العنوان حقيقة تواطؤ المصارف الدولية مع أنظمة الحكم الفاسدة
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1940
نشر في الصفحة 22
السبت 19-فبراير-2011
- الثروات التي ينهبها الحكام الفاسدون كافية لرفع شعوب بلادهم فوق حد الفقر وتجنيبهم البؤس والمعاناة.
- ساعد مصرف (DEUTSCHE) الرئيس التركماني الراحل نيازوف على الاحتفاظ بمليارات الدولارات من دخول الدولة من الغاز.
- فتح مصرف باركليز لا بن رئيس غينيا الاستوائية حسابا شخصيا كان يودع فيه عائدات نفط بلاده!
أصدرت منظمة جلوبال ويتنس (۱) في عام ٢٠٠٩م تقريرًا خاصًا، كشفت فيه تواطؤ البنوك الدولية مع أنظمة الحكم الفاسدة على سلب ثروات شعوب الدول الفقيرة.. وقد نشرت المنظمة هذا التقرير بغرض إثارة الانتباه إلى خطورة هذه القضية، وضرورة فتح باب النقاش حولها حتى تحقق الشعوب الفقيرة لنفسها تنمية حقيقية.
يقول جافين هايمان مدير حملة المنظمة: إن المصارف الدولية تعمل على تدعيم الفساد في معظم البلاد ذات النظم الهشة والفاسدة، وهذا العمل الشائن المتسم بالجشع يضع الاقتصاد العالمي كله في خطر .. وقد أدى تراخي القوانين المصرفية إلى جعل هذه المصارف مسؤولة عن الأزمة الاقتصادية العالمية، وسهل عملية سلب المصادر الطبيعية الصالح رؤساء دول وسياسيين فاسدين..
وعلى الحكومات أن تضطلع بمسؤولياتها لكي تضع حدا للتحالف بين المصارف وهؤلاء الساسة الفاسدين وعائلاتهم.
وقد كانت أهم محتويات هذا التقرير ما يلي:
أولًا: عرف العالم خلال عامي ۲۰۰۸ و۲۰۰۹م أسوأ أزمة اقتصادية منذ عدة عقود مضت، وعرف أيضًا أن مسؤولية هذه الأزمة تقع على عاتق المصارف الدولية والحكومات التي تديرها.
لم يستطع العالم أن يفهم أن هذه المصارف وهذه الحكومات مسؤولة عن تدمير اقتصاديات الدول الفقيرة، لأن هذه المصارف الدولية تحالفت مع عدد من رؤساء دول وأعضاء أسرهم، وقبلت إيداعاتهم المشكوك في مصادرها، ولم تكن هذه الإيداعات التي تم غسيل معظمها سوى حصيلة ما استولى عليه هؤلاء الرؤساء الفاسدون وعائلاتهم من دخول المصادر الطبيعية للبلاد.. ولم يقتصر الأمر على رؤساء هذه الدول وعائلاتهم، وإنما شمل العديد من كبار المسؤولين في هذه البلاد.
وكانت الثروات التي تحصل عليها هؤلاء الفاسدون كافية لرفع شعوب هذه الدول عن حد الفقر وتجنيبهم البؤس والمعاناة والاعتماد على المساعدات الخارجية التي يتحمل معظمها دافعوا الضرائب في الدول الغنية.
ثانيًا: لا تتم العمليات المصرفية غير المشروعة إلا بوجود طرفين: أولهما: هؤلاء الرؤساء والرسميون الحكوميون الفاسدون من الذين يتحكمون في دخول ثروات هذه البلاد بمساعدة بعض الشركات المملوكة للدولة، أو بعض المصارف الوطنية المملوكة الفرد واحد أو عدة جهات.. وثانيهما: المصارف الدولية الراغبة أصلا في تلقي إبداعات العملاء الفاسدين.. وغالبا ما تستخدم هذه الشركات المذكورة كآلية مالية تعمل خارج ميزانية الدولة، أما المصارف الوطنية فتتاجر في المصادر الطبيعية خارج دائرة المنافسة الاقتصادية.
ثالثًا: من أشهر المصارف الدولية التي تواطأت مع العملاء الفاسدين مصرف «باركليز»، ومجموعة «سيتي بنك»، ومصرف (DEUTSCHE) ومصرف (HSBE) بالإضافة إلى مصارف أمريكية تم إغلاقها بعد ثبوت تورطها في عمليات غسيل للأموال.. وهناك عشرات من المصارف الصينية والبريطانية والسويسرية قامت بإقراض شركات نفط قومية في أفريقيا بلايين الدولارات بضمان النفط.
فتح مصرف «باركليز» حسابًا شخصيًا لابن دكتاتور غينيا الاستوائية «تيودورو أوبيانج»، الذي كان يودع في هذا المصرف عائدات نفط بلاده، أما مصرف «سيتي بنك، فقد قام بتمويل الحروب الأهلية في سيراليون وليبيريا، وتستر مصرف (HSBE) وراء قوانين السرية المصرفية في لوكسمبورج وإسبانيا، وأحبط الجهود الرامية إلى إثبات ضياع عائدات النفط في غينيا الاستوائية، وكذلك عمليات غسيل الأموال، أما مصرف (DEUTSCHE) فقد ساعد رئيس تركمانستان الراحل صابر مراد نيازوف - الذي كان معروفًا بوحشيته المفرطة وانتهاكاته لحقوق الإنسان - على الاحتفاظ ببلايين الدولارات من دخول الدولة من الغاز، وجعلها تحت تصرفه بعيدًا عن ميزانية الدولة.
رابعًا: من المفترض أن تكون المصارف الدولية خط الدفاع الأول ضد الفساد، لكنها لم تكن في الواقع كذلك، فقد كانت عملية نهب ثروات شعوب الدول الفقيرة تتم عبر هذه المصارف رغم وجود قوانين مصرفية من شأنها أن تحول دون قبول العمليات المصرفية المشتبه فيها.. فهناك قوانين لمكافحة عمليات غسيل الأموال، وأخرى تلزم المصارف بالتحقق من هوية المودعين المشكوك فيهم، لكن المشكلة أن هذه القوانين غامضة فضفاضة غير صريحة ومليئة بالفجوات وغير شاملة بحيث لا يمكنها التحكم في العمليات المصرفية التي تجري عبر الحدود الدولية.
لا تحدد هذه القوانين
الآلية المناسبة للتعرف على هوية العملاء المشكوك في إبداعاتهم، أو من يتصدر بدلا منهم في إجراء هذه العمليات والتأكد من أنها ليست ناتجة عن سلب مصادر ثروات البلاد، وفي الحالات التي تتطلب فيها القوانين المصرفية تقريرًا عن العملاء المشتبه فيهم كانت سلطات المصرف تستمر في الإجراءات الخاصة بعملية التحويل المصرفي بحيث تأخذ شكلًا قانونيًا رغم وجود اشتباه في حقيقة هذه العملية.
والواقع أن هذه المصارف كانت تقوم بالحد الأدنى من الالتزام باللوائح المصرفية وكانت تستغل غموض هذه اللوائح والفجوات بها بطريقة لا تضعها في مشكلات قانونية كبيرة، كما كانت القوانين واللوائح المصرفية في الحكومات القومية هشة تماما، وتعتمد في انحرافاتها على قوانين السرية المصرفية وقد شجعت هاتان المسألتان المصارف الدولية على التعامل مع الأنظمة الفاسدة.
خامسًا: تدّعي المصارف الدولية التزامها بمسؤولياتها الاجتماعية عن ضمان عدم تسرب الفساد إلى عملياتها المصرفية لكن الحقيقة أن هذه المصارف المتعددة الجنسيات متورطة بالفعل في التعامل مع رؤساء الدول الفاسدين وعائلاتهم بشكل مباشر أو غير مباشر.
من أمثلة التورط المباشر احتفاظ مصرف باركليز بحسابات تيودورين أوبيانج - المشار إليه سابقًا - لفترة طويلة، ولم يقم المصرف إلا بجهد محدود في التحقق من سلامة عمليات التحويل المصرفية، وكان ذلك سببا في غسيل بلايين الدولارات الخاصة بعائدات النفط في هذا البلد الأفريقي الفقير والغني في الوقت نفسه بمصادره الطبيعية التي كانت كافية الرفع شعبه عن حد الفقر.. كان «تيودورين» عميلا من نوع خاص للمصرف، وكان يتقاضى في بلاده راتبا شهريا قدره أربعة آلاف دولار بصفته وزيرا في حكومة والده، إلا أنه كان يملك قصرا في «كاليفورنيا» قيمته ٣٥ مليون دولار!
ومن أمثلة التورط غير المباشر مساعدة مصرف «سيتي بنك» الرئيس الليبيري السابق «تشارلز تايلور»، الذي يحاكم بتهمة اضطلاعه بجرائم حرب في الاستفادة من تحويل دخول المصادر الطبيعية في بلاده إلى المصرف المذكور ثم استخدامها في تمويل الحرب الأهلية في بلاده.
وقد حاول المسؤولون في منظمة جلوبال ويتنس إخطار البنوك فيما اعتبرته شواهد فساد، فخاطبت مصرف «باركليز» لكنه لم يرد عليها بطريقة إيجابية بل استند إلى قانون السرية المصرفية، وأبلغها بأن العمليات المصرفية تتم في حدود اللوائح الخاصة بالمصرف، وفي ضوء التشريعات التي تحول دون إتمام عمليات غسيل الأموال.
سادسًا: وضعت المنظمة خطة المقاومة هذا النوع من الفساد، أكدت فيها ضرورة أن تقوم المصارف بالتأكد من هوية العملاء المشتبه فيهم، وأن تضع الحكومات القومية التشريعات التي تضمن مكافحة عمليات غسيل الأموال وتحسين القواعد القانونية في المصارف الوطنية، وضمان الرقابة والمحاسبة والشفافية في تعاملات هذه المصارف.
ودعت المنظمة مجموعة دول العشرين إلى تنفيذ وعودها بمساعدة الدول الفقيرة، وإدراك أن التغلب على مشكلة الفقر في هذه الدول يتوقف على مواجهة سرقة ثروات شعوبها، التي غالبًا ما يجعلها السياسيون الفاسدون خارج ميزانية الدولة!
الهامش
(1) منظمة Global Witness أو ما تُسمى نظمة بـ«الشهاهد العالمي» أو «الشفافية الدولية»، منظمة غير حكومية ليس لها أي انتماءات سياسية.. أُسست عام ۱۹۹۳م، وتسعى إلى القيام بحملات تعمل على كشف مصادر الفساد الناتج عن نهب واستغلال المصادر الطبيعية مثل: النفط والغاز والغابات والماس والكاكاو.. حصلت على عدة جوائز دولية لما قامت به من جهود في هذا الميدان.