; الثورة تنتصر.. منسأته تتآكل.. كما تدين تدان! | مجلة المجتمع

العنوان الثورة تنتصر.. منسأته تتآكل.. كما تدين تدان!

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011

مشاهدات 51

نشر في العدد 1940

نشر في الصفحة 26

السبت 19-فبراير-2011

  • قيل عنه: شخصية بطيئة الفهم.. موقفه جر عليه جزاء من جنس عمله حيث قوبل عناده بعناد الشباب الثائر.
  • هذا الشباب تحرك لينتزع حق الشعب من عصابة النظام.. واكتشفنا أنهم جيل المبادرة والشجاعة ونحن جيل الولولة!

إنها ملهمة لكل العالم.. هكذا صرح واعترف الرئيس الأمريكي باراك أوباما، عندما وصف ثورة شباب مصر في يوم ٢٥ يناير ۲۰۱۱م، وما تبعتها من تداعيات محلية وعالمية. ذلك اليوم الزلزال وتوابعه المستمرة وتداعياته المتعددة محليا وعالميا ليس مجرد ثورة واحدة لشباب أرض الكنانة ضد الطاغية وأعوانه ونظامه؛ بل هي منظومة مركبة من الثورات الخاصة والعامة داخليًا وخارجيًا. 

وتلك هي خواطري التي استطعت أن الملمها من أركان داخلي، وجمعتها من زوايا نفسي، بعد أن أفقت نسبيا من وقع هذا الزلزال الذي أصاب كل أجيالنا المصرية والعربية والإسلامية بل والعالمية، خاصة جيلي الذي سميته يوما «جيل الأحلام المسروقة»! ماذا أقول لهذا الجيل العظيم من شبابنا الجميل الذي أحدث العديد من التحولات الفكرية والسلوكية.. وهذه بعض المشاهدات التي نعتبرها محطات أو منعطفات غيرت من شخصياتنا ومن حياتنا ومن مصرنا الحبيبة. 

غيرتمونا وأخجلتمونا 

لطالما حزنت على جيلي - جيل الأحلام المسروقة - جيل أبناء خمسينيات وستينيات بل وسبعينيات القرن الماضي جيل الثورة المجيدة، وعلى أحلامه التي سرقها رجال ثورتنا التقدميون الاشتراكيون وهم يستولون على حلمه الكبير.. وإذا بتلك العصابة التقدمية تمسك بزمام السلطة والثروة ويصبح أفرادها سوبر باشاوات بعد أن زال الباشاوات! 

وكان كل ما نمتلكه لمحاربتهم مجرد كلمات وصرخات مكتومة ومقالات وكتب ترص على الأرفف وحسرات وعيون زائغة من القهر والركون.

 ولكن هذا الجيل تحرك لينتزع حقه وحقنا من تلك العصابة واكتشفنا أنهم جيل المبادرة والشجاعة ونحن جيل الولولة!

شرفتمونا 

ولكم رددنا وكتبنا عن خوفنا من تأكل القوة المصرية والعربية الناعمة وهشاشتها. وكنا نقصد بالقوة الناعمة تلك العوامل التي تشكل قوة غير خشنة وغير عسكرية للأمة وهي التي تصنع مهابتها الفكرية والثقافية والأدبية والعلمية والمعلوماتية والإبداعية والتي بها تؤثر في غيرها من الأمم معنويا وتصنع حصونا داخلية تحميها من أمراض التميع والانزواء والوهن الحضاري.. فهي قوة حماية وحصانة داخلية، وقوة تأثير ومهابة خارجية، ومن أعظم عوامل تدميرها المناخ السياسي وحصاده المر.

 فإذا بهذا الجيل يقلب الطاولة علينا وعلى العالم فيشرفنا ويشكل قوة مصر العظيمة الناعمة في «ميدان التحرير» ويعيدها إلى مكانتها الرائدة الشامخة في صنع الأحداث والتأثير في الآخرين، ووجدنا أنفسنا نردد كلمات حافظ إبراهيم - يرحمه الله - وهو يبكينا في قصيدته «مصر تتحدث عن نفسها»: 

أنا إن قدر الإله مماتي 

                           لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي 

أخرستمونا! 

بماذا يرد جيلي وجيل آباء واجداد هذا الجيل العظيم الرائد عندما يرى في عيون أبنائه وهم يقولون في أنفسهم ما أعلنه أحد المحتجين الذي صمم على عقد قرانه في الميدان قائلا: نحن لا نتسلى ولا نهزل فنحن صامدون ونقول لآبائنا لن نسامحكم على قبولكم الظلم والقهر والفقر والفساد؟! 

دموع وقحة!

لقد كان الزلزال العظيم يوم جمعة الغضب الموافق ٢٨ يناير ۲۰۱۱م، هو ذلك الانهيار المربع للمؤسسة الأمنية المرعبة التي كانت تستولي على حوالي ١٥ مليار جنيه من ميزانيتنا السنوية، حتى تغولت وأدخلت أنفها في تعيين وسفر ويوميات كل مواطن شريف!

وكان جيلي ينظر إليها برعب ورهبة ولكن هذا الجيل استطاع أن يتحداها بصدره العاري كما انتشرت صور تحديه واستشهاده على كل المواقع والفضائيات. 

وقد شاهدنا اللواء فؤاد علام، المتحدث الرسمي والمدافع الشرس - رغم تقاعده يستمع على إحدى الفضائيات إلى صرخات الضباط الهاربين الكارهين لعملهم ولخيانة قادتهم، ثم جاءت اللحظة الفاصلة لنراه يذرف الدمع متألماً من الفضائح العلنية فانقلب السحر على الساحر! 

فجزاكم الله خيرا أيها الشباب، فقد أخذتم بثأر جيلنا المرعوب الرخو من هذا الرمز الكريه ومن مؤسسته.

جرائم مفضوحة 

ولطالما كنا نسمع اللواء نبيل لوقا أحد الأبواق الإعلامية للمؤسسة الأمنية، وهو يبرر وينافح ويدافع عن جرائمها، حتى صرنا نتندر على قسمه الشهير على الفضائيات وأعدم أولادي، ليس هناك تعذيب في مصر، ثم رأيناه يستجدي ويصرخ ويردد مرات ومرات يا أمريكا.. اتركينا شهرين! 

يا إلهي هل بعد هذه العقود من الفساد والقهر والكبت والظلم تستجدون وتطلبون مهلة شهرين؟ 

وبعد انكشاف سوءات المؤسسة الأمنية وخيانة قادتها، وافتضاح جرائمها بالأبرياء نقول له: هل ستعدم أولادك؟! 

شهادة ملعونة 

ثم رأينا محمد حسنين هيكل، يقول عن نفسية «مبارك» وسلوكياته وتفاعله مع ذا الأشخاص والأحداث إنه شخصية بطيئة من الفهم بطيئة رد الفعل وأحد المقربين منه قال عنه: إنه يمتلك دكتوراه في العناد.. 

فبئست تلك الشهادة الملعونة التي أودت ببلادنا. وبئس المصير الذي ينتظر حاملها!  

والنتيجة أن عناده يجر عليه جزاء من جنس عمله حيث يُقابل عناده بعناد الشباب؛ فكلما رأوا تنازله يومًا بعد يوم يعاندون ويرفعون سقف طموحاتهم ومطالبهم. 

«الحرباء» يكشف السر  

وكان من المشاهد العجيبة، بروز سمات المنافقين المتلونين من حملة المباخر للسلطان؛ ما ومنهم محمد علي إبراهيم: هذا الكاتب الحرباء الذي طالما كتب عن شرفائنا، ووصم واه كل فريق بسلة من الكلمات السوقية مثل: «المحظورة» و«شهيد البانجو»، ويقصد به الشاب الشرارة خالد سعيد..  

فاليوم نقرأ له في صحيفة «الجمهورية». واصفا المادتين (٧٦) و (۷۷) من الدستور بأنهما من المواد المفصلة على مقاس جمال مبارك، كاشفا لنا مغزى شعار أسياده: «من أجلك أنت»! 

فزاعة بطل مفعولها 

وكان من المحطات العجيبة ذلك التحول. م في رأي النظام حول «فزاعة» الإسلاميين التي كان يصدرها للغرب حتى لا يطمعوا: في البديل فرأينا رموز النظام يستجدون الإخوان المسلمين للحوار، ورأينا «أوباما» يعلن: أنهم مجرد فصيل من الفصائل المصرية على الساحة.

ثأر دفين  

ومن العجيب أن نرى كل مقار هذا الحزب بـ الفاسد وهي تشتعل نارًا ورمادًا خاصة والمقر الرئيس: فنكتشف مدى كراهية الشعب للظالمين والجلادين وندرك حقيقة شعبيتهم بيننا ومدى هذا الثأر الدفين الذي تشكل طوال سنوات عديدة. 

مخزون إستراتيجي 

وعندما شعروا بنهايتهم وبالخطر المحدق بهم وبعد فشلهم في مواجهة طوفان الثورة قام رجال الأمن بإطلاق السجناء والبلطجية لينشروا الفوضى والذعر في الشارع، وهو يكشف لنا الاحتياطي الإستراتيجي والسلاح السري للنظام الفاسد، وهو حصاد المنظومة مكوناتها السلطة والثروة والأمن والتزوير والفساد! 

موقعة «الجمل» 

أما فضيحة موقعة الجمل الشهيرة في ميدان التحرير: فهي تكشف لنا عنوان الحكومة الإلكترونية، وتكشف الحصاد النكد الأقطاب لجنة السياسات وفكرهم الجديد وهذه المواجهة المضحكة البائسة تكشف كيف يكون الفرق بين فكر شباب الفيسبوك والإنترنت وفكر أصحاب الجمال والبغال! 

كشف العملاء 

أما المحطة أو النتيجة الأخطر، فهي أن هذه الثورة الشبابية قد أحدثت فرزًا يميز بين الشرفاء وعملاء النظام من المفكرين والسياسيين والإعلاميين بل وفي كل مجال... ويكفي ما رأيناه من طرد «مكرم محمد أحمد» من النقابة بطريقة يستحقها من جموع الشرفاء من الصحفيين. 

جزاء مستحق 

ولعلنا، ونحن نتابع ونتفاعل مع يوميات الثورة وثوارها، نتذكر كيف أن هذا النظام الفاسد القمعي قد قتل أجيالًا منا على مدار عقود عجاف كتيبة بائسة، وكأنه كان يمارس طريقته الجهنمية بالقتل التدريجي والموت البطيء.. لذا وجدنا من فعاليات الثورة والثوار الشباب الأبطال ومن سار في ركبهم أنهم بتصميمهم وبرفع سقف طموحاتهم وضرباتهم يومًا بعد يوم قد رسموا لنا صورة نظام يتكئ على عصا قديمة هشة كل يوم تتأكل بفعل الضربات ويفعل دابة الأرض التي تنخر فيها ساعة بعد ساعة فلعل الله يريد له أن يسقط صريعًا بالتدريج، وبموت بطيء يشفي غليل المظلومين ويسر قلوب المؤمنين والجزاء من جنس العمل!

الرابط المختصر :