العنوان الثورة تنتصر.. رأيت بعيني وسمعت بأذنى في «ميدان التحرير»
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011
مشاهدات 54
نشر في العدد 1940
نشر في الصفحة 38
السبت 19-فبراير-2011
- ذهبنا إلى هذه الثورة المباركة مددًا وعونًا للحق والخير.. امتثالًا لما يأمرنا به ديننا وما تمليه علينا مضائرنا.
- رجال يبدو عليهم الثراء والاحترام كانوا ينظفون الميدان.. ويرفضون محاولة الشباب عنهم بهذا العمل.
- تم رش المياه على الشباب في البرد الشديد فلم يتزحزحوا بل تزايدوا واصطفوا للصلاة في مشهد سيظل محفورا بالذاكرة.
- سيدة مسنة لم تجف دموعها كانت تتردد يوميا بحثا عن فلذة كبدها الذي اختفى منذ جمعة الغضب.
- كان هتاف الله أكبر، يصعد إلى عنان السماء فيثبت الشباب أمام بلطجية النظام.. رغم تحضنهم بحصون بدائية.
- فتح الشباب دار المناسبات بمسجد عمر مكرم للنساء والأطفال.. ووقف بعضهم على الباب يحرسون ويدافعون.
- الشباب الجرحى توافدوا من خط المواجهة بالمئات.. وكلما رأى أحد الدماء تتقاطر كان الحماس يعلو والثبات يزداد.
- المفقودون بالعشرات ولا يدري أحد سوى الله أين ذهب بهم ذلك العهد البائس المفتقر إلى الرحمة.
أمر عجيب قدرة الله العظيم سبحانه إن أراد وأذن نرى عجبًا، فقد كنا نرى الشعب المصري وقد استسلم تمامًا لـ الحية، التي كان يراها هائلة وقد التفت حول جسده، وبدأت في التهامه فأصيب شبابه بالإحباط، وبدأ في إضراب مفتوح ضد كل ما يحيط به، عازفًا عن كل الأشكال والأنماط التي تقدمها له السلطة والمجتمع.. فهي السلبية إذن السلبية المطلقة إلا ما رحم ربي سبحانه!
بدت اهتماماته وقد أصبحت هامشية. بل كانت ثورته على والديه وأهله والمحيطين به، وأصبح مشكلة تضاف إلى الكم الهائل من المشكلات التي تجثم على صدور الجميع.. كانت الحياة تسير بلا طعم ولا رائحة وقد بلغ حزن الشعب أقصاه، خاصة عندما انتزعت الحية. منه عزته، وبدأت تعبث في كرامته، وأصبح يهاجم من كل مكان، ويُصنف بأنه يشارك مع الحية، في التهام نفسه فتتقوى وتلتهم من حوله!
كانت حياة مليئة بالمعاناة النفسية التي فاضت عن النفوس، وحاصرتها من كل فوج وجهة.. ثم أذن المولى بأمر دخل إلى سويداء النفوس، فأصبح ما يراه كبيرا قد تضاءل وصغر في عينيه، وهبت الانتفاضة لتكبر وتتحرر من قبضة الحية الخانقة، وتحرر الماردة ليمسكها بيديه بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من أن يلتهمه فكها!
وتحول كل شيء بأمر الله، وبدأ المارد خطواته الثابتة التي سألنا الله سبحانه أن يختمها بخير الشعوب قاست الأمرين طوال عقود كثيرة ضاع فيها الكثير الكثير.. ذهبنا إلى هذه الثورة المباركة مددًا وعونًا للحق والخير وما يأمرنا به ديننا ومبادئنا وما تعلمناه طيلة سنوات دراستنا، وقد رأينا وسمعنا ما نود أن تشاركونا فيه كما لو كنتم معنا.. ونبدأ من البداية.
يوم الغضب
يوم الجمعة، ٢٨ يناير، الذي سجله التاريخ فعلا، وسيكون بإذن الله يوما من أيام الأعياد الحقيقية.. في هذا اليوم، أصرت بعض الجامعات المصرية على عقد الامتحانات بالرغم من معرفتها مسبقا بأمر يوم الغضب الذي أعلنه الشباب، ولكن المسؤولين في هذه الجامعات أرادوا أن يظهروا أن كل شيء على ما يرام، وأن كل شيء طبيعي وتمام التمام.. غير عابئين بتوسلات أولياء الأمور أو وضعها في الحسبان أن تؤجل الامتحانات خاصة أن هذا اليوم أيضًا يوم جمعة، والمفترض أنه «عطلة».
ولكن، هكذا سارت الأمور: التحكم، وعدم مراعاة حياة الشباب المهم مراعاة مصلحة النظام، وهي ثقافة اعتاد عليها كثير من أفراد شعبنا للأسف الشديد منذ زمن طويل.
عقد الامتحان مع قلق أولياء الأمور والشباب، حيث كان أغلب الامتحانات بعد صلاة الجمعة، أي في لحظة انطلاق المظاهرات.. وبعد الصلاة مباشرة، انطلقت الثورة المباركة في كل مكان، وتأجل عندها الامتحان، ولكن ما الفائدة وقد فات الأوان؟! فالطلاب محاصرون الآن، وقد دخل المتظاهرون إلى الجامعات ليتحصنوا من هذا العنف الأسطوري لسحق شباب يتظاهرون بشكل راق سلمي، رأيته بأُم عيني.
ونزلت جحافل الشرطة بكل إمكاناتها ومعداتها للقاء بني صهيون عذرًا للقاء الشباب العزل الذين يرددون: «الله أكبر».. ورأيت أمًا مكلومة على ابنتها الطالبة التي أصر العمداء على نزولها لأداء الامتحان في تلك الأحوال العصيبة.. أنت مسرعة عندما علمت بالأنباء، وتجمدت الدماء في جسدها عندما رأت هذا الهول، ولم تجد ابنتها بعد البحث وكان الأرض قد انشقت وابتلعتها، فلا أحد يدري عن الفتاة شيئاً، ولا على كثير من الطلاب والطالبات غيرها، فقد هاموا على وجوههم في رعب مفزع وهم يرون الشرطة وهي تضرب بقسوة كل ما هو مشرق من مستقبل هذا الشباب المصري.
لحظة معبّرة
بحثت المرأة في كل مكان عن ابنتها بلا جدوى، وعندها وأمام جامعة القاهرة، وفي الميدان وأمام جحافل الشرطة سمعنا صرخة مدوية من المرأة المسكينة وهي تنادي الله سبحانه بسقوط النظام، وكانت لحظة معبرة... علمت حينها أن من قام حقيقة بهذه الثورة هو النظام نفسه: نتيجة هذا الكبر وهذا البطش الذي تنوء من حمله الجبال، وما تعجبت له أن هذه الأم المكلومة أخذت تنادي الله سبحانه بأعلى صوتها، لدرجة أن صداء كان مترددا في الأرجاء، ثم رأينا عجبًا.
فقد بدأت الشرطة في الانسحاب بشكل لا يصدق، وكأننا نشهد قصة محبكة وليس واقعا ملموسا، وأخذنا نسأل بدهشة بالغة: هل انتهت المظاهرات هذا ونحن نحاول إبعاد الهتافات عن أسماعنا، وأخذنا نلح في السؤال: ما سبب هذا الانسحاب المفاجئ؟ وتطورت الأحداث، فالشباب وقد غيرهم الرحمن لما تقضي به مشيئته سبحانه، قد تحولوا إلى شجاعة وإقدام الأسود، يتقدمون بالآلاف بعد أن عانوا ما عانوا، وقد ثبتهم الإله، ورأينا صلاتهم ورشهم بالمياه في هذا البرد الشديد فلا يتزحزحون بل يتزايدون ويصطفون للصلاة، في مشهد قد حفر بالذاكرة شاهدًا على أن الله هو المهيمن على القلوب، وأن الخروج لله برسم مثل هذه المشاهد الرائعة عندها اطمأنت القلوب أن الشباب يخطون خطوات تؤدي إلى النصر إن شاء الله.
في ذلك اليوم، استشهد الكثير، واعتقل الكثير، واختفى الكثير.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القدير، وانقضى اليوم الطويل في أحداثه، وفاز من فاز وخسر من خسر، وتوالت الأحداث بعد ذلك سريعة متلاحقة لا نكاد نحصي تبعاتها.
ميدان «الشهداء»
وأتى يوم الثلاثاء، يوم الملايين، واحتشد الشباب فترى منظراً عجيباً وقد انخرط كبار السن جنوداً لشباب يكنون لهم المحبة والتقدير والإعزاز، وقد رأيت بعيني رجالا يبدو عليهم الثراء والاحترام وقد أمسكوا بمكانس ينظفون بها ميدان التحريره ويحاول الشباب أن يقوموا عنهم بهذا العمل وهم يصرون، رأيت رجالًا وقد حملوا في جلبابهم المياه لينقلوها إلى الشباب في مواقعهم، والشباب في حرج من عمل الشيوخ، وكل منهم يقبل رأس الآخر. لوحة سيسجلها التاريخ بحروف من الماس والزبرجد والياقوت.
ثم نأتي لأصعب الأيام وأشدها على محرري مصر من ميدان التحرير، أقصد بذلك يوم الأربعاء، بعد ثمانية أيام من بداية الثورة المنصورة حيث رأيت أثناء دخولنا أن الشباب قد نظم نفسه على مداخل الميدان الرؤية الهويات مع التفتيش الذاتي، وقد تطوع لهذا العمل شباب وشابات من البنات والفتيان وهم في حماسة منقطعة النظير، وعمل مضن يتقبلونه بكل حب وشكر لله على فضله عليهم.
أثناء دخولنا كما ذكرت كانت تقف في الصف امرأة كبيرة في السن لا تجف دمعتها، تأتي يوميا للبحث عن فلذة كبدها الذي اختفى منذ يوم الغضب، أخلينا لها الطريق التمر ونحن ندعو لها، فالمفقودون بالعشرات ولا يدري أحد سوى الله أين ذهب بهم هذا العهد البائس المفتقر إلى الرحمة.
دخلنا إلى ميدان الشهداء، كما يسمونه حاليا، ورأيت أبا وأما يحملان لافتة مكتوب عليها: «سفاح قاتل»، والأب يردد بصوت مرتفع مؤثر: سفاح قاتل، ولا يردد سواها، والكل يحنو عليه ويحاول إيقافه ليهدأ قليلا فيزداد في صرخاته سفاح قاتل، فسالت دموعنا مدرارًا رجالًا ونساء وشيوخًا، وزوجته تخبرنا بأنه والد شهيد قتل غدرًا وما أكثرهم، وفي هذا اليوم أخذ عدد ممن ظلوا طوال اليوم في الميدان يذهبون إلى بيوتهم للراحة، والشباب في العادة يأتون بعد صلاة الظهر.
بسالة وصمود
وما هي إلا لحظات، وسمعنا التكبير ورأينا الخيول وجحافل لا عهد لنا بها يركبون الجمال ويلهبون الظهور بالسياط، وحدث هرج ومرج. ونادوا على الشباب بالثبات وحماية النساء والأطفال، وقد رأيت بنفسي طفلة رضيعة تدعى جويرية، وأخواتها الخمس اللاتي يكبرنها ليس بكثير من السنوات واستبسل الشباب استبسالا لا يمكن أن يكون إلا بعدد من الله الملك العظيم، فلم تنقض الساعة إلا وقد أوقعوا راكبي الخيول والجمال أرضًا، وأخذوا حصاناً أركبوا عليه الشيخ الفاضل صفوت حجازي الذي أخذ يجمع الشباب ويعلو صوته بالتكبير والنفير للدفاع عن النفسي، وهو يردد: «سلمية سلمية». وفتحت علينا أبواب الجحيم من كل اتجاه من أكثر من مدخل يؤدي إلى ميدان التحرير وقد حاصره البلطجية حاملو الأسلحة البيضاء والحجارة والمولوتوف الذي يلقونه علينا من فوق الأسطح على شباب أغلبه جامعي من الطبقة المتوسطة والراقية كما يقولون غالبية يومه على النت، لم يواجه أصلا مثل تلك المواجهات ولا رأى هذه الوجوه الغربية عن الشعوب الإسلامية.
ولكن هتاف والله أكبره الذي كان يصعد إلى عنان السماء جعل الشباب يثبتون كل مجموعة على مدخل لا يملكون إلا إيمانهم. وقد تحصنوا بحصون بدائية جدا، وعندما المسوا في البلطجية الإصرار على إيذائهم بدؤوا في الدفاع عن أنفسهم ببعض الحجارة.. نظرت إلى الميدان فوجدت العدد فيه قليلا جدا، وقد ذهب من فيه من الشباب إلى المخارج يتحصنون، وطلبوا من النساء والأطفال الخروج بسرعة، فأصر الجميع على الموت مع أولادهم وأبائهم ورفضوا أن يخرجوا سالمين.
وفتح الشباب دار المناسبات في مسجد عمر مكرم للنساء والأطفال، ووقف بعضهم على الباب يحرسون ويدافعون.. حملت الفتيات المياه للمرابطين على خط المواجهة وبدأ الطعام في النقاد، وبدأنا تجمع ما بقي معنا من فتات الطعام للشباب الصامد ليعينه على الاستمرار، وقد رأيت أصبعاً من العجين بالعجوة يقسم على أربعة من أفراد الشباب وسمعت الأطفال يصيحون من الجوع والأمهات لا يدرين ما يفعلن وهن يسمعن صوت التكبير وصوت العراك!
ثورة سلمية
رأيت بنفسي - وقد جاوزت الخمسين من عمري - جيلين مختلفين وإن تقاربت أعمارهما مختلفين من حيث المبدأ والغاية والهدف وردود الأفعال وطريقة التخطيط وأسلوب التنفيذ، فالشباب يقدم نفسه مرضاة لربه وفداء لأهله، معظمه متعلم مثقف منفتح على أساليب وتكنولوجيات العصر: مسالم أعزل عدده قل بعد مغادرة الكثيرين لأخذ قسط من الراحة بعد عناء اليوم السابق.
لم يبدأ الشباب باعتداء، ولم يفكر أصلًا في عدوان، وأمامه عدو جاء خصيصًا لكي يستأصل شأفته ويقضي عليه، مجموعة من البلطجية لا هدف ولا غاية ولا مبدأ ولا خلق جاءت بأعداد كبيرة متزايدة لقاء نفع مادي تافه ووعود زائفة، جاءت لكي تواجه ذلك الشباب بالسيوف والسنج والسلاح الأبيض والطوب الذي لا تعلم من أين أتوا بهذه الكميات الهائلة منه، إذا فالقوى المادية غير متكافئة على الإطلاق.
عندما رأيت ذلك، قلت لأحد الشباب يا بني، هناك كر وقر، ويجب أن نخرج لعدم إرباككم، وللمحافظة على حياتكم، فقال لي وهو يبكي: يا أماه لا تحبطينا، نريد التشجيع فوجدت نفسي أهرول إلى الخطوط الأولى للمناوشة، وأصبح في الشباب: «إنما النصر صبر ساعة» اثبتوا يا شباب مصر، إنما النصر صبر ساعة، فقد علمت أن هذا الحماس وهذا التفكير لابد وأن يكون بإذن الله في النهاية منتصرًا.
وهنا تقدم أحد الشباب راجيًا أن تذهب ونحتمي بالمسجد ونحن نأبي، حتى جاء أحدهم وهو يبكي قائلاً: أرجوك يا أمي، لو حدث لك مكروه ورأينا الدم يتقاطر منك لا ندري حينها ماذا سيكون رد فعلنا، مساعدينا على أن تكون ثورة سلمية.
مدد و تثبيت
كان الشباب الجرحي يتوافدون من خط المواجهة بالمئات، وكلما رأى أحد الدماء تتقاطر كان الحماس يعلو والثبات يزداد. وبدأ كثير من النساء يتصلن بذويهن يطلبن النجدة ومددا من الشباب، وكانت ليلة عجيبة ظهر فيها مدد الله ورعايته لهذه الثورة المنصورة.
وخرجت بعض النساء عندما علمن أن البلطجية قد أعياهم شرب الممنوعات والمخدرات عن الوقوف فخشي الجميع على الأعراض لو وصل هؤلاء البلطجية إلى النساء، ولكن بعضهن أبين الخروج وأصرون على البقاء!
بدأ الأبطال من شباب مصر وقد علموا بخطورة الأمر يتوافدون فرادي على ميدان التحرير بعد أن مُنعت الحشود من الدخول ومع نسمات الفجر الأولى والأرض تشرق بالنور، وقد استنفد البلطجية ومن أرسلوهم جميع الأوراق التي استخدمت من قبل مع شباب مصر ولم تفلح معهم، وقد علموا أنهم يواجهون طرازا مختلفا تماما، فغالبية الشباب لا يخرجون من بيوتهم إلا وقد اغتسلوا غسل الشهادة، وتعطروا وصلوا ركعتين لله يهبون فيها أنفسهم للملك الحق.
أقول: عندما أعيتهم الحيل بدأ القتل العمد بالرصاص الحي مع سبق الإصرار والترصد الشباب كالورود النضرة الذكية الرائحة، وتساقط الشهداء شهيدا تلو الآخر. فردد الشباب الشهادة وألقوا بأنفسهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض عند إله عادل يشكون إليه ظلم العباد.
هدف واحد
فشل البلطجية في مسعاهم وانتصر الشباب على أنفسهم وعلى الشيطان، وكنت أنا مع من خرج من النساء في الليل خوفا على ابنتي التي كانت تصحبني، وحتى يتسنى لي أن أروي لكم ما كان يحدث خارج الميدان. فقد كانت اللجان الشعبية تقف في كل مكان تقريباً، شباب مصر لا يعرف أحدهم الآخر، ولا يلتقون إلا على هدف واحد هو حماية البلاد، وقد خرجنا من مخرج حاول أن يدخل منه البلطجية إلى ميدان التحرير، فلقنهم أبطال اللجان الشعبية درسا لن ينسوه طوال حياتهم، ولعل يكون لبعضهم منه توبة.
بعد أن رجعت إلى بيتي استقبلني ابني وهو يسألني عن الوضع بدقة، وعندما رويت له الوضع وأن الميدان به عدد قليل والإصابات كثيرة وهناك قتلى شهداء بإذن الله، والشباب وحدهم وأتصور أن المعركة ستحتدم وسيحاول البلطجية أن يقضوا على الموجودين، فما كان منه إلا أن دخل واغتسل وصلى ركعتين وجاء يودعني.
في حقيقة الأمر، أصابتني الدهشة، كيف استطاع أن يقرر ذلك والأمر خطير جدا حياة أو موت. فرد قائلا: «بالله يا أمي لا تتبطيني». فسقط الأمر من يدي وانعقد الساني، وعلمت أننا قد ربينا أولادنا على مبادئ باللسان والكلام ولم تنفذ منها شيئا ملموسًا، وأراد الله أن يكونوا هم المنفذين، وذهب ولدي وأنا لا أكاد أصدق ما أرى وما أسمع، فتحت أحاديث البخاري لعلي أجد عونا من كلمات رسول الله ﷺ في مثل تلك الأحوال، ووجدت بغيتي في قوله ﷺ:
الله لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فانزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
ان الآلي قد بغوا علينا
إذا أرادوا فتنة أبيناء
فرصة عظيمة
طوائف من الشباب أصبحوا يلتقون في المساجد للصلاة، حتى يرتبوا أوراقهم ويحكموا خطتهم كثير منهم كان مبتعدا عن الثقافة الإسلامية، وقد سمعت بنفسي أحدهم بعد الصلاة وهو يحث الشباب على الثبات حيث إنهم قد ارتكبوا الكثير من الذنوب، وقد أعطاهم الحق سبحانه فرصة عظيمة إلى التوبة والمغفرة.
إن هذه العيون التي رأت الكثير من المنكرات قد أن لها أن تدخل الجنة إن بانت تحرس في سبيل الله، وإن القدم التي سارت بعيداً عن الله أن لها أن تساعدنا على دخول الجنة لو غيرناها في سبيل الله.. هو لا يحفظ الأحاديث، ولكنه يشرح معناها بشكل عفوي معبر، قد جمع الله به حوله القلوب والأجساد.
وهكذا، بعون الله ثم همة هؤلاء الشباب وصلنا ليلتها سالمين ودموعنا تذرف على الشباب الذي يساوي جزء من ظفر أحدهم ما تراه من هذا العبث وهذا الكيد الذي تزول منه الجبال.. وانبثق الفجر تلو الفجر، إلى أن فرحنا بالنصر بمشيئته تعالى، وصدق سبحانه إذ يقول: ﴿ إن موعدهم الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود:82) ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:45).