; الجامعة الإسلامية في طور جديد | مجلة المجتمع

العنوان الجامعة الإسلامية في طور جديد

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006

مشاهدات 71

نشر في العدد 1726

نشر في الصفحة 34

السبت 11-نوفمبر-2006

مائة عام على ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا

(١٣٢٤ - ١٣٦٨ هـ / ١٩٠٦ - ١٩٤٩م)

(٤ من ٦)

نعم.. حدثت هذه الأحداث الجِسام التي هزتْ كيان الأمة، وزلزلتْ وجدان الإسلاميين، فاستنفرتهم للمقاومة.. فلقد كان الإسلام، على مرّ تاريخ الأمة، هو حصنها المنيع عندما تتهدّد الملمّات والتحديّات وجودها وهويتها.. وكانتْ صيحة «وا إسلاماه!» هي كلمة السر التي تتنادى بها الأمة، وتتداعى إليها عقولها وقلوبها.. خاصتها وجماهيرها..

كان هذا هو قانون «التحديث» و«التصدي» على مر تاريخ الإسلام والمسلمين.. ولقد عاد ليعمل عندما عمت البلوى أثناء الحرب الاستعمارية الأولى (١٣٣٢ - ١٣٣٦هـ- ۱۹۱٤ - ۱۹۱۸م).. وفي أعقابها..

 ففي سنة ١٣٤٦هـ - ١٩٢٧م - بعد فشل المؤتمرات الحكومية وشبه الحكومية التي عقدتْ لإنقاذ الخلافة - اجتمع صفوة علماء الإسلام ومفكريه - بالقاهرة وأسّسوا جمعية «الشبان المسلمين».

 وإذا كان أمير الشعراء أحمد شوقي قد تحدث -في رثائه للخلافة - عن بكاء ممالك الإسلام ونواحي دياره على إسقاطها: وبكتْ عليك ممالك ونواح

فلقد كان حسن البنا - مع ثلاثة من رفاقه - يبكون بكاءً حقيقيًا على الخلافة الإسلامية.. وعلى الحال الذي وصلتْ إليه الأمة.. مع معاناة التفكير - ليل نهار - فيما يجب عمله لإنقاذ الأمة من هذا المنحدر

الخطير الذي سقطتْ فيه.

وعن هذه الحال النفسية التي عاشها الفتى ابن العشرين عامًا.. المتخرج من كلية دار العلوم- حدثنا فقال: «.... وليس يعلم إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلتْ إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلِّل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء!.. وكم كنّا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة، والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون على أندية الفساد والإتلاف...».

ثم يمضي للإشارة إلى «القرار التاريخي» الذي اتخذه- هو ورفاقه الثلاثة-في «اللحظة التاريخية»

فيقول:

«لقد ألهبتْ هذه الحوادث نفسي، وأهاجتْ كوًّامن الشجن في قلبي، ولفتتْ نظري إلى وجوب الجد والعمل وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه والتأسيس بعد التدريس...» (۱)

 هكذا كانتْ سنة ١٣٤٧هـ - ١٩٢٨م، هي سنة «اللحظة التاريخية» التي مثَّلتْ «التطور النوعي» لإنجاز الشيخ حسن البنا في سياق تطور المشروع الإسلامي للنهضة الحضارية، وتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام.. «اللحظة التاريخية» التي أدرك فيها هذا الرجل الملهم والمبارك أو تصاعد التحديات.. وثغرات الاختراق، وعموم البلوى، إنما تتطلب الانتقال بالقضية من إطار الصفوة والنخبة - التي كانت عليه منذ «العروة الوثقى» وحتى «الشبان المسلمين» إلى الدائرة التي تشترك فيها الأمة مع «النخبة» وإلى المستوى الذي تسهم فيه «الجماهير» مع «الصفوة» في مواجهة التحديات.

فالغرب الاستعماري والفكري لم يعد «على الأبواب» -كما كان الحال في عصر الأفغاني- وإنّما أصبح في داخل «المعدة الإسلامية»!.. والتخلُّف الموروث لم يعد بالثقل الذي كان عليه في عــصــر الأفغاني، ومحمد عبده، وإنّما أصبح الثقل لخطر التغريب.. فتغيرت- إذا - موازين التحديات، الأمر الذي فرض إعادة الترتيب للأولويات.

لقد كان النصف قرن الذي مضى من عمر الجامعة الإسلامية تأسيسًا لمشروع النهضة الإسلامية.. وتكوينًا «للعقل» القائد لهذا المشروع.. وأمام تصاعد التحديات.. والاختراق من الداخل.. كان لابد من بلورة جسم، لهذا «العقل»!.. فكان الإنجاز التاريخي لحسن البنا، في سياق الإحياء الإسلامي: الانتقال «بأسس المشروع الحضاري» و«مناهج التجديد لدين الأمة ودنياها» إلى «معالم» أشد وضوحًا، وأكثر تفصيلًا، وأقرب إلى التنزيل على الواقع الذي استجد، والمتغيرات التي حدثت في موازين التحديات، حتى يقترب هذا المشروع و«معالمه» من «البرنامج» المقدم إلى «الجماهير».

 وأيضًا الانتقال بالتنظيم الحامل للرسالة من إطار «الصفوة»- صفوة أولى الأمر- كما كان الحال في «جمعية العروة الوثقى» إلى إطار الجماهير، كما تجسد في «جماعة الإخوان المسلمين».

 تلك هي «اللحظة التاريخية» لحسن البنا.. وذلك هو «التطور النوعي»، و«الإضافة الكيفية» لإنجازه، في السياق الحركة الإحياء الإسلامي الحديث... وتلك هي «بصمته» المتميزة في ظاهرة الصحوة الإسلامية المعاصرة.

الهامش

(۱) مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس، ص ١٥٠، ١٥١ طبعة القاهرة، دار الشهاب بدون تاريخ.

الرابط المختصر :