العنوان الجذور التاريخية للاستعمار المالي المعاصر
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 04-أبريل-1995
·
الاستدانة
الأجنبية اقترنت بجلب المستشارين الأجانب واستيراد البضائع من الدول الدائنة
والأسعار الباهظة للخدمات التي تقدمها الدول المقرضة.
·
بعد
ترسيخ السيطرة السياسية والأمنية سعت الدول المستعمرة لترسيخ السيطرة الاقتصادية
والمالية فكونت المؤسسات الاقتصادية الدولية.
·
المساعدات
الإنمائية قامت على أسس استعمارية تهدف إلى السيطرة المالية.
في عام 1854م بدأت مصر بالاستدانة الخارجية،
ورافق ذلك الانسلاخ الحضاري والتوجه الغربي، الذي عبر عنه قول الخديوي إسماعيل:
«بلدي لم يعد في إفريقيا، فنحن اليوم نشكل جزءًا من أوروبا». ومع بداية الأخذ
بالتقنين الغربي بدأ تراكم الديون الخارجية، فارتفعت في الفترة بين 1863 و1876 م
من 3 إلى 68.5 مليون جنيه، وأوصلت عام 1876 م إلى العجز عن السداد، فتشكلت «لجنة
الدين العام» بمشاركة الدول الأوروبية الدائنة، فكانت بمكانة «مجلس وصاية» ونواة
لسقوط في براثن الاحتلال البريطاني عام 1882 م.
وفي عام 1856 م بدأت الدولة العثمانية
بالاستدانة الخارجية، ورافق ذلك أيضًا الانسلاخ الحضاري والتوجه الغربي، الذي عبر
عنه مرسوم الباب العالي وهو يقرر: «إعادة تنظيم الدولة على أسس أوروبية حديثة»،
وتتكرر الصورة المذكورة أعلاه، من حيث الأخذ بالتقنين الأوروبي، ومن حيث تراكم
الديون التي ارتفعت بين 1858 و1875 م من 5.5 إلى 218 مليون ليرة تركية، وكذلك من
حيث تشكيل «مجلس إدارة الدين العام العثماني»، بمشاركة أوروبية، وكان نواة مزيد من
الانهيار الذي أدى في النهاية إلى السقوط الأخير مع الحرب العالمية الأولى.
وهذا شأن تونس أيضًا، وقد بدأت بالاستدانة عام
1830م، وعجزت عن السداد فبدأت أشكال الوصاية الخارجية عام 1867م، وانتهت إلى
الاحتلال الفرنسي عام 1881م.
كان الطريق واحدًا وكانت النتائج متماثلة على
الدوام، ولم يكن هذا «الاستعمار المالي المستورد» ينطوي من البداية على حتمية
العجز عن السداد نتيجة انعدام التخطيط، ونتيجة الفوائد الربوية المركبة بما يجعل
الخدمات المالية للدين تستهلك ما قد يتحقق من أرباح عن طريق استثماره محليًّا
فحسب، بل كان ينطوي أيضًا على أشكال من «الاستغلال والنهب المالي» بصورة مباشرة.
ومن ذلك على سبيل المثال أن نسبة الفوائد الربوية على الديون المصرية كانت بين
11.9% وعلى الديون التركية بنسبة 10%، بينما كانت النسبة المتداولة داخل البلدان
الأوروبية الدائنة حوالي 5%. كذلك فقد اقترنت الاستدانة الأجنبية بجلب المستشارين
الأجانب واستيراد البضائع من الدولة الدائنة، فكانت تستعيد القروض والفوائد
المركبة وزيادة عليها من خلال «الأسعار الباهظة» أيضًا. ومن الأمثلة على ذلك مشروع
بناء مرفأ الإسكندرية بالقروض، وقد كلف مصر آنذاك 2.3 مليون جنيه، وبعد بضع سنوات
قدرت لجنة حيادية التكاليف الحقيقية فكانت في حدود 1.4 مليون جنيه.
إن حصول الدولة المستدينة على مبلغ 100 جنيه
مثلًا، كان يعني بعد خصم الخدمات والفوائد الربوية حصولها على أقل من 68 جنيهًا،
فإذا أضيف إلى ذلك استغلال الشركات لموقعها المتميز باعتبارها من الدولة الدائنة
لم يبق أكثر من 40 جنيهًا. وكان من المفروض أن تحقق الدولة المستدينة إذًا أرباحًا
من استثمار هذا المبلغ بما يزيد على 60% أثناء مدة التسديد، كيلا تكون خاسرة،
وكيلا تصل إلى مرحلة العجز عن السداد، وكان هذا مستحيلًا في الماضي، ومستحيلًا في
الوقت الحاضر، وهو ما يمثل أحد الأسباب الرئيسة لما يوصف بأزمة الديون في البلدان النامية.
ولم يكن ذلك مجهولًا في الغرب، حيث تكونت منذ
القرن التاسع عشر شبكة مصارف مالية تتعامل بصورة لا تختلف اختلافًا يذكر عما هو
سائد الآن، رغم اكتسابه مع الزمن صورة «هيكل دولي» أشد فعالية، لاسيما وقد تحول
التنافس بين الدول الدائنة على الاستغلال في أواخر العصر الاستعماري العسكري، إلى
تعاون وثيق في العصر الاستعماري المالي الراهن.
تدويل الاستعمار المالي
جنبًا إلى جنب مع تكوين الأمم المتحدة وترسيخ
السيطرة السياسية والأمنية عالميًّا عن طريق «أنظمة مجلس الأمن»، وسواه من الأجهزة
والمنظمات الدولية، بدأ تكوين المؤسسات الدولية لترسيخ السيطرة الاقتصادية
والمالية أيضًا. فأثناء الحرب العالمية الثانية بدأت مناقشة وضع صيغة جديدة للمدة
التالية، وأبرز ما ظهر آنذاك كان أفكار الخبير البريطاني جون ماينارد كانياس،
وملخصها أن تدعم الدول ذات الفوائض التجارية العالمية الدول الأخرى وفق نظام «رسوم
ضرائبية» تصاعدية تخفف الفوائض لتمنع الانهيار العالمي كما وقع أواخر العشرينيات
الميلادية.
وجوهر هذه الأفكار أن النقد وسيلة للدفع وليس
سلعة بقيود ذاتية، وهذا ما كان رد فعل على ما ظهر من مساوئ للرأسمالية على أرض
الواقع، لا سيما عند الانهيار الاقتصادي الشامل في أواخر العشرينيات الميلادية.
وظهرت مقابل ذلك أفكار رأسمالية متشددة، وتبناها وزير المالية الأمريكي في تلك
الفترة هنري مورجنتاو، تقوم على أساس تثبيت مسؤولية العجز التجاري على الدولة التي
تعاني منه، وليس على أساليب التعامل الدولي بغض النظر عما تشهده من انحرافات،
وبالتالي فعلى الدولة نفسها العمل -عن طريق الاستدانة غالبًا- لتحسين وضعها
الذاتي. وتعني الاستدانة الفوائد الربوية وتحقيق الميزات للدولة الدائنة في النهاية،
على غرار ما كان في القرن التاسع عشر الميلادي تمامًا. والجدير بالذكر أن هذا
التصور الأمريكي يتناقض من الجذور مع تعامل واشنطن هذه الأيام مع سواها، ومن ذلك
عجزها في التبادل التجاري مع اليابان، فهي تطالب اليابان بفتح أسواقها بإجراءات
«فوقية» بدلًا من مطالبة الأمريكيين ألا يكون نمو حجم الاستهلاك داخل بلادهم أكبر
وأسرع من نمو حجم الإنتاج المحلي، وبتعبير آخر تحمل مسؤولية العجز على الدولة
الأخرى، وليس على نفسها كما تقضي أفكار مورجنتاو.
ولكن التصور الأمريكي المذكور هو الذي فرض
نفسه في ظل ظروف الحرب العالمية الثانية ومعطياتها، فكان محور المؤتمر الدولي الذي
انعقد لمدة ثلاثة أسابيع في يوليو «تموز» 1994م، بدعوة من الرئيس الأمريكي روزفلت،
وظهرت بناء عليه «مبادئ بريتون وودس»، نسبة إلى اسم القرية الصغيرة التي استضافت
المؤتمر بمشاركة 44 دولة، وهي المبادئ التي يتعامل بها صندوق النقد الدولي والمصرف
المالي العالمي المنبثقان عن المؤتمر، واللذان يحتفل الآن بمرور خمسين سنة على
قيامهما.
ويقول جاك بولاك -أول مدير تنفيذي لصندوق
النقد الدولي: إن الإدارة الأمريكية فرضت نفسها على الأوروبيين المشاركين في
المؤتمر، وهم في مرحلة الهزيمة أمام النازية، وعلى الدول النامية التي لم يكن لها
وزن يذكر، فجميع ما تقرر كان متفقًا عليه بين واشنطن ولندن قبل انعقاد المؤتمر.
وتحولت المؤسستان العالميتان بذلك إلى وسائل
-كالأمم المتحدة- لتنفيذ ما تقرره بضعة مصارف مالية مركزية في بعض الدول، كما يشهد
إدوارد بيرنشتاين -مدير أعمال صندوق النقد الدولي سابقًا، وأحد المشاركين في مؤتمر
بريتون وودس.. وأصبحت المؤسستان بذلك «أدوات منحازة ماليًّا وسياسيًّا في مصالح
الشمال على حساب مصالح الجنوب»، كما ورد في وثيقة الدول النامية الموجهة إلى صندوق
النقد الدولي بمناسبة مرور خمسين عامًا على قيامه. فصندوق النقد الدولي «يضع برامج
ذات نتائج وخيمة بالنسبة إلى شعوب البلدان النامية، ويطالب الحكومات بتنفيذها دون
مراعاة آثارها، رغم أن الاستقرار السياسي والثقة بين السكان والسلطة شرطان لا غنى
عنهما من أجل تحقيق استقرار اقتصادي»، حسب تعبير البروفيسور «جيفرس زاكس» من جامعة
هارفارد، وأحد كبار الخبراء الرأسماليين المعتمدين في دعم التحولات الاقتصادية في
شرق أوروبا بعد سقوط الشيوعية...
المساعدة الخانقة
إن ما يسمى سياسة المساعدات الإنمائية قام من
البداية على أسس استعمارية محضة، فلم تكن أزمة الديون الراهنة نتيجة تطورات غير
منتظرة، بل نتيجة توجهات مقصودة تستهدف السيطرة المالية والاقتصادية إلى جانب
السياسية والأمنية. ومرت إلى الآن ثلاثة عقود وصفت بعقود «التنمية»، وقيل إن أهداف
العقد الأول 1960-1970 م هو تحقيق نمو اقتصادي في الدول المستدينة بمعدل 5%
سنويًّا وزيادة وسطي الدخل الفردي فيها بمعدل 3% سنويًّا. ولم يتحقق الهدفان، بل
ازدادت رفاهية الدول الدائنة إلى درجة الترف الاستهلاكي، وكان هذا معروفًا من البداية،
ويعبر عنه مثلًا جورج وود -الرئيس السابق للمصرف المالي العالمي- وهو يقول في وقت
مبكر، يوم 26/9/1967 م في مؤتمر انعقد في ريو دي جانيرو: «إن خدمة الديون الرسمية
السابقة أبطلت مفعول ثلثي حركة انتقال رؤوس الأموال إلى البلدان السائرة في طريق
النمو، وإذا بقيت الأمور على هذا النحو، فإن معونات التنمية سوف تأكل نفسها
بنفسها».
واستمرت الأمور رغم إدراك نتائجها كما كانت،
طوال العقد الثاني من عقود التنمية. وابتداء من عام 1982م أصبح حجم انتقال الأموال
من الدول النامية إلى الصناعية، على شكل أقساط مستحقة وفوائد ربوية أكبر من حجم
انتقال الأموال بصورة معاكسة على شكل قروض جديدة، وهذا ما وصلت إلى تثبيته مثلًا
«لجنة عالمية مستقلة» انبثقت عن حوار الشمال والجنوب برئاسة المستشار الألماني
الأسبق فيلي براندت، ونشرت تقريرها المفصل بصدده في عام 1980 م قبيل انفجار ما عرف
بأزمة ديون المكسيك، وهو أيضًا ما قدرت لجنة عالمية مستقلة أخرى نتائجه في دراسة
لحركة رؤوس الأموال عالميًّا، بما يعادل أكثر من 1000 مليار دولار خلال 15 سنة فقط
من العالم النامي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومثل ذلك من العالم النامي إلى
أوروبا، وحوالي 500 مليار دولار من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم
ذلك كانت الحصيلة النهائية هي أن حجم الديون المتراكمة على العالم النامي قد تجاوز
1300 مليار دولار في الوقت الحاضر.
ولا تشمل هذه الأرقام خسائر على أصعدة أخرى،
لا يتسع المجال لتعدادها جميعًا، ومثال عليها أن تلبية متطلبات خدمة الديون التي
أصبحت شرطًا للحصول على قروض جديدة لتسديد القديمة، بدأت تستهلك أرباح المشروعات
الإنمائية الأخرى التي تعتمد على الديون من الأصل. وتوجد دراسات علمية عن ذلك تبين
تصاعد ما يسمى «استنزاف الأرباح»، عامًا بعد عام، جنبًا إلى جنب مع تصاعد حجم
الديون الخارجية، وقد بلغ بعد خمس سنوات فقط من بدء «العقد الإنمائي الأول»، أي
عام 1965م ما يعادل 3450 مليون دولار، ثم في الأعوام التالية على التوالي ما يعادل
4050 ثم 4200 ثم 4900 ثم 5300 مليون دولار، وهكذا إلى أرقام خيالية في الوقت
الحاضر، تعبر عن المجاعات وانهيار هياكل اقتصادية بكاملها...
والجدير بالذكر في هذا الموضع أن ما رافق
مؤتمر السكان العالمي الأخير في القاهرة من تعليل الدعوة إلى الحد من الإنجاب
بالعجز عن تأمين الغذاء للأجيال المقبلة، يتناقض مباشرة مع تطور المنتجات الزراعية
والغذائية في البلدان المعنية بهذه الدعوة. وقد ازداد حجم هذه المنتجات محليًّا
بما يعادل 164.8% مقابل زيادة السكان بنسبة 92.6% خلال مدة العقود الثلاثة
للتنمية، أي من عام 1961 إلى عام 1990م، ولكن الزيادة ضاعت نهائيًّا فيما استهلكته
«خدمة الديون» وليس «الأفواه الجائعة من المواليد» كما تعبر عن ذلك دعوة الحد من
الإنجاب. ويلفت النظر أن الصين بالأخص نجت من هذا التطور رغم زيادتها السكانية في
المدة نفسها بمعدل 73% وكانت موضع حصار غربي، زمنًا طويلًا نجت فيه من سياسة
«المساعدات الخارجية الخانقة».
هذا مع أن قيمة القروض الإنمائية الموصوفة
بالمساعدات زهيدة بحد ذاتها، وعلاوة على أنها لم تتجاوز قط نسبة 3.5 بالألف بدلًا
من 7 بالألف من الإنتاج الاجتماعي العام للدول الدائنة، كما قررت لنفسها قبل زهاء
ثلاثين سنة، فإن مما يبين حجمها على أرض الواقع كمثال، ما ورد في دراسة لجنة مختصة
تابعة للاتحاد الأوروبي عن الأوضاع الزراعية فيه. وتذكر الدراسة التي لا تزال تحت
الإعداد حاليًّا، أن ما ينفقه الاتحاد لإتلاف الفائض من المنتجات الزراعية
والغذائية، ولدعم الفلاحين المتضررين نتيجة لذلك، ولدعم الأسعار في الأسواق العالمية
بصورة تخالف مبادئ ما يسمى السوق الحرة للتجارة العالمية، يصل حجمه السنوي إلى
أكثر من 36 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف ما تدفعه سائر دول
الاتحاد الأوروبي معًا تحت عنوان «مساعدات إنمائية» لأكثر من 130 دولة نامية في
أنحاء العالم.
وتبقى في الختام الإشارة إلى أن سياسة
«القروض» تستخدم في الوقت نفسه من أجل دعم المرتكزات الإقليمية التابعة للقوى
الدولية المهيمنة، فمعايير تحديد حجم تلك القروض لا تصدر عن الموازنة بين عدد
السكان، أو مستوى الدخل الفردي أو ما شابه ذلك من العناصر الموضوعية ذات العلاقة
بهدف «التنمية»، بل كان ولا يزال العنصر الحاسم سياسيًّا محضًا. والمثال الصارخ
المعروف هو التعامل مع الكيان الإسرائيلي في فلسطين، ولبيان ما يعنيه ذلك بالأرقام
التي نختارها كمثال عشوائي لا يختلف بمضمونه عن أمثلة أخرى عديدة متوفرة، وهو من
عام 1986م، عندما كان متوسط دخل الفرد الإسرائيلي 8650 دولارًا في السنة، وكان حجم
المساعدات الإنمائية الخارجية يعادل 282 دولارًا للفرد الواحد في العام الواحد،
وبالمقابل كان متوسط دخل الفرد النيجيري مثلًا يعادل 290 دولارًا في السنة، وكان
حجم «المساعدات الإنمائية» الخارجية يعادل 1.09 دولار للفرد في العام الواحد.
إن تاريخ الاستدانة الخارجية وواقعها الراهن، يؤكدان على أن سبيل الخروج من التخلف إلى التقدم مشروط بالاستغناء الكلي عنها، ولا يتحقق ذلك قطعًا دون صيغة قوية شاملة، تحتاج إلى حديث آخر وجهد كبير وهادف من جانب الخبراء والمختصين المخلصين.