العنوان الجرائم تعكِّر صفو الحرية في جنوب إفريقيا
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
مشاهدات 87
نشر في العدد 1217
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
TIME
ظلت سيادة القانون شبه غائبة طوال السنوات الطويلة من حكم نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ وذلك لأن النظام القضائي كان يؤيد التمييز العنصري ضد غالبية السكان السود، مما جعله محل ازدراء واحتقار لدى هؤلاء، وكان ارتكاب أي أعمال عنف بذريعة سياسية يبدو مبررًا وخاصًة في أوساط الشباب، واليوم تحاول حكومة الأغلبية السوداء التي يرأسها الرئيس نيلسون مانديلا فرض احترام القانون والنظام، بيد أنها تواجه مصاعب جمة في هذا الصدد.
وبالنظر إلى ما تتضمنه سجلات الشرطة خلال الأشهر القليلة الماضية لا يملك المراقب إلا التشاؤم حول الوضع الأمني السائد في البلاد، وقد لقي مسؤول شركة ألمانية يدعى إيريك إيلمر (٤٨ عامًا) مصرعه بعد أن تلقى طلقات نارية أثناء محاولة مجرمين اختطاف سيارته، كما تعرض شخص آخر يدعى أرثر شاسكاليسون «وهو محام معروفٌ بدفاعه عن الحقوق المدنية ورئيس المحكمة الدستورية في جنوب إفريقيا»، لعملية سرقة تحت التهديد بالسلاح هو وزوجته في منزلهما الواقع في جوهانسبرج، وتم أيضًا إعدام رئيس عصابة مخدرات يدعى رشاد ستاجي على يد أهالي إحدى ضواحي مدينة الكيب تاون الذين يحرسون البيوت ليلاً، ثم قاموا بإضرام النار فيه، ثم إطلاق النار عليه، وقد ظل الوضع متوترًا جدًا طوال الأسابيع القليلة الماضية لدرجة أن قام وزير العدل عبد الله عمر وأفراد أسرته بترك منزلهم الواقع في منطقة تشهد نسبة هائلة من الجرائم.
ويعتبر المجتمع الجنوب أفريقي من بين المجتمعات التي تشهد أعلى نسبة للجرائم على وجه الأرض، وذلك حسب الدراسة التي نشرتها مجموعة نيدكور المصرفية في جنوب إفريقيا في شهر يونيو الماضي، حيث ذكرت هذه الدراسة أن معدل جرائم القتل المسجلة سنويا يبلغ ٥٤ جريمة بين كل ١٠٠ ألف شخص في حين أن متوسط المعدل السائد في العالم لا يتجاوز ٥,٥ جريمة بين كل ١٠٠ ألف شخص، وقد شهدت السنة الماضية ٢٤ حادث اختطاف سيارات في مدينة جوهانسبرج وضواحيها، ويبدو أن هناك عصابات سرقة كبرى وراء حوادث سرقة السيارات التي سرعان ما يتم إخراجها من البلاد، وقد ارتفعت نسبة اختطاف السيارات منذ عام ۱۹۹۲م بنسبة ۷۸%، كما ارتفع معدل حوادث السرقة بنسبة ٦٢%، وقد تعرضت شركة أمنية في كوازولوناتال لعملية سرقة أسفرت عن نهب أكثر من خمسة ملايين دولار أمريكي، وهي أكبر عملية سرقة في تاريخ جنوب إفريقيا.
وتحدث ٧٥% من عمليات السرقة واختطاف السيارات في المناطق الصناعية وفي المناطق المكتظة بالسكان بالقرب من جوهانسبرج وبريتوريا، وبالرغم من أن المناطق الغنية التي كانت في السابق حكرًا على السكان البيض هي المستهدفة في الغالب، فإن المدن التي يقطنها السكان السود مثل سووينو، تشهد تنامي حالة الفوضى نتيجة غياب القانون، ويعيش سكان مثل تلك المناطق في حالة قلق دائم.
كما أفادت الدراسة المذكورة بأن ٤٥,٦% من سكان جنوب إفريقيا يعتقدون أن ظاهرة انتشار الجرائم تمثل أكبر مشكلة تواجهها البلاد، حيث إنها تقوض اقتصاد البلاد الذي ينتابه الضعف، وقد بدأ البيض والأوروبيون من سكان إفريقيا بمغادرة البلاد بدافع الخوف.
كما بدأ السياح الأجانب بإلغاء حجوزاتهم كما أدت أعمال العنف إلى تراجع عدد من المستثمرين الأجانب، وكانت شركة «بي. إم. دبليو» الألمانية لصناعة السيارات قد أعلنت عن رغبتها في استثمار ما يعادل ٢٢٠ مليون دولار خلال السنوات الأربع القادمة، غير أنها اشترطت أنها ستعيد النظر في ذلك المشروع في حالة اندلاع أي أعمال عنف، كما أسهمت أعمال العنف في انخفاض قيمة العملة المحلية «الرند»، والتي فقدت خلال هذه السنة أكثر من ٢٠% من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي، مع زيادة المخاوف بشأن الاستقرار السياسي للبلاد.
وبقي تعامل السلطات مع ظاهرة انتشار الجرائم مخيبًا، فعندما افتتح الرئيس مانديلا أول برلمان حقيقي لجنوب إفريقيا في عام ١٩٩٤م تعهد بمحاربة المجرمين، ولكن بما أن معدل الجرائم في ارتفاع مطرد فإن المواطنين المصابين بالإحباط لجؤوا إلى اقتناء السلاح لحماية أنفسهم ومناطقهم السكنية، واليوم تشهد الشوارع انتشار الأهالي المسلحين لحراسة مناطقهم نظرًا لاعتقادهم بأن رجال الشرطة القليلين جدًا ضالعون في الفساد ولا يستطيعون - السيطرة على عصابات الجريمة والمخدرات المنتشرة في تلك المناطق وقد ذكر محمد علي باركر - وهو زعيم مسلم لجماعة إسلامية تسمي نفسها «الشعب ضد عصابات الجرائم والمخدرات»، أن المخدرات وجرائم الشوارع تشكل مشكلة كبيرة لسكان جنوب إفريقيا، وإن علينا مواجهتها بقوة.
وقد حاولت حكومة الرئيس مانديلا مؤخرًا تهدئة السكان بإعلانها عن سن قوانين صارمة رادعة لارتكاب الجرائم، بما فيها التشديد على أحكام السجن، ومهما اتخذت الحكومة من تدابير فإن الوضع السائد يوحي بأن الخوف سيحكم في جنوب إفريقيا الجديدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل