العنوان الجامعات الإسلامية الأمريكية والبناء الحضاري
الكاتب صلاح الدين سلطان
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001
مشاهدات 95
نشر في العدد 1450
نشر في الصفحة 52
السبت 12-مايو-2001
• مشروع يهدف إلى إعادة البناء الحضاري عالميًّا وتصحيح مسار الحضارة المادية دون مقاطعتها
قطعت الحضارة المادية المعاصرة شوطًا هائلًا في الجانب التكنولوجي، مما هيأ للإنسان أن يتحكم عن طريق «الأزرار» في كثير مما حوله بدءًا من إعداد قهوة الصباح، وانتهاء بغزو أجواء الفضاء، أو أعماق البحار، والاتصال عبر شبكات الهواء والإنترنت وغيره، وهي نقلة حضارية مثمرة، لكن في طياتها ألوان من العنف الدولي والاحتكارات والشذوذ والتحلل الأخلاقي، والفوارق الاقتصادية بين شعوب الوفرة والشعوب المطحونة، ولذلك علة واضحة هي أن حضارة اليوم تتجه إلى بناء ما حول الإنسان لكن تفقده روحه وقدرته على التحكم في نفسه وأهوائه، وتهمل رغباته النفسية والروحية.
والطفولة في الغرب محظوظة بألوان من المتع المادية، واللهو، والفن، والحدائق، و.. لكنها محرومة من الأمومة، والأبوة، والأسرة المتكاملة، والشائع هو نظام العائل الواحد للأولاد أبًا أو أمًا، مما دفع بعدد من الباحثين الغربيين من أمثال: جاك بيرك، ومكسيم رودنسویه «فرنسا»، وهومي بابا وأوشل وديريك «إنجلترا»، وفيتالي ناوومكين والكسندر سميرنوف «روسيا»، وكارمن رويث ورودولف بيترز ونانسن «هولندا»، وروجر أوين، وجون فول وريتشارد بولت «أمريكا»، وفرنشيسكو وأمالدي من إيطاليا، وجور دروث كرامر، وهيللر وفيلد من ألمانيا، إلى أن يحكموا على أن حضارة الغرب لم تلب احتياجات الإنسان المعاصر، وأنها أشبعت جانبًا على حساب آخر، وهو سبب رئيس لعودة كل ذي دين إلى أصوله وقواعده، ولن أضع ضمن هؤلاء- رغم وجاهة عرضهم وموضوعيته- د. علي عزت بيجوفتش رئيس البوسنة في كتابه القيم: «الإسلام بين الشرق والغرب»، حتى لايكون هذا من حكم الغير.
والمخيف أن بناء ما حول الإنسان دون بنائه من الداخل يعني أنهم قد يصلون إلى ما وصفه القرآن الكريم ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾ (سورة الحشر آية: ٢).
تصحيح مسار الإنسان
ونحن المسلمين نعتقد اعتقادًا راسخًا، أننا جئنا لتصحيح مسار الإنسان والحضارات، لا لنحطمها مثلما فعل الروم الذين أحرقوا من كتب أرشميدس خمسة عشر حملًا ، وكما فعل المغول الذين ألقوا بتراث المسلمين وكتبهم في نهري دجلة والفرات، وكما يفعل اليهود اليوم في إزالة المعالم الدينية الإسلامية من القدس، في الوقت الذي كان فيه المسلمون يترجمون حضارات الغير، ويعطون على كل كتاب تُرجم وزنه ذهبًا، حتى لو ترجمه إسحاق بن حنين، أو يوحنا بن ماسويه، جاء المسلمون من الصحراء، فصنعهم الإسلام عقيدة وأخلاقًا وتشريعًا، بدءًا بالفرد من داخله، ومرورًا بالأسرة، ثم المجتمع، والدولة والأمة، والعالم، حتى قالت «الألمانية» «هونكه» في كتابها : «إن هذه الطفرة العلمية الجبارة التي نهض بها أبناء الصحراء من العدم، لمن أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشري، وهي معجزة عقلية جبارة لا نظير لها، حيث حمل هذا الشعب الصحراوي، لواء النهضة العلمية الفكرية إلى العالم، وبسرعة البرق، وظلوا يحملون صولجان السيادة الثقافية في العالم ثمانية قرون».
فمن البدو الرحل، كان علماء القرآن، والحديث، والسيرة، والفقه، مثل: ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وهؤلاء تحركوا في الجزيرة كلها، علماء، وفاتحين، وفي العراق، والشام، ومصر، وخلفوا وراءهم علماء ربانيين فاتحين، فوصلت حضارة الإسلام إلى أغوار الهند، والسند، وأوروبا، وتطورت حضارة الإسلام بالعلم الشرعي إلى العلم التكنولوجي المتطور وفقًا لظروف عصرهم، فمن هؤلاء العلماء:
۱- في الطب: ابن النفيس وابن سينا والرازي.
٢- في الصيدلة: أبوبكر البيطار والإدريسي والكندي.
٣- في الميكانيكا: المروزي وأبو سهل ويحيى بن رستم.
٤- في الفلك: الفزاري والبيروني والخازن والجوهري وابن حيان.
٥- وفي الرياضيات: ابن الهيثم والخوارزمي والكرابيسي.
ويكفي أن نضرب مثالين عمليين في ذلك لفتًا للانتباه، وليس حصرًا للطفرة الحضارية:
١- أول من إكتشف الصفر هم المسلمون الذين ابتكروا الأعداد العشرية، والمئوية، والألف، لأن Mdcccxxv فكانت لغة الأرقام الرومانية قبلهم لرقم مثلًا (۱۸۲٥) على النحو التالي: فحولها المسلمون إلى (v= 5)و (x= 10)و (c= 100)و (d= 500)و (m= 1000)مقدار هذه الأرقام السهلة ، ولولا اكتشاف الصفر لكان من الصعب الدخول في عصر الكمبيوتر والإنترنت.
٢- كان الطبيب المسلم الرازي أول من اكتشف: الفرق بين الجدري والحصبة، ونصح ترك خياطة الجروح بالكتان واستعمال خيوط من أمعاء الحيوان، ونصح حفظ الأدوية في قنينة زجاجية لا فخارية حتى لا يتفاعل معها، ونصح أن يكون للمريض طبيب واحد يحيله إلى غيره عند الحاجة.
وإذا تساءلنا كيف حدثت هذه الطفرة الحضارية الإنسانية، أقول: إن فلسفة الإسلام قامت على ركائز ثلاث:
- التربية العقلية بالفكرة القوية، وهو ما يسميه علماء التربية الحديثة بالهدف المعرفي.
- التربية الإيمانية للروح والقلب بالفطرة النقية، وهي التزكية التي ألح عليها القرآن﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (سورة الشمس آية: ٩)، ويسميه علماء التربية الحديثة بالهدف الوجداني.
البناء الحضاري الإسلامي
- التربية الجسدية بالحركة الفتية: وهي تجعل الجانب العملي للجوارح صادرًا عن وعي عقلي، ونقاء قلبي، ونشاط حركي، وهو الذي يعرفه علماء التربية الحديثة بالهدف السلوكي.
هذا التكامل بين التربية العقلية، والقلبية، والجسدية، هو أساس البناء الحضاري الإسلامي الذي يجعل الإنسان يعمر عقله بالعلم، وقلبه بالإيمان، وجسده بالعافية، وما حوله بعمارة الأرض فهو عنصر بناء لا هدم.
ومن هنا كان مشروع الجامعة الإسلامية الأمريكية يهدف إلى إعادة البناء الحضاري ليس للمسلمين، بل للأمة وللعالم، لتصحيح مسار الحضارة المادية دون مقاطعتها، وهو الذي عبر عنه أ.د يوسف القرضاوي رئيس مجلس أمناء الجامعة: «تعامل بلا ذوبان، وتماسك بلا انغلاق»، بإعداد جيل جديد من الرجال والنساء دعاة على بصيرة ووعي بلوازم الداعية أيًّا كان موقعه وعمله، هذا الوعي والبصيرة يمكن فهمه في ضوء العبارة التالية: علم محمد عليًّا الإسلام، حيث تحتوي هذه العبارة على المعاني التالية:
- أن الفعل تعليمي، وهو يشمل الهدف المعرفي والوجداني والسلوكي، أي للعقل والقلب والجوارح.
- أن محمدًا عنده علم بأصول الإسلام وقواعده ومقاصده فهي جزء أساسي من البصيرة.
- أن لدى محمد معرفة من الناحية النفسية والاجتماعية وآلامه وأحلامه.
- أن عند محمد خبرة بطرائق توصيل الإسلام إلى علي.
من هنا، كانت الخطوة الأولى في مشاريع الجامعة الإسلامية الأمريكية، هي صناعة الدعاة والأئمة والمدرسين، سواء في مجالات الحياة اليومية، أو المدارس، والمراكز، والمؤسسات الإسلامية، ولكل ما يؤهله، بدراسات تشمل:
أولًا: العلم الشرعي من قرآن، وسنة، وفقه، وسيرة، وحضارة، وتاريخ، ودعوة.
ثانيًا: العلم بالواقع المعاصر، والأمريكي خاصة، من حيث النظم السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والإعلامية، والفنية، والتعليمية، ومشكلاته، وتطلعاته.
ثالثًا: العلوم التربوية والنفسية لاختيار أفضل الطرق لتوصيل الإسلام إلى المسلمين الذين جرفهم تيار الحضارة المادي، ومازالوا يسبحون في شهواتها العرمة، أو غير المسلمين الذين أغرقهم بريق الحضارة، ففقدوا التوازن بين غذاء العقل والروح والجسد.
العلوم التكنولوجية
على أمل أن تكون الخطوة الثانية هي دراسة العلوم التكنولوجية برؤية إسلامية حضارية، تصنع المعايير العقيدية، والأخلاقية، والتشريعية، وتطلق للعقل العنان في الابتكار لإسعاد الإنسان والحيوان في الدنيا والآخرة معًا، فهي رسالة لتصحيح المسار، وتنفي أسلوب الانزواء، أو نفي الأغيار، أو الحكم على الآخرين بالويل والدمار.
إننا نرجو أن تخرج الجامعة الإسلامية الأمريكية من الدعاة أمثال من أخرجتهم الأرض الإسلامية في شرق آسيا منهم شاه الله الدهلوي، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، ومحمد إقبال، أو في منطقة الخليج مثل: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن علي الشوكاني، والشيخ عبد العزيز بن باز، أو من في منطقة مصر والشام من أمثال: الإمام الشهيد حسن البنا، والشهيد سيد قطب، والشهيد عبد القادر عودة، ومحمد عبده، والقرضاوي، والغزالي، والسباعي، والأشقر، وعز الدين القسام، ومن المغرب العربي: عمر المختار، وعبد الحميد بن باديس، وراشد الغنوشي، ومالك بن نبي، ومن أمريكا نريد دعاة في مستوى أ.د جمال بدوي، وأ.د أحمد القاضي و...... نريد أن يخرج من صلب هذه الأرض نور يضيء للبشرية طريقها، ويعيد للحضارة المادية رشدها وتوازنها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل