العنوان الثورة والأزهر والإمام الأكبر
الكاتب د. عبد الرحمن البر
تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1946
نشر في الصفحة 66
السبت 02-أبريل-2011
من أعظم بركات «ثورة ٢٥ يناير» أنها حركت الأمة بكل طوائفها نحو المشاركة في حمل همومها وتبني قضاياها، وتوكيد الانتماء لهذا الوطن العزيز، والجدية في البحث عن أسباب نهوضه وتقدمه، فنشط الكسول وانتفض الخامل، وتشجع الخائف، واختفت اللامبالاة والسلبية والإمعية، وبدأ هذا الشعب الكريم يُخرج أنبل ما فيه، وصار الجميع يتنافسون في تقديم الرؤى والتصورات، ويبذلون الجهود للدفع باتجاه مستقبل مشرق لهذا الوطن العزيز.
في هذا الإطار كانت التحركات الشعبية على مختلف الأصعدة لإسقاط الفساد ورموزه حيثما وجدوا، وحققت الثورة الكثير في هذا الصدد، وبقي الأكثر الذي يحتاج إلى بقاء روح الثورة متوقدة وبقاء عيون الثائرين يقظة حارسة حتى لا يلتف على الثورة المحتالون ولا يعوق مسيرتها في التطهير بقية من المفسدين لا تزال تتحكم في كثير من مفاصل الدولة ومؤسساتها المختلفة.
على أننا إذ نتداعى إلى اليقظة والانتباه وحراسة الثورة ومنجزاتها وكشف تلك البقية المفسدة يجب علينا ألا نتجاوز حدود الحقيقة والشرع إلى ترويج الأباطيل، أو اختلاق الافتراءات، أو الجري وراء الشائعات.
ولهذا، فقد ساءتني تلك الحملة التي تبنتها بعض الصحف والمواقع الإلكترونية على أحد الرموز التي أعتبرها رموزًا إصلاحية مضيئة في حياتنا، وهو فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر وقد كتبت سابقًا قبل الثورة في مناسبات عدة أشيد ببعض مواقف الرجل في محاربة الفساد في الأزهر، وفي تقديره لعلماء الأمة، وفي الرد على المسيئين للإسلام، وفي نقده لوثيقة بابا الفاتيكان، وفي موقفه المؤيد للمجاهدين في فلسطين، وفي موقفه الصارم الرافض للتعامل مع الكيان الصهيوني، وغير ذلك من المواقف المشرفة والتي كانت غير مألوفة من المسؤولين عن الأزهر في العهد البائد، وكان من الواضح أن الرجل منذ تسلم المشيخة شديد الحرص على الأخذ على يد المفسدين، بعد أن بلغ الفساد في المؤسسة الأزهرية مداه، مما أحنق عليه الكثيرون الذين سقطوا في هذا الفساد.
ومع أن موقف فضيلته في بداية الثورة كان - من وجهة نظري ملتبسًا وغير مفهوم، فإن الرجل لم يلبث أن أوضح موقفه وأبان عن رأيه المؤيد للثورة بوضوح مما يذكر له بالتقدير، ثم تتالت مواقفه الكريمة حين طالب حكام العرب والمسلمين بمنتهى الوضوح أن يقدموا حقن دماء شعوبهم على الاحتفاظ بكراسي الملك والسلطة، وحين بادر إلى الإعلان عن قبوله أن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخاب.
فضلًا عما عرف به الرجل من صلاح ظاهر ونزاهة وعفة يد تضعه في مصاف الورعين الذين يتركون تناول بعض الحلال مخافة الحرام ويتنزهون عن أخذ ما لا بأس بأخذه حذرًا مما به بأس، حتى إنه ترك مخصصاته ومكافآته الرسمية المحددة في القوانين واللوائح لمن يتقلد منصب شيخ الأزهر، كما امتنع من قبول المخصصات الكبيرة التي خصصت لمكتب فضيلته، وحول جزءًا كبيرًا من هذه المخصصات إلى العاملين بالأزهر، بل إنه يصر على أن تكون استضافة زواره في المشيخة على حسابه الشخصي، ومؤخرًا فإنه يحرج السابقين واللاحقين بإصراره على إعادة رواتبه التي تقاضاها عن قيامه بمنصب المشيخة؛ ليكون عمله الكبير احتسابًا لوجه الله تعالى، وهذا كله يجعلنا أمام شخصية جديرة بالاحترام والتقدير، ومؤهلة لتكون نموذجًا حسنًا وقدوة طيبة لكل المسؤولين.
لا شك أن هذا العمل الجاد الذي قام به فضيلة الإمام جاء على حساب بعض ذوي المناصب من العاملين في المشيخة الذين كانوا يتقاضون عشرات الألوف شهريًا، ويقبضون مكافآت ضخمة على أعمال متوهمة، ولا ريب أن هذا الذي صنعه الشيخ أثار حفيظتهم، وربما دفعهم إلى انتهاز الحالة شبه السائبة التي تمر بها البلاد في محاولة النَّيْل من الرجل ومن مقام المنصب الكريم، وساعدهم على ذلك بعض ذوي الأغراض الشخصية، وانخدع بهم بعض المخلصين خصوصًا من شباب الأزهر والدعاة والأئمة الذين لا يقصدون سوءًا ولا يسعون إلى شر.
ولعل فضيلة الإمام هو المسؤول الوحيد من بين كبار المسؤولين في الدولة الذي بادر بتشكيل لجنة من كبار فقهاء الدستور والقانون لمراجعة القانون الذي يحكم عمل المؤسسة التي يرأسها، معلنًا استعداده التام للقبول بجعل مشيخة الأزهر بالانتخاب بعد إعادة هيئة كبار العلماء، وهذا مما ينبغي أن يُذكر للرجل ويُشكر عليه.
ويبقى أن نتوجه إلى اللجنة الموقرة التي تتشكل من فقهاء كبار وأساتذة عظام جميعهم فوق مستوى الإشادة والتقدير، نتوجه إليهم بالعناوين الأساسية التي يجتمع عليها الكثير من الأزهريين؛ لتكون بين أيديهم لدى صياغة القانون الجديد إن شاء الله، وأهمها العمل على استقلال الأزهر ماليًا وإداريًا، ودعمه للقيام بمهمته العالمية في دول العالم المختلفة، والعمل على إعادة هيئة كبار العلماء وتحديد الضوابط للانضمام إليها، والعمل على جعل كل المناصب الكبرى في الأزهر بالانتخاب ولمدتين فقط، بدءًا من منصب الإمام الأكبر ووكلائه الذين يجب أن تختارهم هيئة كبار العلماء من بين أعضائها، ومرورًا برئاسة الجامعة وعمادة الكليات ورئاسات الأقسام الذين يجب أن يختارهم أعضاء هيئات التدريس بالجامعة من بين أساتذتها، وانتهاء بالاتحادات الطلابية على كل المستويات التعليمية الأزهرية الذين يختارهم الطلاب من بينهم، والعمل على ضم كافة مؤسسات الدعوة الإسلامية والمساجد والتعليم الأزهري والإفتاء والبحث الشرعي لتكون تحت إدارة الأزهر، والعمل على قصر عمل هيئة الأوقاف على إدارة الوقف الخيري والأهلي بما يحقق الأغراض التي أرادها الواقفون، وبما يشجع أهل الخير ورجال الأعمال في الأمة على العودة إلى هذا النظام الإسلامي الرائع.
الرابط المختصر :