العنوان الثورة تأكل أبناءها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981
مشاهدات 115
نشر في العدد 549
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-نوفمبر-1981
حمل أجرب ابتعد عن القطيع
أول ما فعلته بالوزارة أن كتبت تعميمًا لكل مديريات المعارف، قلت فيه: إن الأمة عينتني وزيرًا للمعارف، وإن اللحظة التي نحياها لحظة في غاية الأهمية، وعلى كل فرد في الأمة أن يكون ظهيرًا للحكومة الوطنية بكل ما أوتي من عزم، ولا بد من العمل ... إلخ.
قام أحد مديري المعارف في منطقة بولو بإرسال هذا التعميم إلى حكومة إستانبول، فتلقفه الصحفي علي كمال فارغي وأزبد، لم نكن في ذلك الوقت نرى صحف إستانبول لكنهم حكوا لي بعد ذلك أن علي كمال كان يكتب المقالات ضدي، وكان يقول عني: إنني: «الحمل الأجرب الذي ابتعد عن القطيع».
وقال هذا الصحفي عن كتابي «خفايا حزب الحرية والائتلاف» وعني شخصيًّا ما نصه: «إن رضا نور قد كتب هذا الكتاب بعد أن قبض من الاتحاديين عشرين ألف ليرة».
أصدرت الأمر بتتريك المسميات العربية
وسريعًا أصدرت أمري بأن تكون المراسلات بلغة تركية صرفة، ألغيت الألقاب في المراسلات، الشيء العجيب المثير للدهشة في هذا الأمر أن الجميع لم ينفذوا هذا الأمر، لا بد وأن يكتبوا بلغة تركية معقدة؛ أي يكتبون اللغة التركية التي تحوي في غالبيتها كلمات عربية وكثير منها فارسية. إن هذه المسألة عادة ومسألة تربية، ثم عملت على أن تتخذ الحكومة قرارًا بهذا الشأن. قام مجلس الأمة الكبير أيضًا بإلغاء الألقاب والنياشين؛ لكن هؤلاء السادة العظماء قاموا بعد معاهدة لوزان بإعادة إحياء تعبيرات ملغية مثل ذات دولتكم، والوزارة الجليلة، وأدخلوها في الكتابات الرسمية كذلك.
شيخ الإسلام يعتبرنا خارجين عن السلطان
عندما كنا نشكل الحكومة،قام السلطان بإقالة صالح باشا، وتنصيب فريد باشا صدرًا أعظمًا. قام فريد باشا بنشر فتوى بتوقيع شيخ الإسلام درى زاده تتهمنا «يعني تتهم حكومة أنقرة» بتهمة الخروج على السلطان، وقرروا إعدامنا، والحاصل أن صدر ضدنا الحكم بالإعدام.
قام مصطفى كمال بدوره بخداع مفتي أنقرة، قام هذا المفتي بكتابة فتوى يتهم فيها إستانبول، بالطبع إن كل فتوى أصدرها في جانب من الجانبين كانت شديدة، ووجدت أن قرار إعدامنا الذي صدر من إستانبول لم يؤثر في أحد من زملائي في الحكومة؛ لأن الواقع أننا لو وقعنا في أيدي حكومة إستانبول؛ فإن إعدامنا محقق، وكنا نعرف هذا.
تكوين جيوش الخليفة
والآن تقوم إستانبول بترتيب الثورات ضدنا في مختلف أماكن الأناضول، وتكونت جيوش الخليفة، وتسمى أيضًا بالقوى الانضباطية. ها هو ذا تأثير وجود علي رضا في الحكومة يتضح لنا رويدًا رويدًا. بدأنا ندرك خدماته لنا وقيمته بالنسبة لموقفنا، كما كان كلامه صائبًا عندما كنا في طريقنا إلى أنقرة «لمقابلة مصطفى كمال» واليوانيون يقومون بالهجوم من أزمير، وكان الأرمن يهددوننا من منطقة صاري قاميش، وبالطبع تشكلت جبهات مختلفة: واحدة في أزمير وثانية في أطنه وأخرى في العراق، وواحدة في أرضروم، أطلق جنودنا على هذه الجبهات الأسماء الآتية على التوالي: جبهة الغراب «أو جبهة أزمير» جبهة الجنوب «أو جبهة أطنه» جبهة الجزيرة، وجبهة الشرق. وفي جبهة الجزيرة كانت القوات الآشورية والكلدانية تزعجنا، هؤلاء أخذوا في الضغط علينا ضغطًا مكثفًا مدروسًا، وبدأنا نتأزم.
مصطفى كمال يوقع بين زملائه في الحركة
كان جامي هو وزير الداخلية، أما يحيى غالب نائب الوالي سابقًا فقد أصبح واليًا. لكن هذا الشخص خاقان بكل معنى الكلمة. لا يعترف بوزير الداخلية كرئيس له، بالعكس إنه هو الذي يأمر وزير الداخلية، يا للمشكلة! خناقة من أول خطوة، جامي لم يستطع التحمل، اشتكاه، بحثنا في الحكومة هذه المسألة طويلًا، اتضح أن جامي على حق، لكن مصطفى كمال يحمي يحيى غالب، ويحيى رجله، غالبًا أن مصطفى كمال هو الذي حرض يحيى غالب على هذا؛ بل وهو الذي أحدث هذه المشكلة؛ لأن يحيى غالب لا تؤتيه الشجاعة إلى حد هذه المعارضة، ولأن مصطفى كمال لا يتحمل الحياة بلا خناقات، كما أنه لم يمنع الذين بقوا في الغربال من الوصول إلى مواقعهم، أو لم يستطع أن يمنعهم بسبب الضرورة إليهم، وقد يأخذ في التخلص منهم واحدًا واحدًا. إنه لا يتحمل أن يكون حوله رجل عاقل شريف، كذلك لا يتحمل أن يكون له منافس. إن هذا أهم خِلالِه: أن يسحق ذو القابلية والاستعداد، يرميهم، يدفعهم بعيدًا. قام جامي بتقديم استقالته وهذا ما يوده الرئيس! وأخيرًا لم أستطع تحمل هذا الظلم الصارخ، وقلت لمصطفى كمال بصورة غاية في الجد والصراحة: «ما هكذا تسير الحكومة، ما هذا العمل في أول خطوات تخطوها الحكومة؟ إما أن توافق على عزل هذا الرجل من منصب الوالي، وإما نقدم كلنا استقالتنا» أفاق. وجد أن أزمة أساسية ستحدث ونحن ما زلنا في الخطوة الأولى. وذهب يحيى غالب لكن مصطفى كمال عينه نائبًا في مجلس الأمة الكبير، ودب اليأس في جامي. وأخيرًا طرد مصطفى كمال بدرجة ممثلنا السياسي في روما، وبعد مدة عزله أيضًا من هناك.
يبدأ في التخلص من رفاق الثورة
ها نحن ما زلنا في بداية عملنا الثوري، وإذا بواحد منا ينتهي. أصبحت حياة جامي قصيرة؛ لأن مصطفى كمال اتهمه فيما بعد -ظلمًا- بارتكاب جريمة اختلاس، كما أصبح يوسف كمال لا يذهب إلى الوزارة التي هو وزيرها، ولا أيضًا يوقع على القرارات الصادرة في اجتماعات الحكومة، لم تكن هذه القرارات تسجل في دفتر.
ليس في الخزانة شروى نقير
تكونت الحكومة والمجلس. أقمنا الطاحونة ولكن من أين لنا بالمال اللازم؟ لا نملك شروى نقير. كان حقي بهيج هو وزير المالية، لا شيء يأتي من الضرائب، وضعنا يدنا على بنوك الزراعة، وأخذنا النقود التي بها، صرفناها على المرتبات والجنود، ليس هناك حساب ولا كتاب بمعنى أن شيئًا لا يسجل، والواقع أنه هو نفسه لا يفهم في المالية شيئًا، تعقدت الأمور، لم يبق في البنوك ولا المؤسسات ما لا يمكن مصادرته، ثم أصبح فريد وزيرًا للمالية، إنه رجل ذو دراية وخبرة، وضع أسس المالية وأدار أمورها، وجد النقود، آه لو كانت أخلاقه أيضًا مضبوطة بنفس الدرجة التي يعمل بها.
الوزارة تتصور أن روسيا هي المنقذة
أول ما فكرت فيه الوزارة كان: التفكير في إقامة صلات مع روسيا والحصول منها على السلاح والنقود وما إلى ذلك، كان مصطفى كمال يطلق على الوزراء في المراسلات والخطابات الفرنسية لقب قوميسير مثلما يفعل البلشفيون. كان بكير سامي هو وزير الخارجية، تم إرسال وفد يتكون من شخصين منه هو وبرياسته وعضوية يوسف كمال؛ لعقد معاهدة مع الروس والحصول منهم على مساعدات ومعونات، وعلى ذلك أسندت إليّ مهام وزير الخارجية.
الأمم المسلمة في روسيا تأمل فينا تحريرها من الروس
«وبمناسبة الحديث عن بكير سامي وهو عرقيًّا من الأستين، وهؤلاء قوم في روسيا يبلغون مائتين وخمسين ألف نسمة، وهذه الأمة تتوطن في جبال القوقاز، مائة وخمسون ألف نصارى والباقون مسلمون، ولهم لغتهم الخاصة، وهي لغة تختلف عن اللغة الشركسية، والغريب أن القادمين منهم إلى تركيا يقومون بالدعاية للقومية الشركسية، وهم الآن في روسيا، وعلى ذكر روسيا) فإن كل الأمم المسلمة في روسيا من: لازكيين، وششن، وأستين، وأنكوش، وشركس، وأباظة، وغيرهم يحبون الأتراك حبهم لأرواحهم، ويعيشون على أمل أن خلاصهم وتحريرهم من روسيا سيكون على يدنا نحن الأتراك.
عندما سافرت إلى روسيا كان بعض هؤلاء يقتربون من نوافذ عربة القطار التي كنا نستقلها، وذلك في محطات القطارات، ويتلفتون حولهم خشية أن يراهم الروس ثم يقبلون علينا ويقولون لنا بشكل يظهر فيه إحساسهم بالظلم من روسيا، يقولون لنا: «متى أيها الأتراك ستحرروننا من روسيا؟!».
كما أني رأيت أثناء وجودي في روسيا أن بعض هؤلاء -المسلمين- قام بعد مغادرتنا أحد الأماكن، فقبل الأرض التي وطأتها أقدامنا.
«هكذا ينظرون إلينا وهكذا يحبوننا» إذا حصل هؤلاء على حريتهم واستقلالهم من روسيا، فإن حريتهم هذه واستمرارهم فيها لن يكون إلا بفضل تركيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل