإسلاميين في انتظار وضوح الصورة في المستقبل. وترى نفس التحاليل أن تعيين الإبراهيمي يساعد على ضبط الجماعات المسلحة التي انفلتت بعض أجنحتها من كل رقابة، وذلك عن طريق تحريك الإبراهيمي لعلاقاته الحميمة مع سوريا من أجل إقناع إيران بالضغط على بعض الأجنحة التي تتبنى الخط الإيراني وغير مستعدة لأي حوار ولأي تنازل مع النظام القائم، ولن توقف عملياتها الهجومية على أعوان السلطة وعلى الأجانب حتى يسقط النظام.

ويطرح مثل هذا التوجه إشكالية خطيرة على قيادة الجبهة إذا دخلت مسار التفاوض والحوار مع الجهات الرسمية؛ حيث أشيعت أخبار عن تهديد كل من تسول له نفسه التحاور مع السلطة. وحتى إن بقيت مثل هذه الأخبار مجرد إشاعات، فإن ترويض الجماعات المسلحة بعد تبين خط المواجهة والجهاد ضد نظام غير شرعي سوف لن يكون بالأمر السهل، خاصة بالنظر إلى التضحيات الجسام التي تكبدتها هذه الجماعات في صفوفها وسلسلة الإعدامات التي نفذتها المحاكم الاستثنائية ضد عدد كبير من الإسلاميين.

المعادلات الإقليمية والغربية

وإلى جانب تعقد خيوط اللعبة بين أطراف الساحة الجزائرية، فإن الأطراف الإقليمية المغاربية تعيش هي الأخرى الهاجس الجزائري كل من منظاره؛ فالنظام التونسي يشعر بقلق كبير إزاء بوادر انفتاح مع أي حزب ديني، خاصة إذا كانت الجبهة هي المعنية بالحوار في المرحلة القادمة. ذلك أن السلطة التونسية تفتخر أمام الرأي العام التونسي وفي المحافل الدولية بأنها قضت على الإرهاب والتطرف والأصولية، ونسفت هياكل حركة النهضة الإسلامية، بل إنها أصبحت تقدم النصائح للعديد من الأنظمة العربية والغربية من أجل تطويق العمل الإسلامي ومكافحة الحركات الإسلامية بكل الطرق.

وبالتالي فإن أي تغيير في اتجاه المصالحة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر يعد بمكانة الضربة القاصمة لسياسة النظام التونسي في تعامله مع التيار الديني، وجرس إنذار لاحتمال وصول العدوى الجزائرية إلى جارتها تونس. لكن هذا الهاجس أقل حدة في المغرب حيث يوجد هامش من الحرية للتيار الديني وأقدار من التعددية والديمقراطية تشهد عليها الانتخابات البرلمانية.

أما الأطراف الخارجية الغربية عامة، والأمريكية والفرنسية على وجه الخصوص، فإنها هي الأخرى بين المطرقة والسندان؛ بين هاجس الحفاظ على مصالحها وحماية رعاياها ودعم النظام القائم في تصديه للجماعات الإسلامية المسلحة من جهة، وبين الاعتراف بالأمر الواقع وقبول الحل السياسي بكل متطلباته وأبعاده والتراجع عن دعم النظام والظهور بمظهر الحياد من جهة أخرى. بيد أن توتر الوضع الأمني دفع الأوساط الغربية إلى الخيار الثاني مع الحذر من التحول من نقيض إلى آخر.

وقد جاءت تصريحات الوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية أمام مجلس الشيوخ لتؤكد هذا الخيار، حيث ركز في تدخله على أربع نقاط: المساعدة الفرنسية موجهة إلى الشعب الجزائري وليس إلى حكومة بعينها، إدانة العنف مهما كان مأتاه، التمسك باحترام حقوق الإنسان، الدعوة إلى المصالحة بين كل الجزائريين.

ويتضح مدى الفارق في الخطاب بين هذه التصريحات وبين المواقف والسياسات السابقة التي تبنت خط الوقوف إلى جانب النظام «في تصديه للإرهاب والتطرف»، والتي تجاوزت التصريحات إلى حملات الاعتقال التي شهدتها فرنسا في صفوف جمعية الصداقة الجزائرية في فرنسا وأنصار الجبهة. وقد علقت بعض الصحف الفرنسية على هذا «التحول» في السياسة الفرنسية والغربية بالقول بأن «فرنسا تقف في أرض ملغمة وأنها لا تمتلك الحل الصالح» كما جاء في صحيفة (لوموند)، وأن «الغربيين يعدلون مواقفهم حيث ابتعد الفرنسيون والأمريكيون مسافة عن النظام الجزائري بعد قلقهم من احتمال الحكم عليهم كطرف في الصراع الجزائري» كما أوردت صحيفة (ليبراسيون).

وأشارت نفس الصحيفة إلى أن «وارن كريستوفر» -وزير الخارجية الأمريكي- نسي مجرد التوقف في الجزائر أثناء جولته في المنطقة المغاربية، وأن الجانب الأمريكي لم يعد يرى في النظام الجزائري «سدا في وجه الجبهة وأخف الضرر»، وإنما تحول إلى جزء من المشكل.

وفي انتظار نهاية الشهر واتضاح المسار الذي ستصب فيه نتائج أعمال لجنة الحوار الوطنية ومستقبل الندوة الوطنية التي تم تأجيلها، تبقى لغة السلاح هي الطاغية على الساحة في الوقت الذي تتهيأ فيه كل الأطراف إلى ما بعد المجلس الأعلى للدولة وإلى قراءة مستقبلية لمسيرة الجزائر بعد ثلاثة عقود من الاستقلال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل