العنوان الجريمة المدمرة.. إزهاق النفوس البريئة
الكاتب الدكتور محمد سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1977
مشاهدات 68
نشر في العدد 360
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 26-يوليو-1977
فظاعة القتل
الله تعالى كرم آدم وذريته، وشاد الهياكل الإنسانية في أحسن تقويم، وأفرغ وجودهم في قوالب من الإبداع الفني، معجزات شاهدة على عظمته وقدرته وحكمته، فله الحمد على ذلك كما حمد نفسه إذ قال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ﴾ (سورة الأنعام: 1).
ثم استخلف الله تعالى الإنسان في أرضه، وأعطاه من الملكات والقوى ما به تمكن من تصريف شؤونها والتحكم في خيراتها.
القتل بغير حق هو عدوان على هذا الهيكل الإنساني المكرم، وتحطيم لهذا الإبداع العظيم.
يبذل المجتمع جهدًا في تربية كل عضو من أعضائه وتنميته حتى يكون قادرًا على العمل والإنتاج جاء القاتل فحرم المجتمع من قطف ثمار جهده في العضو القتيل.
كانت للقتيل علاقات محبة وصداقة وحسن جوار وزمالة، وكان بالإمكان أن ينشئ علاقات محبة وصداقة وحسن جوار وزمالة، في ما يستقبله من حياته، لو لم يبادره المقاتل فيحول دون تفتح هذه الزهور التي تعطر جو الحياة.
كان القتيل زوجة فتأيمت، وابن فتيتم، وأم فثكلت، وأخت فقدت عضدها، وأب فأصيب في كبده، بل كان للقتيل نفس فحرم منها، وكان له دور يريد أداءه لهؤلاء، فحيل بينه وبينه.
كانت القرية آمنة في سربها، والقبيلة تنعم في سلام، والمدينة تعج بالحياة والبهجة، فروعها هذا المعتدي بدل الأمن خوفًا، والسلام قلقًا، والبهجة غمًا، والحياة موتًا.
كانت الفتنة راقدة والحرمات مقدسة والحقوق محفوظة فأبی المعتدي ألا أن يفتح الباب ويهدم السور ليسعي في الفتنه من كان عنها نائمًا ويستحل الحرمة من كان يحرمها وليستمرئ الظلم من كان يكرهه، وليلعق الدم من كان يؤذيه أن يسمع بذكر الكلاب اللاعقة.
في الحديث النبوي الكريم «لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل»، ثم إن كان القتيل نفسًا مؤمنة فإن الجريمة تكون أفظع، لأن المؤمنين أولياء الله المتقون له الذين يحبهم ويحبونه فالقتل بغير حق اذن جريمة كبرى لا يعدلها شيء من الكبائر، إلا أن تكون الكفر بالله.
القتل جريمة في حق الله، وحق القتيل، وحق أهل القتيل، وحق المجتمع، فكيف يرجو قاتل أن يؤدي كل هذه الحقوق؟ ولو تاب إلى الله فتاب واستسلم للقصاص فرضى الأولياء فكيف يؤدي حق القتيل وكيف يعيده حيا بعد أن أعدمه «لايزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا».
النفوس البشرية محرمة، نادت بتحريمها الأديان السماوية، وأعلن الله ذلك إلى البشر قانونًا خالدًا في كتابه إلى أبد الآبدين ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (سورة الإسراء: 33). وأعلنه عنه نبيه الأعظم في حجة الوداع، وهي الحفلة الكبرى للقائه بحملة الرسالة عنه إلى العالمين «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت، اللهم اشهد»
ولنقرأ في كتاب الله قصة الأخوين القاتل والمقتول: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ﴾ (سورة المائدة: 30-32 ).
متى يكون القتل بحق
ذلك في الأحوال الآتية:
1- القاتل المعتدي المتعمد للقتل ظلمًا، إن شاء أولياء المقتول قتلوه وذلك قتل بحق، جزاء له على سوء ما اقترفت يداه. يقول الله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 179).
2- ومن اقترف الفحشاء وهو محصن فقد حق عليه القتل رجمًا حتى الموت.
3- ومن كفر بعد إيمانه وأصر على كفره استحق العقوبة بالقتل.
بهذه الثلاثة يصرح النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «لا يحل دم أمرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بأحدي ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة».
4- الذين يحملون السلاح، ويتعرضون لدماء المسلمين الآمنين ويقطعون الطرق ويخيفون السبل، حق عليهم الجزاء الذي جعله الله لهم في قوله ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (سورة المائدة:33).
5- الذي اعتدى على آخر، في وطنه أو في ماله أو بدنه، أو عرضه فلم يتمكن من دفعه إلا بقتله فقد قتله بحق. ففي كتاب الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ (سورة الحج:39-40) لفسدت الأرض ويقول النبي صلى الله عليه وسلم «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد».
6- الذين استحلوا قتال المسلمين بشبهة عرضت لهم، وكذلك الذين انشقوا على الدولة الإسلامية وبغوا على الجماعة الإسلامية القائمة بشريعة الله، يحل للمسلمين، بل يجب عليهم قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. يقول الله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الحجرات: 9).
7- الذي يتجسس على الدولة الإسلامية لصالح أعدائها، يطلعهم على أسرارها الحربية، ويفضي إليهم بمواقع قوتها وضعفها، يجوز إصدار الحكم بقتله عند بعض الفقهاء، إذا حصل بسببه القتل، لعظم جريمته وشناعة فعلته، من تعريض امته للأخطار الجسيمة، وممالأته أعداءها على حساب دينه وإيمانه وارواح المؤمنين.
8- الكفار الذين يصدون عن سبيل الله، ويمنعون الناس عن الاستماع إلى نداء الفطرة، ودعوة الحق، أو يعتدون على ديار الإسلام ظلمًا وعدوانًا، يقاتلهم المسلمون جهادًا في سبيل الله، دفاعًا عن الحق والتوحيد والحرية. ويقتلون من قاتل منهم، دون عدوان على من لم يقاتل ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
أما في ما عدا هذه الحالات المحدودة فإن القتل محرم، وهو من كبائر الذنوب كما تقدم.
مكافحة الديانة الإسلامية للقتل
كانت الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية تعيش حمامات من الدم، رخصت فيها النفوس، حتى كانت تزهق في مقابلة أتفه الأشياء، فهذه ناقة البسوس تذهب بسببها آلاف الأرواح، وحرب داحس والغبراء كانت بسبب الرهان بين فرسين، وكان النهب والسلب معترفًا به كباب للكسب، ولا مانع لمن يكتسب من هذا الباب أن يقتل من تعرض دونه، وعشيرة القاتل خلفه تحميه وتنصره، وتفتخر بأنها تنصره وهو ظالم.
فجاء الله بنعمة الاسلام، ووعد النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أنه إن طالت به حياة فإنه سيرى المرأة تسافر من العراق تؤم البيت الحرام دون أن تخشى أحدًا يتعرض لها، وكان تحقيق هذا الوعد في حد ذاته معجزة كما كان الأخبار عن تحققه معجزة كذلك.
وكان من الوسائل التي بلغ بها الإسلام أهدافه في المحافظة على الحياة، أن أعلن بجلاء كرامة الحياة الإنسانية، وأن العباد كلهم إخوة من نفس واحدة، وأن عباد الرحمن لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأن من أحيا نفسًا فكأنما أحيا الناس جميعًا، وإن من العصبية أن تعين قومك على الظلم وأن نصرك لأخيك هو أن تأخذ على يديه إذا ظلم، لا أن تعينه على ظلمه، وجعل الإيمان بذلك كله دينًا.
ثم شرع لمن لم يردعه ذلك عقوبات رادعة، أفظعها عقوبات عند المآب إلى الله، حيث يجد القاتل في انتظاره غضب الله ولعنته، في نار جهنم خالدًا فيها خلود الأبد.
وعقوبات في الدنيا، بأن أوجب على القاتل القتل قصاصًا في بعض الأحوال التي تتوفر فيها الظروف المعتبرة لذلك شرعًا وواجب على دولة الإيمان أن تنصر ولي القتيل إلى أن يحصل على حقه في القصاص إن شاء وحتى القتل خطأ جعله الله فيه عقوبة رادعة هي الدية والكفارة ولا يطل في الإسلام دم، ثم ضمن أغلب هذه الأحكام والشرائع المكافحة الجريمة القتل في آيات قرآنية يتلوها المؤمنون ليلًا نهارًا ويحفظونها في صدورهم فيقضون بها وكف الأيدي عن آثامها وتحقن الدماء في عروقها.
وتقلل فرص اليتم والترمل والمصائب التي كانت تزرعها النزعات الشيطانية. ومن لم يزعه القرآن وزعه السلطان.
المشاركة في القتل
قال الله تعالى في كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة المجادلة: 9).
ولو تآمر مجموعة من الناس على قتل مسلم ظلمًا وعدوانًا فإنهم يشتركون في إثم ذلك وعاره وخزيه عند الله والناس.
وورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رفعت إليه قضية سبعة قتلوا قتيلًا بصنعاء اليمن، فأمر بقتلهم جميعًا، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به». وبهذا أخذ جمهور الفقهاء أن المتآمرين على قتل نفس واحدة يقتلون بها جميعًا إذا اشتركوا في القتل.