; الجراءة في الفتوى وآثارها المدمرة. | مجلة المجتمع

العنوان الجراءة في الفتوى وآثارها المدمرة.

الكاتب الشيخ يونس حمدان

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1977

مشاهدات 94

نشر في العدد 373

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 01-نوفمبر-1977

اعتاد بعض الناس من أنصاف المثقفين، وأشباه المتعلمين أن يجيبوا على كل ما سُئلوا عنه، وأن يفتوا فيما يعرفونه، وفيما لا يعرفونه، بعلمٍ أو بغير علمٍ، وهم بذلك ينسون أو يتناسون أنهم حينما يفتون في دين الله، إنما يخبرون عن حكم الله تعالى في أمر من الأمور، فكيف بهم إذا سُئلوا عمّا أفتوا بحلِّه وهو حرامٌ، أو أفتوا بتحريمه وهو حلالٌ، وقال بعض السلف:

«ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا، وحرم كذا، فيقول الله تعالى له: كذبت لم أحل كذا، ولم أحرم كذا». ومن أجل ذلك كان أئمة السلف يتحرجون من الفتوى أوهناك بعض الأمثلة التي تبين مدى تحرجهم من الفتيا.

فقد حدث عبد الله بن المبارك: «حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرن ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد فما كان منهم مُحدّث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا».

وكان الإمام الجليل أحمد بن حنبل يقول في بعض الأحيان إذا عرضت عليه مسألة «سل عن هذا غيري».

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «ويل لديان من في الأرض لديان من في السماء، يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض على هوى، ولا على قرابة ولا على رغب ولا رهب، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه»، بل كان بعض السلف يذهب إلى أبعد من ذلك فيرمون المتسرعين بالفتيا بالجنون وقلة العلم، فابن عباس حبر الأمة يقول: «إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون».

وقال سحنون بن سعيد: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه»، فأنت ترى من مجموع الأقوال المتقدمة كيف كان أهل العلم وأساطين الدين يفرون من الفتوى مخافة أن يقعوا في القول على الله بغير علمٍ، فيقترفوا بذلك إثمًا عظيمًا.

والقول على الله بغير علم صنو الشرك وقد ذكره الله تعالى بعد الشرك بالله للدلالة على كبير ضرره وعظيم خطره قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33).

فالقول على الله بغير علمٍ جريمة منكرة ينشأ عنها آثار خطيرة تُستحل بها المحارم ويُحرم بها الحلال لذلك رأينا السلف يحجمون عن الفتيا إلا أن تتعين على أحدهم فلا يجد فيها بدًا فيبذل اجتهاده ويستفرغ وسعه في استنباط حكم المسألة فيما تحصل لديه من علم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتاوى الصحابة والأئمة رضوان الله عليهم. إذا كان هذا شأن السلف من أئمة الهدى ومصابيح الدجى فما بال رجال في عصرنا يجترئون على دين الله ويتسرعون في الفتيا ويجيبون عن كل مسألة ويناقشون في كل قضية مع قلة حظهم من العلم، ونقص نصيبهم من المعرفة، وخفة ذات يدهم من فقه الكتاب والسنة.

ماذا يعني كل ذلك، هل يعني أن الدين قد هان في نفوس أصحابه فتكلم فيه الجاهل والمتبطل والذي يدري والذي لا يدري من أحلاس المتعلمين.

إن الطب مثلًا علمٌ مستقلٌ بذاته لا يجرؤ أحد من غير المتخصصين على أن يخوض فيه أو يتحدث في قضاياه أو يحكم في مسائله لأنه سيجد عندئذ من يردعه ويوقفه عند حده ويكف يده ولسانه عن العبث في شأن الطب فيه والمتمحضين له والعارفين به وإنما يفتئت على البت في قضاياه من لا يعرف كوعه من بوعه، ويفتي في أمر التحليل والتحريم من لا يفقه من الحلال ولا يفهم معنى الحرام، وهذا الأمر الخطير قد أوقع كثيرًا من العامة في حيرة من أمر دينهم، ومن العجيب أن الجاهل المتعالم عندما يتحدث في أمور الدين يأتيك بكلام خلاب وعبارات براقة وألفاظ زاهية مما يجذب قلوب العامة ويلهج ألسنتهم بالثناء عليه، ويغريهم بالإنصات له والأخذ عنه ولقد حذرنا السلف من أمثال هؤلاء الجهلة المتعالمين قال معاذ بن جبل: تكون فتن فيكثر فيها المال ويفتح القرآن حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن فيقرأه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرأه علانية فلا يتبع فيتخذ مسجدًا، ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة.

وروى البخاري بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال لوفد من قريش كانوا عنده قال: أما بعد فإنه قد بلغني أن رجالًا فيكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولئكم جهالكم.

إذن فالجهلة الذين يحذر السلف منهم أولئك الذين لم يتعمقوا في دارسة القرآن ولم يستبحروا في معرفة السنة المطهرة ولم يستمكنوا من فقه فتاوى الصحابة وبالجملة لم يدرسوا علوم الإسلام دراسة واعية مستأنية ومن كان بهذه المثابة فهو جاهل لا يعتد برأيه في مسائل الإسلام ولا في أمر الحلال والحرام، وإن كتب وخطب واستفتى وأفتى وزعم أنه عالم.

يعزز ما نقول ما رواه مالك عن نافع عن بن عمر أنه قال: إنما العلم ثلاثة، كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري.

فمعرفة الحلال والحرام ليس بالأمر الهين، حتى يخوض فيه من يعرف ومن لا يعرف فهذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم.

وأنت إذا أمعنت النظر وجدت أكثر الناس كلامًا في الإسلام هم أقلهم علمًا به، ولا يخفى عليك أن فتوى الجاهل في أمر الحلال والحرام، هي من أخطر مكائد أعداء الإسلام وما أكثرهم، وينبغي على علماء المسلمين الفاهمين أن يوقفوا هذا السيل الجارف من الفتاوى وأن يتصدوا بحزم لأولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون فيحلون للناس ما حرم عليهم، ويحرمون ما أحلَّ الله لهم، وقد نهى الله تبارك وتعالى عن التحليل والتحريم بغير برهان من كتاب ناطق أو سنة ماضية، قال تعالى في سورة (النمل: 116-117) ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ  مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

وقد شرحت الآية الكريمة أن الذين يقولون في أمر الحلال والحرام من غير برهان ولا دليل إنما يفترون على الله الكذب، وأن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، وقد بيَّنت أيضًا عدم فلاحهم بأنه متاعٌ قليلٌ في الدنيا وإنه عذابٌ أليمٌ في الآخرة فالأمر ليس يسيرًا أو هينًا بل هو على جانب كبير من الخطورة، كيف لا وأمر التحليل والتحريم يترتب عليه استحلال الفروج وضرب الرقاب وأخذ الحقوق وغير ذلك مما له أبلغ الأثر في حياة الناس وعلاقاتهم ولقد أدرك علماؤنا السابقون - رضوان الله عليهم - خطورة ذلك، وعرفوا عظيم أثره، قال أبو عمر بن عبد البرفي كتابة جامع بيان العلم وفضله: قال (سحنون) يومًا إنا لله ما أشقى المفتي والحاكم، ثم قال: ها أنذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيًا؟

من أجل ذلك نهيب بمن يتصدرون للفتوى أن يتقوا الله في فتواهم وأن يتحروا الدقة فإنهم يخبرون عن حكم الله تعالى في أمر الحلال والحرام ألا إنها تبعة ثقيلة ومهمة صعبة فعلى الذين يقولون في الإسلام برأيهم ويجيبون عن كل ما سئلوا عنه بلا إثارة من علم أن يتوبوا إلى رشدهم وأن يعلموا أنه يترتب على فتواهم كثير من الإصلاح إذا أصابوا وكثير من الإفساد إن أخطأوا وما أكثر ما يخطئ بعضهم.

وإكمالًا للفائدة نوجز المقول في معنى الحلال والحرام جاء معنى كلمة حرام في القرآن الكريم على عشرة أوجه:

الأول: حرام سببه الصحبة والمناكحة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (النساء: 23).

الثاني: حرام سببه الفسق والمعصية ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأعراف: 33).

الثالث: حرام سببه الإعجاز ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (القصص: 12).

الرابع: حرام سببه العذاب والعقوبة ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ (المائدة: 72)، ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الأعراف: 50).

الخامس: حرام سببه نسخ الشريعة ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (المائدة: 3).

السادس: حرام سببه الحرمان والهلكة ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (الأنبياء: 95).

السابع: حرام سببه الهوى والشهوة، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ (الأنعام: 138)، ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (الأنعام: 139).

الثامن: حرام من جل النذر والمصلحة ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (آل عمران: 93).

التاسع: حرام سببه الحظر والإباحة ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ (المائدة: 96).

العاشر: حرام لأجل التوقير والحرمة مثال ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (النمل: 91).

وحاصل ما تقدم أن كل تحريم ليس من قبل الله تعالى ولا رسوله ليس بشيء «بتصرف من بصائر ذوي التمييز».

أما الحلال وقد يعبر عنه بالجائز والمباح، فهذا ضد الحرام هذا هو معنى الحرام والحلال على وجه الإجمال، أما على وجه الشرح والتفصيل فذلك مما لا يتسع له المقام.

وقصارى القول إن المسلمين اليوم يعانون من آثار الفتاوى المغلوطة والإجابات المنحرفة، ألا ترى أن العامي قد نزع ثقته من أكثر المفتين؟ وآية ذلك أنه يعرض قضيته على أكثر من واحد منهم يستفسر عن مسألته من فلان فلا يطمئن للإجابة التي يسمعها وقد يحتج العامي بفتوى مناقضة سمعها من مفتي آخر وما ذلك إلا لأن قيم الإسلام قد اهتزت في نفوس بنيه ولو أن أولئك الذين يتصدرون للفتوى يتوخون الدقة في أقوالهم وإجاباتهم لاستطاعوا أن يكبحوا جماح العامة وأن يردوهم إلى الصواب ولكن فاقد الشيء لا يعطيه.

فكما أن بعض المفتين اجترأوا على دين الله فقالوا فيه بأهوائهم، كذلك اجترأ العامة عليهم ونزعوا الثقة منهم، وتزلزلت مكانة بعض أهل العلم في نفوس الكثيرين من السواد، ولسنا نريد بهذا القول أشخاصًا بأعينهم، وإنما نتحدث عن ظاهرة مؤسفة تفشت بين المسلمين، في عصر قل فيه الحرص على الإسلام وعزَّت فيه الدقة بين العلماء والدارسين وافتأت على دين الله خلق كثير من علماء لا يتقون الله ومن جهال متعالين وضعوا أنفسهم أو وضعتهم الظروف في مراكز التوعية والتوجيه فانطلقوا يوزعون الفتاوى هنا وهناك، ويصدق على هؤلاء قوله -صلى الله عليه وسلم- : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ولكن يقبضه بقبض العلماء، فيبقى رؤوسًا جهالًا يستفتون فيفتون فيضلون ويضلون».

حقًا لقد أضل الجهال كثيرًا من المسلمين فبثوا بينهم البدع، وأشاعوا فيهم الأحاديث المكذوبة والفتاوى المضللة، فنشأ عن ذلك من الآثار السيئة ما لا يعلم مداها إلا الله.

وبعد، فنحن نناشد جميع الغيورين على الإسلام وكل وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي، وجميع الهيئات والمنظمات الإسلامية ورابطة العالم الإسلامي، أن تكف يد العابثين في دين الله وأقلامهم عن الخوض في دين الله بغير علم والله المستعان وهو ولي الصالحين.

الرابط المختصر :