العنوان الثورة تنتصر.. مصر بعد «مبارك».. عهد جديد
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011
مشاهدات 69
نشر في العدد 1940
نشر في الصفحة 14
السبت 19-فبراير-2011
- لقد اتسم مبارك طوال حكمه بانعدام المسؤولية.. وقبل رحيله أحدث فوضى عارمة يستحق عليها المساءلة.
- رئيس المحكمة الدستورية العليا يمكنه تولي الرئاسة مؤقتا.. في مرحلة انتقالية يقوم فيها الجيش بإجراءات وتدابير.
- الهدف النهائي الذي يتفق عليه كل المصريين هو بناء نظام ديمقراطي جديد لا إقصاء فيه لأحد.
- الشرعية القائمة التي يستخدمها الجيش هي صلاحياته في إدارة شؤون البلاد من الرئيس المخلوع.
- في خضم الاحتفالات الصاخبة ينبغي ألا ننسى شهداء الثورة وجرحاها الذين ضحوا بدمائهم فكانت هي ثمن النصر .
أسقط الشعب النظام، وبدأ عهد جديد.. نمر الآن بمرحلة الانتقال والتحول إلى نظام ديمقراطي نيابي جديد تكون الأمة فيه مصدر السلطات، وليست السلطة فيه فرعونية ولا مؤبدة.. والانتخابات الحرة النزيهة هي التي تحقق تداول السلطة بين الأحزاب والقوى السياسية.
استيقظ المصريون ليلة ١١ فبراير ٢٠١١م ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا عام (١٩٤٩م) على صباح جديد يوم ۱۲ فبراير حيث وجدوا نظامًا استبدادًا فاسدًا مفسدا انهار فجأة بعد ۱۸ يومًا من الثورة والفوران وصدق الله العظيم: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾ (سبأ: 14).
اتفق المصريون جميعًا على هدف واحد وأنجزوه بعون الله تعالى، دون مساعدة من أي قوى أخرى إلا قوة الله التي نفخت فيهم من روح الله، أسقطوا النظام وتمثل ذلك في تنحي «مبارك»، لأول مرة في تاريخ مصر.
وتتباين اليوم آراء المصريين حول المرحلة الانتقالية، وهذا لا يزعج أحدًا؛ لأن الهدف النهائي الذي يتفق عليه كل المصريين هو بناء نظام ديمقراطي جديد لا إقصاء فيه لأحد، ولا سيطرة لهيئة أو مؤسسة أو حزب الشعب فيه هو الضمان الحقيقي لعدم تكرار ما حدث من قبل، والجيش فيه ضامن لعدم الانقلاب على الدستور كما حدث من مبارك وابنه وعصابته التي ظهرت جرائمها الآن للعيان والرأي العام فيه حر لا تحجب عنه أي معلومة، والحوار فيه متكافئ بين الجميع في إعلام حر ملك للجميع، والدولة فيه هي دولة القانون والدستور وليست دولة القرار الواحد والحقوق فيه متساوية بين كل المواطنين في الواجبات.
وفي خضم الاحتفالات الصاخبة التي نشكر فيها الله عز وجل على فضله ونعمته، لا ننسى فيها أمرين:
أولهما: شهداء الثورة وجرحاها، الذين ضحوا بدمائهم فكانت هي ثمن النصر ﴿ويتخذ منكُمْ شُهَدَاء﴾ (آل عمران: ١٤٠).
هؤلاء يجب علينا أن نتداعى جميعًا لدعم أسرهم، والوفاء لهم وتذكرهم على الدوام.
وثانيهما: التفكير الهادئ والسريع حول المرحلة الانتقالية، واضعين نصب أعيننا الهدف النهائي للوصول إلى بر الأمان، وهو عهد جديد ونظام ديمقراطي حر على أسس متينة راسخة.
شرعية جديدة
لقد اتسم «مبارك» طوال حكمه وعند رحيله بانعدام المسؤولية تماما، وأراد طوال حكمه وأثناء الثورة وعند تنحيه أن يحدث فوضى عارمة يستحق عليها المساءلة.. ظل طوال ٣٠ عامًا لا يعين نائبًا للرئيس، ويرفض تحديد مدة حكمه بدورتين، وقال: إنه سيظل معنا إلى آخر نفس يتردد وقلب ينبض.. وحاول طوال السنوات العشر الأخيرة أن يورث البلاد لأولاده الواحد بعد الآخر باستماتة شديدة.
وعندما ثار المصريون في ٢٥ يناير ۲۰۱۱م، نفذ وزير داخليته خطة موضوعة سلفًا لإحداث الفوضى في البلاد بإخراج آلاف المساجين الجنائيين من الزنازين، وتدمير جهاز الشرطة ومقراته لتغرق البلاد في العنف والعنف المضاد.. وعندما قرر الرحيل بعد محاولات للالتفاف على مطالب الجماهير استجدى عطف القادة العسكريين ليبقى إلى آخر رمق في السلطة، فكان خروجه على الدستور ليضع البلاد في مأزق دستوري، ولم يستخدم أي مادة من مواد الدستور القائم، ولم يستجب لطلب المعارضة بإلغاء حالة الطوارئ وحل البرلمان.
هنا بدأت الاجتهادات تتوالى بين مسارين وقد انهارت شرعية النظام بعد تأكلها على مدار عقود وسنوات، وبدأنا نعد البلاد الشرعية جديدة يضعها الشعب.
والسؤال الملح هل نهمل الدستور القائم تماما وفق إعلانات دستورية أو دستور مؤقت أو بدون دستور (هذا ما حدث بعد حركة الجيش عام ١٩٥٢م) أم نسترشد بالمبادئ والأسس والمواد الدستورية القائمة في دستور ۱۹۷۱م، والتي لم يشملها الانقلاب الدستوري عام ٢٠٠٧م؟
نقطة خطيرة
إن القائلين بإهمال الدستور تمامًا يتغافلون عن نقطة خطيرة، وهي أن الجيش لم يقم بانقلاب عسكري ليتسلم السلطة، وإنما تسلمها ليدير البلاد في المرحلة الانتقالية وفق القواعد الدستورية ما أمكن ذلك، وعلى القوى السياسية أن تتعاون معه على الانتقال السلمي والسلس إلى الديمقراطية وتعود السلطة إلى الشعب.
ماذا قال الجيش حتى الآن في بياناته الأربعة حتى كتابة هذا المقال؟
في البيان الأول، كان النص واضحًا (انعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم الخميس ١٠ فبراير) تأكيدًا وتأييدًا لمطالب الشعب المشروعة، كان الانعقاد برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي، دون حضور الرئيس «مبارك»، وباكتمال القادة جميعًا دون غياب الأحد كما يبدو لنا.. وكان هذا اعترافا بالثورة التي أعلنها الملايين وأعطى الجيش الرئيس «مبارك» فرصة لمعالجة الأمور.
وفي البيان الثاني (الجمعة ١١ فبراير)، وبعد خطاب الرئيس الذي فوض فيه اختصاصاته لنائبه عمر سليمان الذي جاء متأخرا كالعادة، أعلن الجيش ضمان تنفيذ تعهدات الرئيس، وانتظر ليرى رد الفعل الشعبي الذي جاء عارما غاضبا محبطا، ولم يتعاطف أحد مع «مبارك» كما حدث مع خطابه الأول الذي بددته مجزرة الجمل والحصان يوم الأربعاء الدامي (۲فبراير)، الذي تصدى فيه الأبطال الشباب بصدور عارية، وسقط عشرات الشهداء وآلاف الجرحى برصاص القناصة وزجاجات المولوتوف والحجارة.
تعهد الجيش هذه المرة بالتزامات واضحة هي:
- إنهاء حالة الطوارئ فور انتهاء الظروف الحالية.
- الفصل في الطعون الانتخابية وما يلي في شأنها من إجراءات.
- إجراء الانتخابات التشريعية.
- الالتزام بالتعديلات التشريعية اللازمة.
- إجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة وفق التعديلات الدستورية.
كما أكد الالتزام السابق برعاية مطالب الشعب المشروعة، ومتابعة تنفيذها في التوقيتات المحددة حتى يتم الانتقال السلمي للسلطة، وصولًا إلى المجتمع الحر.. وتعهد أيضًا بعدم الملاحقة الأمنية للشرفاء الذين رفضوا الفساد وطالبوا بالإصلاح، وطالب المواطنين بضرورة انتظام العمل بمرافق الدولة.
نحن إذًا أمام مشروع جدول زمني، وترتيب للإجراءات المطلوبة خلال مرحلة الانتقال، وتعهدات واضحة لبقية المطالب المشروعة اقتصاديًا واجتماعيًا.
الذي غاب عن هذا البيان، وعلله لعدم حسم الأمور وبسبب بقاء الرئيس وتفويض الاختصاصات لنائبه هو الموقف من البرلمان المزور بمجلسيه الشعب والشورى، وكأن المطلوب هو تصحيح وضع البرلمان فقط دون حله ليقوم بإجراء التعديلات الدستورية وفق البيان الذي أعلن «عمر سليمان»، الذي لم يتخل عن خطته التي تسبق فيها الانتخابات الرئاسية تلك التشريعية، وهو ما يضع البلاد من جديد في قبضة رجل واحد دون مجلس تشريعي منتخب يمثل التيارات كافة.
إلا أن ما يلفت الانتباه أيضاً ذلك الترتيب الزمني الذي يمهد لما بعده من بيانات وإجراءات وهو تقديم الانتخابات التشريعية على تلك الرئاسية، وهو ما يوحى بأن الجيش المجلس الأعلى للقوات المسلحة لديه خبراء وفقهاء دستوريون يقدمون له البدائل المرحلة الانتقال الديمقراطي.
وكذلك جاء الحديث عن التعديلات التشريعية بعد إجراء الانتخابات التشريعية ليقوم بها برلمان حر منتخب، وليس برلماناً مزوراً يبصم ويوافق مكرها على ما يقدمه له الممسك بمقاليد السلطة كما كانت الحال من قبل.
الانفجار الكبير
انتظر الجيش رد فعل الشعب على خطاب الرئيس، وظل على ولائه للشرعية الدستورية التي تجعل رئيس البلاد ونائبه في السلطة رغم أنف الشعب.
هنا جاء انفجار الملايين الكبير في يوم الجمعة الأخير (جمعة التحدي)، وظهر واضحا للعيان أن الرئيس ونائبه لم يعد لهما مكان بعد أن أحبط الرئيس ونائبه آمال الشعب في تحقيق الأهداف العظيمة، وكان المطلوب من وجهة نظرهما فقط إصلاحات جزئية تسكن الأوضاع، وأن الشعب سينسى بعد حين.
وهنا جاء البيان الثالث (الجمعة 11 فبراير)، بعد أن رضخ «مبارك»، وأعلن نائبه عمر سليمان خبر تنحيه وتكليفه للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد دون استناد إلى المواد المعروفة سلفًا. وهي (٧٤) أو (٨٢) أو (٨٤).
وكان بيان الجيش مقتضيًا، إلا أن أهم ما يلفت الانتباه فيه التالي:
- جسامة التكليف وخطورته أمام المطالب الشعبية.
- التغييرات المطلوبة جذرية.
- أن المجلس يتدارس الأمر، وسيصدر فيما بعد بيانات تحدد الخطوات والإجراءات والتدابير.
- والأهم والأخطر أنه ليس بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب.
- تحية وتقدير للرئيس تحمل معنى ضمان سلامته الشخصية وعدم ملاحقته.
- تحية أكبر وأعظم الشهداء الثورة، ومعها تحية عسكرية تحمل دلالات خطيرة ومهمة.
خطوات ضرورية
والسؤال: ما الأساس الدستوري الذي استند إليه المجلس الأعلى للقوات المسلحة لأنه لم يقم بانقلاب لتسليم السلطة، ولكن تم استدعاؤه في لحظة وصفها بالتاريخية الفارقة؟
إن القوات المسلحة يحدد الدستور مهامها في المادتين (۱۸۰) و (۱۸۲)
تقول المادة (۱۸۰): «إن الدولة وحدها هي التي تنشئ القوات المسلحة، وهي ملك للشعب مهمتها حماية البلاد وسلامة أراضيها وأمنها» (الفقرة الأولى)
وتقول المادة (۱۸۲): «ينشأ مجلس يسمى مجلس الدفاع الوطني يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويختص بالنظر في الشؤون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها» (الفقرتان الأولى الثانية).
وهنا نعتقد أن الجيش أمام خطوات وإجراءات وتدابير لابد من الاسترشاد بالدستور القائم للعمل بها، وإلا حدث فراغ دستوري، ونكون أمام انقلاب عسكري لم يقم به الجيش ولا يرغب في القيام به.
وقد قال ذلك البيان بوضوح: إنه ليس بديلًا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب، وبذلك فإن الشرعية القائمة التي يستخدمها الجيش هي صلاحياته في إدارة شؤون البلاد من الرئيس المخلوع، في غياب نائب الرئيس الذي لم يعد له وجود شرعي في ظل بطلان انتخابات مجلس الشعب (البرلمان)، الذي صدرت بحقه أحكام وصمته بالبطلان والانعدام، فليس هناك رئيس للمجلس يتولى الرئاسة مؤقتا.. ويبقى اختيار وحيد - وفق نص المادة (٨٤) - أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا الرئاسة المؤقتة للبلاد في مرحلة انتقالية يتم فيها خطوات وإجراءات وتدابير يقوم بها الجيش نفسه.
تطورات مهمة
وجاء البيان الرابع (۱۲ فبراير)، وأكد فيه الجيش علي:
1 - إعادة ترتيب أولويات الدولة على نحو يحقق المطالب المشروعة، وهنا نلحظ المرونة في التعبير، فالتقديم والتأخير إذا كان لمصلحة الشعب فلا يضر. وذلك لرفع التعارض بين الوارد بالبيان رقم (۲) الذي كان للتعهد بتنفيذ خطة الرئيس ونائبه حيث أكد البيان على الالتزام بما جاء في البيانات السابقة، وقد نشأ وضع جديد يحتاج إلى مرونة.
2 - سيادة القانون ليست مجرد ضمانة الحرية الفرد، ولكنها الأساس الوحيد لاحظ الوحيد المشروعية السلطة.
وهذا يعني عدة أمور من بينها:
- الالتزام بنصوص الدستور التي تحدد ترتيب أولويات من يتولى سلطة البلاد.
- الالتزام بأحكام القضاء التي قضت ببطلان وانعدام البرلمان الحالي بمجلسيه. ومفاد ذلك أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا مسؤولية البلاد.
3 - الشعب عليه أن يتحمل مسؤوليته الدفع عملية الاقتصاد إلى الأمام مقابل تعهد الجيش بنقل السلطة إليه.
4 - تغيير صفة الحكومة إلى حكومة تسيير أعمال بمعنى إقالة ضمنية للحكومة وانتهاء مشروعيتها لحين اختيار حكومة جديدة.
5 - التطلع لضمان الانتقال السلمي للسلطة، وحدد ملامح النظام الجديد في نظام ديمقراطي حر.. سلطة مدنية «ليس هناك انقلاب عسكري» منتخبة للحكم «انتخابات حرة».
6 - الالتزام بكافة الالتزامات والمعاهدات الإقليمية والدولية عملا بمبدأ قانوني دولي مستقر هو الوفاء بالمعاهدات رغم تغيير الحكومات.
7 - العودة إلى شعار «الشرطة في خدمة الشعب»، بما يعني تغيير دور جهاز الشرطة في العهد الجديد.
نحن أمام تطورات مهمة وخطيرة، وأؤكد ضرورة أن تلتفت قوى المعارضة والنخبة، ومعها الشباب الثائر إلى دقة الألفاظ وما تحمله من دلالات وإلى أهمية أن يتوحد الشعب خلف مطالبه المشروعة لضمان تنفيذها في جدول زمني محدد لابد أن يأتي في بيانات قادمة.
كل التحية للشعب العظيم الذي ثار، وللجيش العظيم الذي حرس الثورة حتى الآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل