العنوان عملية «التطهير» في مصر مستمرة لكن ببطء ملحوظ الثورة المضادة... مظاهر ملموسة وأخطار قائمة!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 19-مارس-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1944
نشر في الصفحة 38
السبت 19-مارس-2011
- رجال الأعمال المعرضون لخسارة ثرواتهم المشبوهة وقضاء بقية أعمارهم في السجون... مستعدون لإنفاق أموال طائلة لإجهاض الثورة.
- الأصابع الخارجية ليست بعيدة عن المشهد.. وهناك قوى إقليمية ودولية تحاول التأثير على مجريات الأمور.
- صحيح أن الحذر يقتضي ألا نصدق إلا ما نرى ونلمس.. لكن تتبع الخطوات يدل على
اتجاه الطريق.
لم يسجل التاريخ أن نظامًا مستبدًا سلم السلطة من تلقاء نفسه، فهو لا يتركها إلا كما تترك الروح الجسد ؛ بصعوبة ومعاناة، ونزع وتنزع الملك ممن تشاء... ويُقال: فلان في النزع الأخير إذا حان وقت خروج روحه.. فإذا انتزعت السلطة من النظام الحاكم عبر « ثورة شعبية»، فإن القوى المتضررة من الوضع الجديد تستنفر جهودها في «ثورة مضادة لمحاولة استعادة السلطة، والإجهاز على الثورة أو استيعابها أو حرفها عن مسارها ، وتحويلها إلى «أيقونة مفرغة من المضمون، وإفساح الطريق لعودة النظام السابق، مع محاولة خداع الشعب بالاستمرار في رفع شعارات الثورة وادعاء التمسك بمبادئها!
وقبل أن يمر شهر واحد على نجاح ثورة ٢٥ يناير، كان الكثيرون
في مصر، بما في ذلك مجلس الوزراء يحذرون من أخطار الثورة المضادة» التي يمكن أن تعصف
بمنجزات الثورة.. فما مظاهر هذه الثورة المضادة؟ وما مدى خطورتها؟
تقوم الثورة عادة بإحداث تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية
كبيرة في المجتمع، لا تقف عند حد تنحي رئيس الجمهورية أو هربه أو خلعه بأي طريقة ولكنها
تمتد لتشمل نظاما بأكمله، بما يعني إزاحة كل رموز النظام السياسية والأمنية والحزبية
والإعلامية.
ولم يكن النظام البائد فاسدًا في ذاته فحسب، لكنه كان
مفسدًا لمن حوله أو راضيًا بفسادهم، وبالتالي فإن الغالبية العظمى ممن ارتبطوا به كانوا
من الغارقين في الفساد، حتى أصبح وجود شخص نزيه في السلطة استثناء من القاعدة.. وقد
تكونت حول النظام مجموعات كبيرة من المنتفعين الذين مارسوا الفساد بكل أشكاله سياسيا
وماليا واجتماعيا وأخلاقيا، وبالتالي لا يمكن الحديث عن نجاح الثورة بينما هذه المجموعات
لا تزال في مواقعها، بل لا بد أن تجرف الثورة كل أولئك الفاسدين المفسدين.
لكن المشكلة أن نظام «مبارك» استمر في السلطة نحو
٣٠ سنة، وبالتالي لا يوجد شخص في مصر على دراية بالسلطة والإدارة الحكومية إلا وسبق
له العمل مع ذاك النظام وأصبح في نظر الشعب من رجال عهد «مبارك».. والتخلص من هؤلاء
جميعا في وقت واحد يعني شلل الجهاز الحكومي أو انهياره، كما أن فتح جبهات مواجهة عدة
في وقت واحد أمر لا تحبذه العقلية العسكرية الممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة
الذي يتولى السلطة منذ تنحي «مبارك».. ناهيك عن القدرة المحدودة للنيابة العامة على
دراسة الكم الهائل من الملفات الذي انهال عليها، وإجراء التحقيقات، وهو أمر محمود للثورة
- على مرارته - إذ ينبغي عدم الانسياق وراء العاطفة أو الشائعات والتكهنات لاعتقال
أو حبس الناس دون بينة.
ونظرًا لأن معظم المتهمين بالفساد هم من رجال الأعمال
الكبار، فإن توجيه ضربات لهم جميعا في وقت واحد من شأنه إصابة الاقتصاد بارتباك كبير،
يلحق الضرر بقطاعات عديدة، ويؤثر بالسلب على المواطنين.. كما أن تقييد القيادات الأمنية
الكبيرة في وقت واحد يمكن أن يثير مكامن الخطر عند غيرهم، فيتحولون إلى عناصر مضادة
للثورة والمجتمع بدلا من محاولات تحييدهم، ثم إعادة تأهيلهم للعمل الصالح المجتمع.
مظاهر تثير القلق
هذه الأسباب وغيرها، جعلت اتخاذ أي قرار أمرًا حساسًا
جدًا، ولذلك سارت عملية التطهير ببطء ملحوظ، وقد تواكب ذلك مع وجود مظاهر ملموسة للثورة
المضادة:
- فالاختفاء المريب لنائب الرئيس ومدير المخابرات السابق
عمر سليمان يثير الشكوك عند قطاع كبير من الشعب.
- وبحركة استباقية انتهازية أعلن الحزب الوطني المحظور
ثوريا أنه بدأ ثورة تطهير بفصل ۲۲ من قيادييه من بينهم الرئيس المخلوع حسني مبارك(!) وقبول استقالة آخرين، وقال أمينه العام: إن ترتيبات تجري لعقد مؤتمر استثنائي نهاية
أبريل المقبل لانتخاب رئيس جديد للحزب... ولم يتم حتى الآن حظر الحزب رسميا، كما جرى
للحزب الحاكم السابق في تونس وهناك معلومات عن تحركات للحزب في بعض المحافظات برعاية
مسؤولين أمنيين وهناك مخاوف من ظهوره في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في يونيو
المقبل وهو إحدى أذرع الفساد السياسي والمالي للنظام السابق.
والغريب أن الحزب أعلن تأييده للتعديلات الدستورية المقرر
إجراء الاستفتاء عليها يوم ١٩ مارس الجاري، الأمر الذي قد يكون دافعا لرفض الشعب إياها،
ما يؤخر عملية الاستقرار السياسي!
- أما رجال الأعمال المعرضون لخسارة كل ما جمعوه من
ثروات، وقضاء بقية أعمارهم في السجون، فهم مستعدون لإنفاق أموال طائلة لإجهاض الثورة.
- وهناك القيادات الأمنية، وخاصة في جهاز مباحث أمن
الدولة التي فقدت نفوذها القوي، وقد نشأت على العمل خارج إطار القانون، وبالتالي فلديها
استعداد للتحول إلى عصابات تخريب وتدمير وابتزاز سواء أعملت لحساب نفسها أم لحساب من
يدفع، لإشاعة الفوضى وزعزعة ثقة الشعب بالثورة، لتتساوى في ذلك مع «البلطجية»، وهم
ليسوا بالقليلين!
وفي أعقاب إحالة عدد من ضباط الأمن بمحافظة الإسكندرية
للتحقيق معهم في جرائم قتل المتظاهرين نظم زملاؤهم اعتصاما أمام مديرية الأمن، ولجؤوا
إلى ما يشبه العصيان المنظم حيث أخليت أقسام ونقاط الشرطة والمحاكم إلا من أعداد قليلة
وذلك بهدف الضغط على الجيش.
- ويرى بعضهم أن الاحتجاجات الفئوية المستمرة في كل
مكان تقريبا هي حوادث مديرة القصد منها تعطيل الإنتاج وإشاعة الفوضى والاضطراب، وإن
كان بعضها وليد احتياجات حقيقية وظلم متراكم عبر السنين كما أنها نتاج الانفتاح المفاجئ
الذي تعيشه البلاد.. ونلاحظ أنه مع الثورة ارتبطت المطالب السياسية بالاجتماعية، وبينما
تحقق بعض المكاسب السياسية فإن المكاسب الاجتماعية المتحققة محدودة جدًا، ولذلك تستمر
الاحتجاجات.
- ولا يزال كل من طبلوا وزمروا للنظام البائد يسيطرون
على المشهد الإعلامي وإن تلون بعضهم، لكن ما تخفي صدورهم أكبر.. وقد واكب ذلك حملة
للتشكيك في المؤسسات التي تعمل مع الثورة كالمؤسسة القضائية، وجهاز المحاسبات، وصولا
إلى القوات المسلحة!
ولا يخفى أن الأصابع الخارجية ليست بعيدة من المشهد،
وهناك قوى إقليمية ودولية تحاول التأثير على مجريات الأمور.
• فهل
ما سبق ذكره يعد نوعًا من الثورة المضادة؟
في الواقع هي أعمال مقاومة للثورة». ومحاولات لإعاقتها
عن الوصول لأهدافها، فضلا عن بعض الانعكاسات لحالة القلق التي تنتاب الجميع من ضبابية
المرحلة، لكنها لا تمثل ثورة مضادة.. فلم تحدث ردة إلى الخلف، ولا تراجع عن تحقيق أهداف
الثورة حيث عادت الروح للشعب، ولن يسلم نفسه لأي مستبد.
لقد سقط نظام مبارك» ومؤسساته وأجهزته، ولا مجال لرجوعه
ولا لظهور نموذج شبيه له أو يمت له بصلة، باتفاق الشعب والجيش والحكومة.. وقد تم تقويض
جهاز أمن الدولة»، وفي يوم واحد حبس أربعة من مساعدي وزير الداخلية المسؤولين عن أمن
الدولة» و«الأمن المركزي» و«الأمن العام» و«أمن القاهرة».. وهي عملية لا تقل أهمية
عن إسقاط «مبارك»، فهم الأعمدة التي قام عليها نظامه.
وتستمر الإصلاحات السياسية لكن ببطء، وقد أعلن المجلس
العسكري عزمه تسليم السلطة وفق جدول زمني، وبعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية
سيتم تغيير عدد من القوانين المكملة للدستور وسيتاح تشكيل الأحزاب دون قيد، كما ستفتح
ملفات الفساد تباعا، وبدأت عملية المحاسبة القانونية على التجاوزات الأمنية وتشهد مختلف
المؤسسات عمليات تطهير وإعادة تنظيم لتنسجم مع مطالب الثورة.
صحيح أن الحذر يقتضي ألا نصدق إلا ما نرى ونلمس، لكن تتبع الخطوات يدل على اتجاه الطريق، ويبقى الوصول للأهداف النهائية مرهونا باستمرار الثورة التي لا تزال في بدايتها، ومن المبكر الاحتفال بتحقق أهدافها أو الظن بأن الأخطار قد زالت.