; الجريمة والعقاب بين المدارس الفاشلة والمدرسة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الجريمة والعقاب بين المدارس الفاشلة والمدرسة الإسلامية

الكاتب أبو هالة

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1971

مشاهدات 121

نشر في العدد 67

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 06-يوليو-1971

الجريمة والعقاب

بين المدارس الفاشلة والمدرسة الإسلامية

تحقيق: أبوهالة

 

كلما اتجه مؤشر إحصاء الجرائم نحو الزيادة والارتفاع اهتز المجتمع بأسره، وشعر بأن سياج الأمن الموضوع له ينذر بالدمار، وأن دولاب العمل يقترب من لحظة التوقف أو الإصابة بالشلل، وأن السعادة المرتبطة بالأمن تكاد تسلم إلى مرض الخوف والفزع؛ ومن ثم تفقد الحياة بهجتها، وتذوي نضارتها، وتستحيل أضواؤها إلى ظلمة قاتمة.

ومن ثم يتجه المصلحون وأصحاب الرأي مع حفظة الأمن إلى أرض الجريمة يدرسون أسبابها الظاهرة والخفية، حيث يمكن بواسطة علم الإحصاء التعرف على الارتباط بين الظواهر الطبيعية والاجتماعية وبين الظواهر الإجرامية، وبذلك يمكن معرفة القوانين الاجتماعية التي تضبط هذه الظواهر الإجرامية والعوامل المختلفة التي تؤثر فيها، الأمر الذي يسهل العمل على مكافحتها، وبالتالي يظهر مدى فاعلية الوسائل العقابية التي اتبعت في إمكان مكافحة الجريمة والقضاء عليها.

 

ازدياد الجرائم

وإذا كانت الآونة الأخيرة قد كشفت عن ازدياد في معدل جرائم القتل على ساحة أرض الكويت التي لم يتجاوز سكانها نصف مليون نسمة، وبطريقة فيها نوع من التحدي لقانون العقوبات، حيث تمت تحت أنظار الناس وسمعهم.

- فهذا الرجل الذي قتل زوجته في خيطان أمام أولادها منه بسكين أجهز به عليها ليتركها تسبح في بركة الدماء موليًا الأدبار.

- وهذا الذي تحدى كل القوانين في رابعة النهار وفي صالون حلاقة الدعية وأهوى على خطيبته ليضع حدًا لأنفاسها، وهو الإنسان المثقف الذي كان يقوم على أمر حاجيات الناس في الجمعية.

- وذاك الذي لف الحبل على رقبة أخيه في المطلاع وهو نائم؛ ليشد به روحه مكررًا مأساة بداية الجريمة في عصر آدم على صورة قابيل وهابيل.

- والآخر الذي أطلق الرصاص على شاب ليلة عرسه في جمع أصحابه وخلانه.

- وذاك الذي صعد إلى سطح البناية؛ ليصرع صهره، ويتركه في أنات الموت ليسلم روحه لباريها.

عديد من جرائم القتل العمدي شهدتها الكويت في أيام قلائل كأنها نسيج عصابة واحدة، روع بها الأمن وفزع بها الناس، وخيم شبح الخوف على الأرض الساكنة.

 

أسباب الجريمة

ولقد حاول بعض المفكرين إرجاع الدوافع إلى سببين: 

أولًا: أسباب شخصية ترجع إلى تكوين الشخص الخَلقي والخُلقي، ومزاجه، ووراثاته للميول والطباع.

ثانيًا: أسباب اجتماعية يعودون بها إلى الوسط والبيئة وما كان فيها من أعراف وعادات وقيم.

وبنوا على ذلك وسائل المكافحة والعلاج فقالوا:

1- المجرم بطبيعته وخلقته لا يرجى إصلاحه ويخشى على المجتمع كله من تعطشه للدماء واستهوائه لإزهاق الأرواح، فكان لزامًا أن ينقي المجتمع منه وأمثاله بالإعدام أو المؤبد.

2- المجرم المختل العقل الذي فقد عوامل الضبط والربط في تفكيره وعقله أولى به أن يودع مصحات العلاج النفسي؛ حتى يبدأ أو تنتهي حياته. 

3- المجرم بالعاطفة الهوجاء التي سيطرت عليه في لحظة من لحظات الضعف البشري فقادته إلى جريمة لا يرضاها في نفسه حسبه تأنيب الضمير ساعة الإقامة. 

4- المجرم بالصدفة، وهو إنسان وقع تحت تأثير مغناطيس من الوسط الذي يعيش فيه والظروف التي تحيط به، فأسلم نفسه لنوع من التقليد والمحاكاة أوجب الظهور وتهور الشجعان، فكان لابد من اتخاذ إجراءات إبعاده عن عوامل التأثير، وإلزامه بالتعويض.

5- أما المجرم المعتاد الذي صنع لنفسه بطولات السفاحين، وأزهى بعمليات إزهاق الأرواح، فيرون أبعاده والخلاص منه.

 

علم الإجرام

ومن منطق الاهتمام بدراسة الجاني أنشئت العلوم الآتية:

1- علم الطبائع الجنائية:

وموضوعه الإنسان المجرم في تكوينه الجسمي والخلقي من الناحية الجنائية بغية التوصل إلى أسباب الجريمة الكامنة في شخصه.

2- علم النفس الجنائي: 

وهو نوع من العلوم يتخصص في الدراسة النفسية التي تستكنه الدوافع الإجرامية وما يثور في داخله من عواطف وأحاسيس.

3- علم الاجتماع الجنائي:

وهو الذي يفرغون له ساحة المجتمع ليقوموا بأبحاثهم عن الجوانب البيئية التي دفعت الإنسان ليحترف الإجرام أو يستهين بالجريمة الأولى ليسعي إليها أو يوجه نحوها.

4- علم التحقيق الجنائي العملي والفني: 

وموضوعه بحث الوسائل التي تعين على كشف الجرائم وتعقب مرتكبيها، مستخدمين الوسائل العلمية، مستعملين الطب الشرعي، مستعينين بالكيمياء وعلم البصمات وهلم جرًا.

الاهتمام بالجاني دون المجني عليهم

والذي يلحظه الإنسان وهو يقلب هذه الصفحات التي جمعتها مجلدات البحث في الجريمة والمجرم، إنها تكاد تخلو من اهتمام بالضحايا والأثر الذي يتركه المجرم في حياة المجني عليهم، إنهم يجهدون أنفسهم فيما يتراءى لهم سبيل لإصلاح إنسان مجرم شرير أو سولت له نفسه الجريمة، وتركوا الصدع الذي أوجده في بناء المجتمع كله.

إلغاء عقوبة الإعدام

فهذا «بكاريا»، الفيلسوف الإيطالي، الذي نشر كتابه عن الجرائم والعقوبات يحمل على ما تصوره، أو ما كان كائنًا في بلاده من قسوة العقوبات، وشن حملته على عقوبة الإعدام، وربت بيد حانية على الجاني يمسح عنه ما أصابه أو يصيبه من آلام وهو يحدد أن المقصود بالعقوبة هو منع المذنب أن يعود إلى الإجرام، ويجب ألا تتجاوز العقوبة القدر اللازم؛ لتحقيق هذا المراد، وتكون في نفس الوقت رادعةً لغيره.

 

التقليد الأعمى

وتلقف هذا الفكر -الذي كان رد فعل للانحدار التشريعي في أوروبا وظلام الإقطاع والتحكم في الإنسان بعيدًا عما له من إنسانية واحترام حتى كانت الجرائم بلا تحديد والمجرمون بلا تصنيف وتشخيص- تلقفه مدعو الإنسانية والتقدمية من رجالات العرب، ودعوا إلى الأخذ بما عفي عليه الزمن وأثبتت محصلة التجارب أنه قد فشل، وبدأوا يصيحون يطالبون بإلغاء عقوبات الإعدام وأن القصاص الإسلامي نوع من القسوة والفظاعة لا تليق بالإنسانية ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. (الإسراء: 43)

ونسوا أو جهلوا أن الفوضى التي كانت ضاربةً أطنابها في القوانين الغربية والسلطة المطلقة التي كانت للملوك حتى كانت عقوبة الإعدام لعدد كبير من الجرائم قررتها الأهواء لا الإصلاحات، وفرضتها السيطرة غير المسئولة وتعبد الناس لهم، حتى كان يسبق الإعدام تعذيبًا وتمثيلًا بالجاني في قسوة ووحشية، حتى وصل الأمر إلى توقيع العقوبات على المجانين والحيوانات، وأصبحت محاكمة المجانين والحيوانات وجثث الموتى وتوقيع العقوبة فيها أمر مألوف في هذه العهود، وحيث كانت الأهواء كانت التفرقة بين العباد وعدم المساواة أمام القانون، وكان تميز الناس حسب مراكزهم وسلطاتهم، فللإشراف عقوبات، وللسوقة عقوبات، وتنفيذ بالسيف، وتنفيذ بالشنق وهكذا.

ضرورة العقوبة

وانتهى التجمع القانوني الفكري على مدار التاريخ إلى هذه النتيجة: «أن سلطة الزجر والعقاب لازمة في كل مجتمع؛ لحفظ الأمن واستقرار النظام وكفالة الأوضاع المقررة».

المدارس القانونية

واصطرعت المدارس الفكرية في تعليل العقوبة وأسباب إيجادها إلى: 

1- مدرسة المنفعة: 

التي حمل لواءها «بكاريا» و«بنتام»، داعين إلى أن الذي يبرر العقوبة هو منفعتها أي المصلحة الاجتماعية المرجوة منها، فإذا كان ثمة منفعة فتكون ثمة عقوبة، والمنفعة التي تحددها مفهومات المجتمع الذي كان مسرح الجريمة أرضه وسماؤه.

2- مدرسة العدالة 

التي قاد لواءها «كنت» الألماني، حيث قال: «إن العقوبة إجراءً تقتضيه العدالة في ذاتها مجردةً من كل غرض نفعي، وتوقيع العقوبة بالمجرم واجب، ولو لم يكن وراءها فائدة».

3- مدرسة حق الدولة 

الذي نادى به «روسو» مبينًا أن هذا الحق هو جماع حقوق أفراد الجماعة في الدفاع عن نفوسهم، وقد نزلوا عنه للجماعة في سبيل الإبقاء عليها، وأوجب أن تكون العقوبة في حدود حماية الجماعة من المجرم دون زيادة.

 

المدرسة الإسلامية

لكن المدرسة الإسلامية التي تستند في مفهومها وتقرير قواعدها إلى التنزيل الحميد من رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والتي تؤمن بأن أستاذها -عليه الصلاة والسلام - قال: «ما تركت من خير إلا وأمرتكم به، وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه»، كان تحديدها للجريمة من واقع النصوص المحكمة التي لا تدع فرصة لذي هوى من ملك أو مشرع.

«فلا جريمةً ولا عقوبةً إلا بنص»، وكان تعريفها لها: «بأن الجرائم محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير»، وكانت جريمة القتل عندها «هدم لبناء أراده الله، وسلب لحياة المجني عليه، واعتداء على عصبته الذين يعتزون بوجوده وينتفعون به، ويحرمون بفقده العون»، فكانت أول مدرسة تراعى المجني عليه وآله، وتحسب حساب المجتمع المعتدى عليه، وسن السنة السيئة بالاعتداء على حرماته، وتعمل على كل ما يصون أمنه، ويحفظ أخلاقه، فكان إقرار العقوبة عندها:

- لحفظ مصالح الجماعة سواء وقعت الجريمة على فرد أو جماعة، ولصيانة النظام الذي تقوم عليه الجماعة، ولضمان بقاء الجماعة قويةً متضامنةً متخلقة بالأخلاق الفاضلة.

 

بين الشريعة والقانون 

فخالفت القوانين الوضعية التي أجهد البشر أنفسهم فيها فيما يلي:

أولًا: في اعتبار الأخلاق الفاضلة أولى دعائم التشريع، فهي تعاقب على كل ما يمس الأخلاق، بينما القوانين الوضعية تكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تامًا ما لم يصب ضررها المباشر الأفراد أو الأمن أو النظام العام. 

ثانيًا: في اعتبار التحديد للجرائم توقيفي لا يجوز لبشر كائن من كان أن يزيد فيها أو ينقص، وقواعدها ثابتة كتب الله لها الذي أنزلها للناس الدوام والاستمرار، فلا اجتهاد فيها سواء كان الحكم ملكيًا أو جمهوريًا، تبدلت الأوضاع الدستورية أم سكتت. 

ثالثًا: أن توقيع العقوبة المحددة طاعةً لله تبينت أوجه المصلحة أو المنفعة للناس أم لم تتبين، لأن الله نزه عن العبث معاقبةً المجرمين دون ما فائدة. 

رابعًا: سواسية الناس أمام القانون الإلهي وشريعته لا فرق بين إشراف وسوقه، أو حاكمين ومحكومين.

خامسًا: الأصل في الشريعة الإسلامية عقاب القاتل المتعمد بالقصاص سواء كان القتل مقترنًا بسبق إصرار وترصد أو غير مقترن.

سادسًا: المجرم مجرم اعتدى وانحرف قام بتنفيذ غرضه وبغيته فوجبت عقوبته سواء كان ارتكابه الجريمة بالعاطفة الجامحة أو المحاكاة والتقليد، أو كان تحت تأثير البيئة وغيرها، سواءً كانت هناك ظروف مخفضة أو لم تكن، ولا تجز الشريعة للقاضي أن يخفف العقوبة أو يستبدل بها غيرها.

سابعًا: أن الشريعة الإسلامية قد انفردت من قديم بمراعاة أهل المجني عليه في جريمة القتل استثناءً من الأصل؛ لأن هذه الجريمة تتصل اتصالاً وثيقًا بشخص المجني عليه، ولأنها تمس المجني عليه أكثر مما تمس أمن الجماعة ونظامها، لأن كل إنسان لا يخاف قاتلًا غيره، وأن هذه الجريمة في غالبها لا تكون إلا بدافع شخصي، فأعطت أولياء الدم حق العفو أو طلب الدية وإلا فالقصاص.

ثامنًا: أن الشريعة الإسلامية تربط عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة، قال تعالي: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93)، وتحقيقًا لغاية الزجر، وتوفيرًا لضمان الحماية والأمن.

 

هل يمكن القضاء على الجريمة؟

ما دامت الجريمة من سمات الضعف البشري الذي تنزو فيه الغرائز علي المثل والقيم وتهبط بالمقومات الأصيلة في الإنسان من تحكم العقل الواعي على العواطف الهوجاء، فإنها ستظل موجودةً ودائمةً، ولذلك كان تشريع العليم الخبير إذا ما أخذ به جملة في كل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية كفيلاً بأن يعمل على انحسارها إلى أضيق الحدود ووجودها على القلة والندرة، ولكن الذين في قلوبهم مرض التقليد والمحاكاة يرفعون عقائرهم بصيحات نشاز تباعد بين شريعة الله وخلق الله، وفي أمثالهم نزل قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾        النساء: (61-62-63) 

أبو هالة

 

 

 

الرابط المختصر :