; الثقة سلاح لا بد منه للداعية المسلم | مجلة المجتمع

العنوان الثقة سلاح لا بد منه للداعية المسلم

الكاتب محمد نعيم ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 72

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-يناير-1980

أكثر المنهزمين في هذه الحياة من المترددين الذين لا يثقون في أنفسهم، ولا فيما يحملون، وأنها لسنَّة ربانية حاكمة في مجتمع البشر أنه لا إقدام مع التردد، ولا نصر إلا مع الإقدام، وأنه لا هيبة لمن لا ثقة عنده ولا كرامة لمن لا هيبة له.

وأن من المُسَلَّمات العسكرية أن الانتصار وليد الروح المعنوية العالية وأنه لا قيمة لأي جيش مهما كان عدده وعتاده إذا كانت معنوياته منهارة.

  • وإذا كانت هذه مُسَلَّمة من المُسَلَّمات وسنَّة من سُنن الله في هذه الحياة فإن المسلم أَوْلى الناس بالهمَّة الصادقة والروح العالية؛ لأن هذه الروح ثمرة الثقة بمصدر الإمداد والعون، وأحقيَّة المنهج، وسمو الهدف، وكرامة المصير، ومَن في الدنيا أقوى من المؤمن سندًا ومددًا؟! وأي منهج أحق بالتطبيق والالتزام من منهج أحكم الحاكمين؟! وأي هدف يسعى إليه أسمى من رضا الله رب العالمين؟! وأي مصير أعز وأكرم من إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة؟!.
  • وإن يعجب الإنسان فالعجب من مسلم يهاب أن يقول للناس كلمة الحق ويبين لهم دعوة الله وهو يعلم أن الناس لن ينفعوه أو يضروه إلا بما كتبه الله عز وجل.
  • وأعجب من هذا أناس من المسلمين إذا تكلموا عن الإسلام تعمَّدوا إلى إخفاء بعض أحكامه أو تعاليمه أو أولوها تأويلًا فاسدًا مجاملة للسامعين أو خشية منهم أو حبًّا في إظهار الإسلام بمظاهر العصر وشعاراته ومنهم من يستعير مصطلحات البشر ويُلبسها للمعاني الربانية فيُذهب صفاءها ويُشَوِّه جمالها فيصد عنها ويفسد أكثر مما يصلح!
  • وهناك بعض المسلمين يتحاشون التصريح بهدف الدعوة الإسلامية في نشر الحق والعدل والقضاء على الظلم وإقصاء أهله عن مواقع التسلط على العباد وإسناد الأمر إلى أهله من المخلصين الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا ظنًّا منهم أنهم بذلك يصونون الدعاة من سطوة الظالمين ويُبعدون عن الدعوة المِحن والمصائب مع أنهم يسمعون قول الله عز وجل ﴿ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (محمد:4-6).
  • وبعض آخر تُنتَهَكُ أمامهم حرمات الدين، ويسمعون الشبهات تثار حوله فلا يُحرِّكون ساكنًا، ولا يذبون عن حرمات الله تعالى خوفًا على الرزق أو على الوظيفة أو على النجاح فَيُؤْثِرون السلامة ويسكتون وكأنهم لم يسمعوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «لا يحقرن أحدكم نفسه قالوا يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال يرى أن عليه مقالًا ثم لا يقول فيه فيقول الله عز وجل يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول خشية الناس فيقول فإياي كنت أحق أن تخشى». (أخرجه أحمد وابن ماجه)

وهناك نفر من المُسْلِمَات يصدُّهن عن تنفيذ أمر الله في ستر العورات خشية أن يُدمغن بالرجعية والتأخر أو يحرمن من وصف التقدُّم والتحرُّر وما دَرَيْنَ أن المتأخر من تأخَّر عن ركب الهدى والمتقدم من قدمه الله بالتقوى والمتحرر من تحرر من العبودية لغير الله عز وجل.

  • هذه أصناف من المسلمين تنقصهم الروح العالية التي تُولدها الثقة العظيمة بالله ودينه وإذا كانت الثقة ثمرة اليقين وقوة الإيمان فعلى هؤلاء أن يراجعوا قلوبهم ويعمروها بذكر الله وحبِّه وحب كتابه ودعوته وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاصة أولئك الذين حملوا دعوة الله لتبليغها للناس فهم أحوج إلى هذا السلاح وهم أحق به، وأولى بتقلُّده وهذه كلمات أُذكِّر بها نفسي وكل أخ اختار طريق الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل إعلاء كلمته سبحانه فأقول: ثق يا أخي أنك تركَنُ إلى أعظم قوة وتأوي إلى حمى ملك عزيز لا يُغلب، بيده أعناق الجبابرة ومصائر الطغاة.
  • ثق أن الطغاة وسائل بين يديه سبحانه يستعملهم كيف يشاء، فيعذِّب بهم من يشاء، ويمتحن بهم عباده ليعلم منهم الصابرين والثابتين.
  • ثق أن ربك أوفى الأوفياء وأصدق الواعدين، وعد الذين ينصرونه بالنصر، ووعد المؤمنين به بقسط من عزته، ووعد العائذين به بحسن الاستقبال وأكمل الحماية.

انظر في قلبك هل يحس بهذين المعنيين العظيمين، الثقة بقوة الله، والثقة بنصره، هل تحمل بين ضلوعك هذا السلاح الرباني؟ إني أدعوك ونفسي إلى حمله صباح كل يوم وفي كل لحظة من نهار وليل، وانظر بعدها كيف تقابل المنكر، وكيف تواجه الطغيان كيف تكافح الضلال أن الثقة بالله وقدرته ونصره يجعلك مقدامًا لا تهاب ثابتًا لا تتردد واعلم أن الناس لا يمتَثِلون لمتردد ولا يستجيبون لجبان.

  • ثق يا أخي أن دعوتك التي تدعو إليها الناس أصدق دعوة وأبرك دعوة، وأن نهجها أصح نهج، ونظامها أحكم نظام، وأن دواءها أنجع دواء، بل ثق أن لا سعادة للبشر إلا باتباعها، ولا سلامة لهم إلا بانتهاج نهجها، ولا شفاء إلا بتجرع دوائها، ألست آمنت بالله وأنه أحكم الحاكمين؟ فثق إذن أن الحكمة في أحكامه والصواب في منهاجه والسعادة في نظامه، واخرج على الناس بهذه الروح، فإن الإنسان بطبعه يعرف لهجة الواثق، ويدرك طمأنينته ويحس بها وأن لها من الأثر عليه والوقع في نفسه مالا تدركه الخطب البليغة ولا تحدثه السيوف المصلتة.
  • ثق وأنت تدعو الناس أن الشريعة التي تدعو إليها أكمل شريعة، وامتثل في عقلك وقلبك قول ربك ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:3) فإذا ذكرت السياسة؛ فثق أنك تدعو الناس إلى سياسة أحكم الحاكمين مسخِّرِ كل شيء لما خُلق له، عالم المصالح والمفاسد، ومحب الخير والصلاح لعبادة، ومبغض الشر والفساد لهم، وإذا ذكرت العدل؛ فثق أنك تدعوهم إلى قضاء أعدل العادلين المنزَّه عن الميل والهوى والغرائز والشهوات، وإذا ذكرت الحرية؛ فثق أنك تدعو إلى دين الحرية وإلى رب لا يقبل من العباد إلا الخضوع له دون سواه ويبغض لهم الخضوع لأي مخلوق، وإذا ذكرت القوة والمنعة؛ فثق أنك تدعو إلى التحالف مع أقوى الأقوياء الذي له جنود السموات والأرض.
  • واعلم أن سلاح الثقة الذي يمنحه لك الإيمان له ثمرة تدل عليه، ونتيجة يقتضيها، ومظهر مؤثر في القلوب، وحدٌّ ماض قاطع لا يقف أمامه أي إغراء ولا يثلمه أيّ تهديد أو ترهيب، إنه سلاح الصراحة والصدع بالحق والوضوح في الدعوة وعدم المجاملة في الدين فيجب عليك أن تصدع بالحق صدعًا كما صدع به رسولك الكريم وقدِّمْه للناس كما تعلمته من ربك ورسوله ولا تتنازل عن شيء منه صغير أو كبير، قليل أو كثير. قدِّم لهم الدين بجوهره الرباني وثوبِه الإلهي، قدِّم لهم تصورك عن الإنسان والكون والحياة وخالقهم كما علمك ربك في قرآنه ولا تُلبسه ثوبًا جدليًّا ولا كلاميًا قدم لهم ما يجب أن تكون عليه علاقتهم بخالقهم، وقدِّم لهم أحكام ربك في سياسة الدنيا وتنظيم الحياة ولا تُلبسها أي ثوب من صنع البشر.
  • نعم سوف يرميك الجاهلون والظالمون بأصناف الأذى، وسوف يرشقونك بسهام شهواتهم، وسوف يضايقونك بِقِيّمهم وموازينهم، وهنا ينفعك إيمانك وثقتك بربك ورجاؤك فيه وقد صدق ربك تبارك وتعالى إذ يقول ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:104) فبالرجاء في الله تجد شفاء صدرك، وهم لا يجدون، وبالثقة بنصره سبحانه تخفف من آلامك، وهم في بحر الآلام مغرقون، حتى إذا يئسوا من أمنياتهم وإيحاءات شياطينهم فاءَ العقلاء إلى رشدهم سواء على يديك أو على يدي غيرك من المؤمنين، ولن يخذل الله أولياءه وإن النصر للصابرين.
  • فإن لم تقف في المعركة هذه الوقفة وترددت وتلعثمت وجاملت وتنازلت؛ فلا تلمهم إن تمادوا في طغيانهم أو لجُّوا في ضلالهم؛ لأنك بترددك تُشعرهم بضعف مستندك وبمجاملتك لهم توحي إليهم بحُسن ما هم عليه من الباطل، وجودة بضاعتهم، وزيف تجارتك، وبتعليمك تُوقِعُ في أنفسهم وَهَنَ مُرتكَزِك وخوفك من وسائلهم فتصدُّهم بذلك عن دعوتك وتدفعهم إلى مزيد من التمسك بضلالهم.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل