العنوان الثقافة الإسلامية والرؤية العقدية
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 26-مارس-2005
مشاهدات 89
نشر في العدد 1644
نشر في الصفحة 66
السبت 26-مارس-2005
لا يستطيع المرء أن يفصل بين المعطيات الحضارية وبين الأمة التي صاغتها أي بين خصائص هذه المعطيات وبين قيم ومبادئ واهتمامات وتصورات الجماعات المسلمة التي صنعتها فكراً، وعلماً، وفناً، وأدباً، واقتصاداً، وإدارة وعمراناً، كما أنه ليس بمقدورنا أن نعلق خصائص هذه الحضارة على موقف «السلطة» في التزامها أو عدمه، لقيم الإسلام وأهدافه، لأن السلطة، وإن كانت تمارس دورها البارز في تكوين المنجزات الحضارية ومنحها بعض خصائصها ومكوناتها، إلا أن هذه المنجزات تبقى في الأعم الأغلب. أكبر من السلطة، ومن محاولاتها ونظمها وقدرتها على الضبط والتوجيه، وتتسع منداحة باستمرار لكي تكون في نهاية الأمر موازية لحجم الجماهير الأوسع والأقدر على مواصلة الإنجاز، والأكثر في معظم الأحيان. إيماناً والتزاماً، إن الحضارات الكبيرة تميل في الغالب لأن تكون تعبيراً عن معطيات أمة بكاملها.وتبدو الخصائص الإسلامية للحضارة زمن نموها أكثر ما تبدو في دائرة النشاط المعرفي والثقافي باعتبارها انعكاساً للفكر والحياة والروح الإسلامية. وحيثما تلفتنا عبر معطيات هذه الدائرة وجدنا صبغة إسلامية بهذه الدرجة اللونية أو تلك. لنأخذ مثلا العلوم الإنسانية والآداب والفنون التي تشكل مساحة واسعة في دائرة الثقافة، فماذا نجد؟ المؤرخ وهو يبني «معرفته »على أسس إسلامية، ويقدم معطياته في إطار إسلامي. الجغرافي وهو يضرب في الأرض ملقياً رؤيته على الظواهر والخبرات والأشياء من منظور إسلامي بغض النظر عن الأخطاء الذاتية والموضوعية التي يقع فيها هذا المؤرخ أو الجغرافي، أو ذاك الفيلسوف والمنطقي، وعالم الكلام وهو يجاهد لكي يحقق الوفاق بين معطيات الأقدمين وبين تصوره الإسلامي.
المربي وهو يسعى إلى صياغة وتوجيه السلوك الفردي وفق مطالب الإسلام وقيمه الأديب وهو يستمد من بحر العقيدة الجديدة الكثير من أغراضه ومضامينه...الفنان وهو يبني أو يرسم أو يشكل ما لا يمثل ارتطاماً بمطالب الدين الجديد وتصوراته، وما يغني هذه المطالب بالمزيد من القدرات يحدث أن يشذ هذا المؤرخ أو الجغرافي أو الفيلسوف أو الأديب أو الفنان، لكنها استثناءات للقاعدة الأوسع والأعرض، ولمن يؤخذ بها أو يقاس عليها. ولقد نفذت المعرفة والثقافة الإسلاميتين تغطية شاملة لهذه المحاور بفروعها وتفاصيلها ومنحنياتها وجزئياتها كافة، فقدمت حشوداً من الكشوف والخبرات والإبداعات، وصنفت آلاف الكتب وبنت وأنشأت المئات من المراكز والمعاهد والمدارس والجامعات والمؤسسات، وخرجت عشرات الألوف من الأساتذة والباحثين، واحتضنت مئات الألوف من الطلبة والدارسين عبر العصور. وكان الشعار والدافع إسلامياً في معظم مساحاته طلب العلم من المهد إلى اللحد والتحرك من أجلهفي مشارق الأرض ومغاربها ، كما علمهم كتاب الله وسنة رسوله . ومن خلال نظرة سريعة على كتب «التراجم» التي تغص بها مكتبتنا التاريخية، يتبين لنا بالأرقام والأسماء الواضحة المحددة الحشد الكبير من المعنيين بالمعرفة في حقولها كافة.. مئات الآلاف من الأسماء التي تتضمنها كتب التراجم فيما لم تشهد له مثيلاً أمة من الأمم في التاريخ القديم والوسيط . وهذا يحمل . ولا ريب. دلالته الإحصائية الواضحة على حجم التيار المعرفي الذي شقه المسلمون عبر التاريخ، وعلى تدفق واتساع مجراه ومن خلال نظرة سريعة. كذلك على «مقدمات» الألوف من المصنفات في سائر مناحي العلوم والآداب والفنون التي كتبها أجدادنا المسلمون، يتبين لنا بالدليل المشهود كيف أنهم كانوا يربطون تأليفهم ومنجزاتهم الإسلامية بنظرتهم للعالم، وتصورهم المتدين للكون والحياة والظواهر والأشياء... كيف أنهم كانوا يبدؤون عملهم باسم الله، وينتهون منه بحمد الله، حتى وهم ينشطون في حقول الطبيعة والهندسة والحساب والجبر والكيمياء.. حتى وهم يتدارسون الفلسفة والهيئة وعلوم الأقدمين.. حتى وهم يبنون، ويرسمون ويزخرفون، وينشدون فإنهم إذ وجدوا الإسلام يحرم أصنافاً من الفنون قد تقود الإنسان ثانية إلى الخطأ أو الإذلال، سعوا إلى تصعيد طاقاتهم الفنية باتجاهاتأخرى فتفننوا في بناء المساجد البديعة والمدن الجميلة، والزخارف الباهرة، والخطوط المدهشة.. وما سمحوا لأنفسهم أن يغضبوا الله ورسوله، أو أن يحدثوا في وجدانهم وقناعاتهم الدينية شرخاً قد يتسرب منه الازدواج والفساد. إن الانفصام النكد بين ثقافة المسلم وبين أصولها الدينية تقليد دخيل أرغمت عليه أجيالنا المعاصرة إرغاماً.. جرعته رغبا ورهباً كما يجرع المريض دواء مراً. فمن خلال المدرسة والجامعة والمنهج ومن خلال التربية والتوجيه الإعلامي والفكري، تمكن الغرب من فرض رؤيته العلمانية، وأحياناً المادية على مساحات واسعة من علومنا وأدائنا وفنوننا وأنشطتنا التربوية، وتحقق له بعد جهد طويل لم يكلل بالنجاح الكامل لحسن الحظ، إحداث هذا الفصام المشؤوم بين العلم والدين، بين الثقافة بعامة وبين إطارها الإيماني الذي تحركت من خلاله مواكب الآباء والأجداد دونما أي إحساس بالثنائية أو الازدواج، بل على العكس. بقدر معجز من التوحد وقدرة هذه على الإنجاز.
(*) كاتب ومفكر إسلامي عراقي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل