; الثقافة اللقيطة.. والهجوم على الأزهر (2 من 2 ) | مجلة المجتمع

العنوان الثقافة اللقيطة.. والهجوم على الأزهر (2 من 2 )

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994

مشاهدات 71

نشر في العدد 1100

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 17-مايو-1994

·       في الوقت الذي يتهجم فيه العلمانيون على الإسلام وعلمائه بهجومهم على الأزهر لا يجرؤون على الاقتراب من الكنيسة وقساوستها.

·       روز اليوسف تقود فيلق التهجم على الإسلام والأزهر.

·       موقف الأزهر من الربا ودفاعه عن الإسلام وقيمه ودحضه للفكر اللقيط سر الحملة الآثمة للفيلق الماركسي اللاديني.

كان الأزهر - وما زال - قلعة الإسلام الحصينة التي تتحطم على أبوابها حملات الإرهاب المعادية للإسلام، وظل على مدى ألف عام ينافح عن العقيدة والشريعة والثقافة الإسلامية ضد عمليات الغزو الفكري والتغريب الثقافي.

وكان الأزهر - وما زال - أبرز نموذج للموضوعية العلمية، والتسامح الفكري، حيث تدرس في معاهده وكلياته المذاهب الأربعة مقارنة الأديان، دون تعصب أو عنصرية.. ومنهجه في الرد على خصومه هو المنهج العلمي الذي يوضح الحقائق بالدليل والبرهان.

فلماذا يصر أصحاب الثقافة اللقيطة في زماننا على مهاجمة الأزهر وهجائه، دون ذنب اقترفه أو جناية ارتكبها؟ ولماذا يتجرؤون على علمائه وشيوخه في الوقت الذي لا يجرؤون على الاقتراب - مجرد الاقتراب - من الكنيسة وقساوستها؟ وهل هناك دوافع وراء سلوكهم المشين ضد الأزهر الجامع والجامعة؟

لنقرأ أولاً ما قاله بعضهم عن الأزهر وعلمائه وشيوخه، ثم نرى بعدئذ أبعاد الحملة الآثمة التي قادها مثقفو الفكر اللقيط من الشيوعيين والناصريين والعلمانيين الذين يخدمون السلطة، ويروجون للحكم العرفي.

أصدرت مجلة «روز اليوسف» في شهر يناير الماضي عدداً خاصاً عن الكتب المصادرة بسبب مخالفتها للدين أو عبثها بالقيم الإسلامية، ونشرت نماذج أو فصولاً من هذه الكتب متحدية قرارات المصادرة، ومتحدية الأزهر وعلماءه.. ومن بين الفصول التي نشرتها صفحات من الشعر الجاهلي لطه حسين، وقصيدة لنزار قباني، وفصلاً من كتاب ألف ليلة وليلة، وفصلاً من آيات شيطانية لسلمان رشدي، وفصلاً من أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

وقالت المجلة في معرض تقديمها للنصوص الشاذة وكتابها: «إن الإسلام لم يعرف المصادرة.. لقد كانت الأفكار مفتوحة كالشوارع، ثم جاءت السياسة فطفت وسادت وحرمت وقتلت.. ثم جاء تجار الدين وكهان التدين فطفوا وسادوا وحرموا وقتلوا، فصار طه حسين كافراً، ويوسف إدريس خائناً، وفرج فودة مرتداً، ونزار قباني منحلاً.

لقد أصبحت كل الطرق تؤدي إلى التطرف وتمضي إلى الإرهاب.. والأزهر يتصدر دور البطولة في هذه المصادرات.. وقد وضع شيوخه وأساتذته أوصياء من دون الله على كل رأي أو اجتهاد.. الأزهر صادر علي عبد الرازق وطه حسين ونجيب محفوظ ولويس عوض وفؤاد زكريا، وفرج فودة، وسعيد العشماوي وغيرهم.

لقد جعل بضعة أساتذة في مشيخة الأزهر من أنفسهم القضاة على هؤلاء المفكرين العظام.. حجاباً على أفكارهم حواجز على آرائهم، رقباء على كتبهم».

وإذا كانت «روز اليوسف» بهذا العدد الخاص، قد وصلت إلى ذروة التهجم على الأزهر، فقد أصدرت من قبل أعداداً تحمل موضوعات مثيرة، تطعن في علمائه وشيوخه وتطال أعلامه البارزين، وتربطه بموضوعات رخيصة وقضايا لا تليق بمكانه وكيانه مثل الموضوع الذي نشر عن الأزهر والجنس.

وفي صحف ومجلات أخرى ترددت كتابات مشابهة تركز على اتهام الأزهر بالسلطوية ومحاكم التفتيش ومطاردة الإبداع، ومصادرة الفكر، والكهنوت الديني، والحجر على الحرية والتعبير.

وراح أصحاب الثقافة اللقيطة يرددون مصطلحات الهجوم على الأزهر في كتاباتهم وندواتهم، ويصورون علماءه وشيوخه بكرادلة الكنيسة في العصور الوسطى، ويضعون الجميع في إطار كهنوتي قبيح وبشع.

لماذا يهاجم أعلام الثقافة اللقيطة الأزهر وعلماءه؟

لو أننا تتبعنا مجريات الأمور على المستوى العام في السنتين الأخيرتين لوجدنا عدداً من النقاط لا بد أن توضع في الحسبان عند تفسير الهجوم الشيوعي الناصري العلماني على الأزهر الشريف.

النقطة الأولى: تتمثل في موقف الأزهر من قضية الربا، فقد رفض الأزهر أن يحلل فوائد البنوك وبالتالي فوائد القروض التي تثقل كاهل الشعب والوطن، وتربطه بقيود حديدية إلى عجلة الدول الأجنبية المقرضة، وقد أعلن شيخ الأزهر رأيه صريحاً وواضحاً وقاطعاً على صفحات الصحف اليومية، وصدرت مجلة الأزهر تحمل آراء علماء الدين على صفحاتها، وفي كتيبات ألحقت بها.

في ذات الوقت كان هناك موقف مختلف لمفتي الجمهورية الذي حلل فوائد البنوك وشهادات الاستثمار وفوائد التوفير في هيئة البريد، معتمداً على اجتهادات ضعيفة وهشة، ولا أساس لها اللهم إلا إرضاء السلطة وإخراجها من مأزق العمل بغير الشريعة، والحكم ببراءة «شايلوك»، اليهودي المرابي الذي اقتطع لحماً من جسد المدين وفاءً لدينه الربوي (راجع مسرحية شكسبير الشهيرة: تاجر البندقية).

النقطة الثانية: تدور في إطار موقف الأزهر من الحملة العاتية ضد الإسلام التي تهدف إلى اقتلاعه أو تحويله إلى دين كنسي، وتستغل أحداث العنف الجارية لتصوير الإسلام مصدر متاعب للسلطة والنظام، فقد رفض الأزهر تلك الحملة وتصدى لها علماؤه وشيوخه بأسلوب هادئ ومقنع، وهو ما جعل قادة الحملة من الماركسيين والناصريين واللادينيين يرون في الأزهر عقبة كبرى تحول دون تحقيق أمانيهم ورغباتهم.

كانت الحملة الآثمة ضد الإسلام تتخذ من التطرف والإرهاب مدخلاً لتشويه العقيدة وتسفيه الشريعة، وصار من المعتاد أن يطلق لفظ متطرف وإرهابي على كل متدين أو مؤمن بالتصور الإسلامي، ولأن الأزهر لم يدخل فلك هذه اللعبة، فقد صار الأزهر يمثل مشكلة كبرى لأصحاب الثقافة اللقيطة، وبخاصة بعد أن أجاب شيخ الأزهر في إحدى الندوات عن سؤال حول من هو الإرهابي؟ فقال الرجل ببساطة: القضاء هو الذي يحدد من هو الإرهابي، ومن هو غير الإرهابي؟

النقطة الثالثة: وتخص رأي الأزهر في تلك الكتابات الساقطة والمعادية للإسلام، ويروج لها أصحاب الثقافة اللقيطة في أجهزة الإعلام والصحف الحكومية التي يسيطرون على مقدراتها وتحريرها.

هذه الكتابات استعراضات جنسية فجة تحت مسمى رواية أو قصيدة أو قصة قصيرة، وهي استعراضات تصادم الذوق والفطرة قبل أن تصادم الإسلام وقيمه، وقد كتبت عن بعضها في حينه، وسميتها كتابة «الفعل الفاضح»، وعالجت بعضها في كتابي «الورد والهالوك»، وهي في مجموعها لا تمثل فناً ولا أدباً ولا فكراً، اللهم إلا العودة إلى حيوانية بشعة تجافي الأخلاق والقيم والعقائد.

والأخطر من ذلك تلك الكتابات التي ترفض صراحة تطبيق الشريعة الإسلامية، وتتعلل بما يسمى الوحدة الوطنية وتغيير الزمان، والادعاء باستحالة التطبيق بعد الخلفاء الراشدين، أو الزعم بأن الشريعة لم تطبق أبداً على مدى التاريخ الإسلامي بعد عصر النبوة، وتفسير التاريخ الإسلامي من خلال كتاب «ألف ليلة وليلة».

لقد أبدى الأزهر رأيه في الكتابات الساقطة والمعادية، وقامت الجهات المعنية بمصادرة بعضها، ومن ثم فإن القوم - أي أصحاب الثقافة اللقيطة - جعلوا الأزهر هدفاً لهم ينبغي إسقاطه والقضاء على ما تبقى من كيانه في حملة مستمرة دون هوادة، ومن ثم كانت تلك الأوصاف الرخيصة التي ذكرتها «روز اليوسف»، وجعلت منه طليعة للتطرف والكهانة والتجارة بالدين والوصاية على من تسميهم بالمفكرين «العظام».

وكان ذلك الفرح الهستيري لما قاله مسؤول كبير حول جواز عدم مصادرة أي كتاب بدون حكم قضائي، وتفسير هذا القول تفسيراً عدوانياً ضد الأزهر الذي لا يملك بالفعل القدرة على مصادرة أي كتاب لأنه ليس جهة اختصاص، إنه يبدي رأيه فقط، ولكن أصحاب الثقافة اللقيطة يستكثرون عليه حق إبداء الرأي!

إن كتابات المفكرين «العظام»، كما تسميهم «روز اليوسف»، صودرت أو قوطعت، من جانب الأمة أو جماهيرها العريضة، قبل أن يبدي الأزهر رأيه فيها، بسبب ما تحمله من عبث بالمفاهيم الإسلامية، والجرأة على العقيدة، والتطاول على الشريعة، ولكن أصحاب الفكر الزنيم جعلوا الأزهر كبش الفداء لأنهم لا يستطيعون مواجهة الأمة التي رفضتهم ورفضت «عظماءهم»!

المفارقة أن بعض هؤلاء «العظماء»، قد عدلوا عن آرائهم التي أعلنوها بعد أن عادوا إلى الصواب أو اكتشفوا أخطاءهم، من أمثال طه حسين وعلي عبد الرازق، ومع هذا فإن القوم يصرون على تجاهل ذلك التغير، ويشيدون بما كتبه العظماء سلفاً بوصفه «استنارة» و«تقدماً» و«فتحاً مبيناً»!

ذات يوم كتب أحد أفراد الطائفة الإنجيلية في مصر كتاباً حول «التطرف النصراني» تحت عنوان «المسيحية السياسية في مصر»، وهو تعبير مهذب عن التطرف ضد الدولة ودينها الرسمي - وعرض لهذا الكتاب بعض المحررين في الصحف اليومية، فقامت الدنيا الصليبية ولم تقعد، لأن هناك من تجرأ - في أدب ورقة - على مقام الكنيسة، وكانت اعتذارات وتوضيحات وتصويبات.. أما المسألة بالنسبة للإسلام أو الأزهر، فتعني أن كل شيء مباح وأن الماركسي أو الناصري أو العلماني أو الطائفي المتعصب من حقه أن يفتي في أمور الدين، وأن يرفض تعاليم الإسلام، وأن يشهّر بالعقيدة والشريعة، فضلاً عن التشهير بالأزهر وعلمائه وشيوخه، تحت دعوى حرية الفكر وحرية التعبير! ولا يستطيع عالم أو شيخ أن يجد مكاناً أو منبراً يرد من خلاله على ما يفعله المرجفون في المدينة أو المفسدون في الأرض.

إن الحملة الإجرامية على الإسلام والأزهر تجاوزت كل حد لدرجة أن بعضهم يرى فيما يذيعه التلفزيون والإذاعة من أحاديث دينية لعلماء الأزهر مصدر جهل وتحريض صريح بالطائفية والانقسام، والهدف من وراء ذلك هو إبعاد العلماء والدين عن أجهزة الإعلام، ووصل الأمر بقادة الحملة الإجرامية إلى مطاردة عمال المطابع والمصححين في هيئة الكتاب الذين أذهلتهم الكتابات العبثية الشاذة والمعادية للدين وجرأة كتابها، ويصور أصحاب الفكر اللقيط موقف الناس من شذوذهم بالمناخ الإرهابي! ويرون في المقالات المدافعة عن الإسلام والأزهر غطاءً شرعياً للإرهاب وحملة ضد اللوحة والعقيدة واللحن.

ومن أطرف ما جرى في هذا السياق أن هيئة الرقابة الإدارية - وهي جهاز حكومي مهمته التفتيش على أوجه الإنفاق وسلامة ممتلكات الدولة – أقحمت في مجال الحملة على الأزهر ونالت نصيبها من التشهير والتشويش، فقد نشر أحدهم خبراً رئيسياً في جريدته يقول: «قامت لجنة من الرقابة الإدارية بمداهمة الهيئة العامة للكتاب ومعها قائمة بعناوين مجموعة من الكتب والإصدارات وقامت بتقصي الحقائق حول كيفية إصدارها، والقرارات المحيطة بطبعها ونشرها! وأصدرت اللجنة توجيهات بعدم التصرف في هذه الكتب التي يتنوع مضمونها بين الشعر والقصة والرواية».

وانتهز كاتب طائفي متطرف الفرصة ليدلي بدلوه ليهاجم من يسميها بقوى الظلام (يقصد الإسلام)، وكتب يقول: «إنني أكتب هذه السطور لأنبه، فربما يحاول البعض استدراج جهاز الرقابة لممارسة أعمال ليست من اختصاصه.. أو يحاول أن يستعديه على الهيئة العامة للكتاب التي تخوض في هذه الأيام معركة ضد قوى الظلام التي تريد العودة بالبلاد إلى الوراء والتي تحارب كل فكر مستنير، وكل رأي حر» (الأخبار، 27/1/1994م، ص 3).

ما حدث بعد ذلك أن رئيس هيئة الكتاب صرح في اليوم ذاته، رداً على سؤال حول ما نسب إلى الرقابة الإدارية بقوله: «الرقابة الإدارية جهة تفتيش عما يجري داخل مؤسسات الدولة، وليست جهة مصادرة، وكانت تقوم بعمل روتيني داخل الهيئة» (الجمهورية 27/1/1994م).

ترى هل تعرف حمرة الخجل وجوه أصحاب الفكر اللقيط؟ كلا.. فقد تعودوا على الكذب والتزوير والتلفيق طالما كان ذلك في سبيل مصالحهم ومصالح من يعملون لحسابهم.. ولا يعنيهم بعدئذ دين ولا أخلاق ولا قيم.. المهم أن يؤدوا دورهم بمهارة وإتقان، حتى لو اكتشف الناس مخاتلتهم وزيف كلامهم.

لقد ظل الأزهر شامخاً على مدى ألف عام أو يزيد، وسيظل بإذن الله منارة إسلامية حقيقية تواجه ظلام الملحدين وخدّام الطغيان وجنود الشيطان، لقد حاول «محمد علي» في مطلع القرن التاسع عشر أن يعصف بالأزهر ويقتلع جذوره، بعد أن اكتشف قدرته على تهديد طاغية مثله، وكرر «جمال عبد الناصر» المحاولة ذاتها في منتصف القرن العشرين، بقسوة أكثر وشراسة أشد، ولكن الأزهر لا يموت ولا يذهب بالرغم مما يعانيه من قهر وحصار، لسبب بسيط هو أنه يحمل كلمة الله إلى عباد الله، تلك الكلمة التي هي أساس ثقافة أمتنا، وأساس حضارتها، وأساس مصيرها ومستقبلها، لقد بقي الأزهر وذهب «محمد علي» و«جمال عبد الناصر»، وسيعود للأزهر بإذن الله، بهاؤه ونقاؤه، وقوته وعزته، ومجده وعظمته، بالرغم من أنف أصحاب الثقافة اللقيطة وسادتهم، واسلمي يا مصر.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)