; الجريمة والعقاب في حرب موسكو ضد مسلمي الشيشان | مجلة المجتمع

العنوان الجريمة والعقاب في حرب موسكو ضد مسلمي الشيشان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995

مشاهدات 84

نشر في العدد 1158

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 18-يوليو-1995

  • الجريمة: ٤٠ ألف شهيد من المدنيين الشيشان... وجروزني وحدها تحتاج ٣ مليارت دولار لإعادة الإعمار.
  • العقاب: ارتفاع نسبة التضخم في الاقتصاد الروسي إلى ٧٪ ونقص الاستثمار ٤٠٪.. وإذلال الجيش الروسي.. وضياع فرص يلتسين للبقاء في السلطة.

واشنطن: خاص المجتمع

يتساءل محللون عما إذا كانت موسكو كسبت الحرب ضد المسلمين الشيشان ويعتقد هؤلاء أن الأمر لا يبدو أنه كذلك رغم أن بعض المراسلين الصحفيين في موسكو يشيرون إلى أن القوات الروسية قد أخرجت مجاهدي الشيشان من معظم المدن والقرى في جمهورية الشيشان التي أعلنت استقلالها عن روسيا عام 1991م.

وتقول تقارير الصحف الأمريكية الرئيسية من موسكو أن المذبحة التي قام بها الروس والدمار الذي ألحقوه في المدن والقرى الشيشانية خلال سبعة أشهر من الحرب قد حققا "كسبًا" للحرب من جانب موسكو، ولكن الثمن بالأرواح كان مرتفعًا جدًّا، فمنذ شهر ديسمبر الماضي عندما أرسلت القوات الروسية إلى جمهورية الشيشان للقضاء على ثورة المسلمين الاستقلالية بلغ عدد الشهداء الشيشان ضعف ما قتل في الحرب بين البوسنيين والصرب خلال ۲۹ شهرًا من حصار الصرب لسراييفو ويضطر الروس مع ذلك إلى إجراء مفاوضات في جروزني عاصمة الشيشان حيث يحاول المفاوضون الشيشان انتزاع بعض المكاسب من موسكو، وفي الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات يوم الثامن من يوليو الجاري، كان إطلاق النار مستمرًا طوال الليل في العاصمة، وكان الروس يطلقون نيران مدفعيتهم داخل المدينة.

وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام خلال المفاوضات يضمن للشيشان استقلالهم، فإن كفاح المسلمين الشيشان لن يتوقف وسوف يستمر على مستوى حرب المجاهدين والعصابات التي قد تدوم سنوات عديدة يضطر معها الروس إلى الاعتراف باستقلال جمهورية الشيشان.

١٤٠٠ قتيل روسي

ويقدر بعض الخبراء القتلى في صفوف القوات الروسية بألف وأربعمائة جندي، إضافة إلى عشرين ألف من المدنيين، أما خسائر الروس الاقتصادية فقد قدرتها المصادر الروسية نفسها بمليارات الدولارات.

وقد أكد كفاح الشيشان من أجل ردع العدوان الروسي أن المشكلة تتعدى الأوهام بانتصار عسكري روسي إلى تدمير سمعة روسيا على المسرح الدولي، وعرقلة أية صلاحيات اقتصادية بالنسبة لوضعها الاقتصادي المهتز بالفعل، لقد أدت الإدارة السيئة للحرب إلى عرقلة ما تبقى من فرص للرئيس الروسي بوريس يلتسين للبقاء في السلطة بعد انتهاء فترة ولايته في العام المقبل، كما أن هذه الحرب زادت من فرص دخول بولندا والمجر في حلف شمال الأطلسي العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بعد أن كانت هاتان الدولتان من الدول التابعة للاتحاد السوفييت السابق.

وأدت الحرب العسكرية ضد الشيشان المسلمين كذلك إلى نتائج غير متوقعة، وهي إذلال الجيش الروسي لفشله الذريع في هجومه التمهيدي على جروزني عاصمة الشيشان، وقد حاول الجيش الروسي خلال الأشهر القليلة الماضية استخدام الحرب لتقوية مكانته السياسية، مما سيؤدي إلى فرض أنماط من الديكتاتورية العسكرية، وقد أشار المعلق الروسي أوتو لاتسيس في صحيفة إزفستيا الروسية وهو يرى إذلال العسكريين الروس في فشل هجومهم الأولي على عاصمة الشيشان.

 وهناك عداء تقليدي من جانب بعض الروس للشيشان الذين يوصفون بأنهم «أقوياء الشكيمة»، وتحاول السلطات الروسية أو القوى العسكرية القيام بجرائم أخرى ضد الشيشان فقد قال أحد مستشاري يلتسين حول ما يوصف بالأقليات العرقية: «من الواضح أنه لابد من إعادة تقويم للحرب، فليس لروسيا الآن أولوية سوى وقف الفوضى، وأن جمهورية الشيشان ستكون نقطة التحول في وضع حد للفوضى وتشير مثل هذه التصريحات بوضوح إلى احتمال اقتراف مزيد من الجرائم ضد الشعب الشيشاني المسلم».

وتشير معظم الدوائر الدولية إلى أن حكومة موسكو حاولت منذ بداية حربها ضد جمهورية الشيشان الإسلامية التغطية على حقائق الوضع هناك، وامتنعت عن تقديم معلومات مفصلة يمكن الوثوق بها عن الوضع، فقد أشارت صحيفة واشنطن بوست– على سبيل المثال– أن الحكومة الروسية فقدت مصداقيتها في الداخل والخارج بسبب حربها ضد استقلال الشيشان، ضربات موجعة لروسيا اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا، فعلى الصعيد الاقتصادي فقد اهتز الوضع المالي الروسي لهذا العام وساهم في الصعوبات التي يعاني منها الروس في حياتهم هذه الأيام، ولم تقدم الحكومة الروسية معلومات صحيحة عن تأثير الحرب التي وظفت فيها موسكو أكثر من خمسين ألف جندي يجري تبديلهم باستمرار وكميات ضخمة من الأسلحة.

بعض المحللين الاقتصاديين المستقلين قدروا أن الحكومة الروسية أنفقت سبعة مليارات دولار على الحرب، معظمها على النقل والغذاء، ودفع أموال إضافية لجيش كبير في ميدان المعركة، وقد دمر عدد كبير من الطائرات الحربية الروسية، كما دمر أكثر من مائتي عربة روسية مدرعة، وقال خبير دولي في موسكو: «من الواضح أن هناك محاولة متعمدة من جانب الحكومة الروسية للتقليل من تكاليف الحرب، لأن معرفة الشعب للتكاليف الفعلية سيؤدي إلى ردود فعل قوية ضد الحكومة في الوقت الذي لا تلبي فيه الحاجات الأساسية للشعب».

أما بالنسبة للدمار الذي ألحقته القوات الروسية في جمهورية الشيشان، فإن أكبر مؤشر على ذلك هو ما وعدت به موسكو بإنفاق نحو مليار ونصف مليار دولار لإعادة إعمار العاصمة، وهذا المبلغ لا يشكل ثلث المبلغ الذي تحتاجه عملية إعادة الإعمار ناهيك عن المناطق الأخرى العديدة التي دمرتها القوات الروسية بصورة وحشية.

ويقول محللون اقتصاديون: إن الأمر قد يحتاج إلى سنوات عديدة وربما إلى عشرات السنين قبل أن يكون بالإمكان إعادة اقتصاد جمهورية الشيشان إلى وضعه السابق قبل الحرب، والذي كان نسبيًّا فقيرًا، وبالفعل ما قام به الروس من عمليات تدمير لا يمكن أن تنسى ومن أمثلة ذلك تدميرهم لمصنع «تشيري يورت» الذي كان ينتج حتى العام الماضي ۲۰۰ ألف طن من الأسمنت سنويًّا، ويعمل فيه نحو ألفي شخص ناهيك عن مئات الأشخاص الآخرين الذين يعيشون من تقديم الخدمات للمصنع وموظفيه، ففي منتصف شهر مايو الماضي قامت القوات الروسية بتدمير المصنع خلال ٢٤ ساعة من القصف المدفعي والغارات الجوية، وشن الروس هذا الهجوم الوحشي على المصنع بعد أن رفض نحو ۱۲ شخصًا من الثوار الشيشان الذين يدافعون عن المصنع الخروج منه.

ويقول الاقتصاديون: أن الحرب تعتبر سببًا في بقاء نسبة التضخم مرتفعة في روسيا هذا العام، فقد كانت نسبة التضخم في شهر يونيو الماضي نحو 7 بالمائة مما يجعل من غير الممكن أن تكون الحكومة قادرة على الوفاء بتعهداتها الصندوق النقد الدولي بتخفيض هذه النسبة بمقدار واحد بالمائة في نهاية شهر يوليو.

وإضافة إلى ما سببته الحرب من إضعاف للاقتصاد الروسي فقد كانت عاملا رئيسيًّا في إبعاد الشركات الأجنبية عن استثمار أموالها في روسيا، فقد نقص هذا الاستثمار بنسبة ٤٠ بالمائة في الربع الأول من عام ١٩٩٥م، عما كان عليه في الربع الأول من العام الماضي.

٤٠ ألف مدني شيشاني ضحايا الروس

وتقول مصادر منظمات حقوق الإنسان أن الروس لم يستهدفوا في حربهم ضد الشيشان أهدافًا عسكرية، بل إن حربهم استهدفت مناطق مكتظة بالسكان، أدت إلى خسائر كبيرة في صفوف المدنيين في فترة من الزمن قصيرة نسبيًّا، وتتراوح التقديرات لعدد القتلى بين المدنيين ما بين ۲۰ ألفًا إلى ٤٠ ألف قتيل، فقد قتل ١٤٠٠ جندي روسي وفق أرقام رسمية بينما تقول مصادر أخرى أن العدد أكبر من ذلك بكثير، ويعتقد أن خسائر المقاتلين الشيشان بلغت عدة آلاف، فيما تقول مصادر أخرى أن العدد أكبر من ذلك بكثير، وأصيب عشرات الآلاف بجروح بمن فيهم ۳۸۷۲ جنديًّا روسيا حسب الأرقام الرسمية الروسية.

وفي خضم المعركة من أجل الاستيلاء على مدينة جروزني كانت الصواريخ وقذائف المدفعية الروسية تتساقط على المدينة كل بضع ثوان في الليل والنهار، وكان نحو ۱۰۰ ألف شخص يعيشون في المدينة آنذاك، وخلال فترة الربيع استهدفت الغارات الجوية الروسية في السهول والجبال مدنا وقرى مكتظة بالسكان، مما أدى إلى سقوط الكثيرين من القتلى والجرحى من أهالي هذه المدن والقرى، ومن بين اللاجئين إليها، وكان عدد كبير من القتلى والجرحى من المدنيين من أصل روسي يعيشون في جروزني بمن فيهم الأطفال وكبار السن.

وبعد إذلال الجيش الروسي نتيجة فشل هجومه الأول على جروزني فقد بدأت القوات الروسية بشن حرب إجرامية من القصف الجوي والمدفعي المواقع المجاهدين والمناطق الأهلة بالسكان.

ورغم أن صور القتل والتدمير كانت مرعبة إلا أن مستشار يلتسين يقول: «إن الحديث عن قتل ألفي جندي لا يعتبر له قيمة»، وأضاف: «نحن في روسيا معتادون على التحدث عن ملايين القتلى- كما كانت خسائر الروس في الحرب العالمية الثانية».

إن الحقيقة هي أن ما قامت وتقوم به روسیا ضد استقلال الشيشان هو عبارة عن مأساة يجري فيها قتل المدنيين بدون حساب، ولا يستطيع حتى الشعب الروسي أن يفعل شيئًا لوقف هذا العدوان الروسي، كما أن العالم لم يعاقب روسيا ولم يردعها حتى الآن عن شن هذه الحرب ضد الإسلام والمسلمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل