العنوان الثورة العربية الكبرى
الكاتب جوان كول
تاريخ النشر السبت 19-مارس-2011
مشاهدات 55
نشر في العدد 1944
نشر في الصفحة 40
السبت 19-مارس-2011
- انتشرت الدول ذات الحزب الواحد
في منطقة الشرق الأوسط منذ عام ١٩٥٠م.. وبررت غياب الديمقراطية بالكفاح من أجل الاستقلال
عن الاحتلال الغربي.
- في العقود الأخيرة.. انتشرت شبكات هائلة من المخبرين والشرطة السرية التي تعمل فقط المصلحة الرئيس والسلطة التنفيذية المركزية.
- أدرك المحتجون حقيقة الدولة مصاصة الدماء... وخلصوا إلى أن المهم قبل كل شيء هو اقتلاع النظام وتغييره.
اهتزت عروش الرؤساء مدى الحياة في العالم العربي بعنف في أعقاب الثورتين التونسية والمصرية، حيث وقعت السياسة العربية في مأزق كبير على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وهو ما دعا الحشود إلى الاحتجاج، وأدى بها إلى هذا الانفجار المروع.. فقد أدرك المحتجون الحقيقة ووضعوا أصابعهم على ظاهرة الدولة «مصاصة الدماء»، وخلصوا إلى أن المهم قبل كل شيء اقتلاع النظام وتغييره.
ترجمة: جمال خطاب
فقد رزح الشرق الأوسط بضعة عقود تحت الاستعمار الأوروبي، وكان تحت حكم نوع من
الليبراليين الكلاسيكيين في النصف الأول من القرن العشرين، وكان في مصر والعراق وإيران
برلمانات منتخبة ورؤساء وزراء وأحزاب شعبية.
ومع ذلك، فقد الحكم الليبرالي مصداقيته في نهاية المطاف؛ لأنه إلى حد كبير كان
لعبة في يد الإقطاعيين، وقد فشا فيهم الفساد والرشوة بشكل مفرط، بالإضافة إلى استغلال
السلطة والنفوذ ووجود القوى الغربية كقوى للاحتلال أفسدت كل شيء.
فمنذ عام ١٩٥٠م، ظهرت الدول الحديثة ذات الحزب الواحد وانتشرت في منطقة الشرق
الأوسط مبررة غياب الديمقراطية بالكفاح من أجل الاستقلال عن تلك الامبراطوريات الاستعمارية
الغربية والأنظمة الفاسدة البرلمانية، وتعهدت باستصلاح الأراضي، وتطوير القطاع العام
الكبير، وتشجيع التصنيع الذي تقوده الدولة.
وفي العقود الأخيرة، تحولت الأحزاب الحاكمة بدعم من الضباط القوميين وأصبحت على
نحو متزايد مجرد ذيل للرئيس مدى الحياة وعشيرته الموسعة وانتشرت شبكات هائلة من المخبرين
والشرطة السرية التي تعمل فقط لمصلحة السلطة التنفيذية المركزية والرئيس.
واتخذت هذه الحكومات في العقود الأخيرة خطوات نحو سياسات خصخصة القطاع العام
ونحو الليبرالية الجديدة تحت ضغط من واشنطن والمؤسسات المتحالفة، وكانت عمليات في أكثر
الأحيان شديدة الفساد.. وقامت العائلات الحاكمة باستخدام معرفتها المسبقة بالمبادرات
السياسية والاقتصادية المهمة للدخول في نوع من التداول لإفادة أقاربهم ورفاقهم.
فقد وضعت زوجة الدكتاتور التونسي السابق بن علي»، مصففة الشعر الشهيرة ليلى الطرابلسي،
أقاربها في مواقع العمل الرئيسة، وفي مفاصل الحكومة من الداخل، وأعطتهم التراخيص التي
سمحت لهم بالسيطرة على البلاد.. وقدرت السفارة الأمريكية في تونس في عام ٢٠٠٦م أن نصف
المشاريع الكبرى في تونس يملكها أناس لهم صلات «قربى» أو «مصاهرة من الرئيس.
وفي مصر، استفاد أحمد عز» - على سبيل المثال - من المنصب الرفيع في الحزب الوطني
الديمقراطي الحاكم، وصداقته مع «جمال» ابن الرئيس المخلوع حسني مبارك... وقد تم توجيه
الاتهام رسميا إلى «عز» بالسيطرة بشكل غير شرعي على صناعة الحديد الصلب المملوكة للدولة
وتحويل مسار منتجاتها لمصلحته الخاصة وحوّلها من شركة لتصنيع الحديد إلى شركة خاصة
لتصنيع حديد التسليح.
وفي العقد الماضي، كان عز مسيطرًا على نسبة %٣٥ من السوق المصرية من الصلب، ثم
وصلت إلى أكثر من ٦٠، مما أثار عاصفة من الاتهامات لممارساته الاحتكارية وقد قام
«مبارك» بتزوير الانتخابات التشريعية، لدرجة أن الحزب الوطني كان يفوز دائما بمن اختارهم
الرئيس، وهكذا استطاع «مبارك» أن يحكم مصر من قبل نخبة مغلقة.
عقبة كؤود
أدت السياسات الخرقاء لهذه الدول ذات الحزب الواحد إلى خلق قلق واسع النطاق بين
العمال والعاطلين عن العمل، وحتى أصحاب المشاريع خارج دائرة الحكم، وهذا على ما يبدو
أدى إلى خلق عقبة كؤود أمام طموح أي شخص عادي.. فقد كانت حاشية الرئيس وحدها هي التي
تستطيع الاستفادة من الممتلكات أو الأموال المصادرة من النخب الفاسدة، الذين يتلقون
الدعم من الشرطة السرية، وسحقت الإضرابات العمالية بعنف من قبل الأجهزة الأمنية.
وبدأ الرؤساء يضعون أنفسهم في أجواء ملكية، ويجهزون أبناءهم كخلفاء لهم، لضمان
أن عصابات الأسرة الحاكمة والمحسوبية ستستمر في الجيل القادم.. وقامت دول الحزب الواحد
بإنجاز أهداف إنمائية مشوهة، ومن بين الإنجازات القليلة التي تمت تخفيض معدل وفيات
الرضع، لكنهم وضعوا مبالغ طائلة كرسوم للجامعات والتعليم العالي وأهملوا لسبب غير مفهوم
التعليم قبل الجامعي للفقراء في الريف والحضر. وكانت النتيجة وجود أعداد كبيرة من القرويين
الشباب، وسكان الأحياء الفقيرة وفرص محدودة للعمل ولتحصيل الرزق وكتائب من خريجي الجامعات
العاطلين عن العمل.
قاد الخوف من استمرار نخبة مغلقة من السياسيين والاقتصاديين التونسيين والمصريين
إلى التركيز على إزاحة الرئيسين بن علي» و«مبارك» من السلطة، وأدى ضيق أفق الزمر المهيمنة
على الحكم إلى اشمئزاز حتى ضباط الجيوش النظامية القريبين أصلا من الجماهير ومن الناس؛
لأنهم يقودون جيوشا من المجندين، فعندما خرجت الحشود إلى الشارع بقوة وعزم وإصرار أعلنوا
حيادهم.
وهناك من الدول الإقليمية التي تستخدم أسلوب «المافيا» في إدارة الدولة من سارعت
إلى تهدئة الرأي العام في البلاد، فقد أعلن الرئيس علي عبدالله صالح»، الذي يحكم اليمن
منذ عام ۱۹۷۸م، أنه لن يرشح نفسه لولاية أخرى في عام ۲۰۱۳م، ولن تكون هناك أي محاولة
لتثبيت ابنه من بعده.. في محاولة لإبعاد الانتقادات الحادة بالمحسوبية؛ إذ إن أخاه
غير الشقيق يتولى منصب رئيس القوات الجوية، وأبناء أخيه يشغلون مراكز عليا في الأجهزة
الأمنية (!!)، وكانت هذه التعهدات رمزا لإنهاء هيمنة الدولة والاقتصاد عن طريق أقارب
وأصدقاء «صالح».
إن المحسوبية وفساد زمرة الحكم أكثر ظهورا في اليمن الذي يعاني بالفعل من انقسامات
عميقة.. فالشمال القبلي له تاريخ مختلف عن الجنوب الذي كان فيه حركة عمالية حية استمرت
لفترة وجيزة، وحكومة شيوعية قبل أن يوحد «صالح» الشطرين بالقوة في عام ١٩٩٠م.
وهناك الثورات الدينية والقبلية، كما هي الحال مع الحوثيين الشيعة الزيدية في
الشمال والنزعة الراديكالية الإسلامية في الجنوب في المناطق الريفية، وهذا من الأسباب
التي جعلت اليمن دولة غير مستقرة.
فإذا أضفنا إلى ما تقدم تراجع عائدات البلاد النفطية، وأزمة المياه المتزايدة
اللذين جعلا الفطيرة الاقتصادية أصغر، نعرف سبب زيادة الاشمئزاز العام من «صالح» وحاشيته..
ووقوع الحكومة والاقتصاد في أيدي زمرة جشعة ما هو إلا وصفة جاهزة المزيد من الاضطرابات.
حرب ضروس
وفي الجزائر الغنية بالنفط، سلط المتظاهرون جام غضبهم على النخبة الفاسدة، التي
يمثلها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة»، وكانت الدولة الجزائرية المحكومة من قبل جنرالات
الجيش قد سمحت لحزب أصولي إسلامي - «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» - بخوض الانتخابات البرلمانية
عام ۱۹۹۱م، بافتراض أنها لن تفوز.
وقد ألغى الجنرالات الانتخابات عندما فاز الأصوليون بأغلبية الثلثين، وألقوا
بالبلاد إلى أتون حرب أهلية ضروس بين النخب العلمانية والأصولية الإسلامية من أبناء
الطبقة الوسطى في الريف والمدن، وهي الحرب التي كلفت الجزائر قتل نحو ١٥٠ ألف شخص.
ولأن الجنرالات انتصروا في الحرب الأهلية، والجيش يقف وراء النظام، فمن الصعب
على الجماهير الحضرية أن تكسب هذه القوة الدافعة.. ففي تونس ومصر، لم يكن هناك تاريخ
مماثل من الحقد بين الناس والجيش، ولا خوف على جزء من الضباط الذين يمكن محاكمتهم وإعدامهم
إذا أطيح بالحكومة كما هي الحال في الجزائر.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة الجزائرية النفطية لديها الموارد التي تمكنها
من رشوة الجمهور ودفعه إلى السكون والصمت أو نشر قوات الأمن الموالية لها بشكل جيد
إذا لم تنفع الرشوة.
مصالح شخصية
وفي العراق، قال رئيس الوزراء نوري المالكي»: إنه لن يسعى لفترة ولاية أخرى عندما
واجهه خصومه باتهامات تثبت أنه شكل خلايا سرية للتعذيب وجيشًا خاصًا... وطالما ظلت
ثروات العراق النفطية في يد الحكومة، فسيكون من السهل بالنسبة لحفنة قليلة من أعضاء
ورئيس مجلس الوزراء استخدامها لأغراضهم الخاصة ومصالحهم الشخصي، في الوقت الذي يعاني
فيه السكان حتى من ندرة المياه الصالحة للشرب، فضلا عن افتقارهم للكهرباء في كثير من
الأحيان.
في تونس ومصر، عندما انهارت وذهبت الأسر الحاكمة، قامت الحكومات المؤقتة بتجميد
حساباتها فورًا، بالإضافة إلى حسابات المقربين من النظام أيضا واتخاذ الإجراءات القانونية
ضدهم.. وإدراكا للعواقب انهار الحزب الحاكم السابق سيئ السمعة، وتم بالفعل حل حزب التجمع
الدستوري الديمقراطي في تونس وإنهاؤه تماما.
حقبة جديدة
الكثير من المتظاهرين سواء أكانوا من المنظمين أم القرويين أم خريجي الجامعات يبدو أنهم يعتقدون أنه بمجرد الخروج من المأزق أو إسقاط النظام؛ فإن الاقتصاد سيعود إلى طبيعته، وستفتح فرص التقدم أمام الجميع على مصراعيها، وقد وضعوا آمالهم في انتخابات برلمانية حرة ونزيهة. ولكن، قد يكون «الشرق الأوسط» متجهًا إلى حقبة ليبرالية جديدة تشبه حقبة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي... فإذا انسدت الآفاق أمام هذه التطلعات السياسية الشعبية، في ظل إتاحة الفرص الاقتصادية، كما حدث لبعض الحكومات الغربية في منتصف القرن العشرين، فقد تصبح الجماهير العربية أكثر يأسا، وعندها ستكون البدائل أسوأ وأخطر.
-----------------------------------
[1] thenation.com(:المصدر ) ۱۷ فبراير ۲۰۱۱م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل