العنوان الثقافة اللقيطة.. والهجوم على الأزهر (١من٢)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 93
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 10-مايو-1994
• رموز الثقافة
اللقيطة يدافعون عن المرتد سلمان رشدي تحت مأوى حق الإبداع.
• العلمانيون
يهاجمون الأزهر بوصفه رمزًا للفكر الإسلامي الذي يعوق إبداعهم المزعوم.
الثقافة اللقيطة ثقافة مستبدة قديمة، وآية ذلك أن أهلها لا يعترفون
بالآخر، ولا يريدونه في الساحة الثقافية، وإذا وجدوه حكموا عليه بالنفي، وإن
استطاعوا قتله بالصمت والتزوير والتشهير، أقدموا ولم يترددوا.
والثقافة اللقيطة تكره الثقافة الأصيلة التي تمتد بجذورها إلى أعماق
الوطن والشعب والأمة، وإذا كانت تلك الثقافة تعلن دائما عن ضرورة الحوار مع
الثقافات الأجنبية، فإن المفارقة أنها تعيش خصومة دائمة مع الثقافة الوطنية التي
يصنعها الإسلام وتصوغها الحضارة الإسلامية، ثم تتبرأ دعاواها الكاذبة من الحوار
بالحديث عن فصل الثقافة عن الدين وضرورة هذا الفصل كي تزدهر الثقافة كما يتصور
أنصارها، في حين أن سادتهم أعلنوا على الدنيا أن الثقافة هي الوجه الآخر للدين.
ويبدو أنهم يفاخرون بثقافة سادتهم طالما كان الدين دينا آخر غير
الإسلام لأن الإسلام -من وجهة نظرهم- محظور عليه أن يكون له موطئ قدم في أي من
مجالات الحياة أو الحضارة، أما غيره ولو كان دينا وثنيا أو وضعيا فمسموح له أن
يفعل ما يريد، ولو كان تقديس بقرة والخشوع أمامها!
في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة وقفت إحداهن أمام رئيس الدولة أثناء
اجتماعه بكتاب السلطة وأنصارها من الشيوعيين والعلمانيين وأصحاب المصالح، وطالبته
بأن يأمر بجمع الكتب والشرائط الإسلامية من المكتبات والأسواق، لأنها في زعمها
تنقص من حرية المرأة وكرامة المرأة وكيان المرأة، ورد عليها رئيس الدولة بأن ذلك
غير ممكن «صحف القاهرة 28/1/1994 م».
وفي الوقت الذي يتباكى فيه متعاطو الثقافة اللقيطة على التعبير
والإبداع، لأن السلطة صادرت مجموعة من الكتب البذيئة والساقطة مثل رواية «الرعاة»
و «آي جيم» و «أنا بهاء الجسد» ومخلوقات الأشواق الطائرة، فإنهم يسعون إلى قهر
الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية، ويعملون من أجل ذلك بكل
السبل والوسائل، واستدعاء السلطة علنا، على الرغم من أنها ليست في حاجة إلى هذا
الاستدعاء لأنها تقوم بما يريدون وزيادة.
إن سيدة علمانية ترفض مبادئ الإسلام بالنسبة للمرأة بحجابها وعلاقاتها
داخل المجتمع لا تتورع أن تطالب رئيس الدولة وعلى رؤوس الأشهاد -«أذيع الحديث
تلفزيونيا»- بمصادرة الفكر الإسلامي والكتب الإسلامية ببساطة متناهية بحجة أن هذه
الكتب وذلك الفكر يسيئان إلى المرأة المصرية.
ولم تقل لنا السيدة العلمانية ما هي الإساءة التي وجهت إلى المرأة
المصرية وأزعجتها إلى هذا الحد الذي تعلن فيه عن هوية قمعية مستبدة بغيضة، وليست
هذه السيدة العلمانية وحدها هي التي تتبنى لغة الاستبداد والقمع، فيصف النقاد
الذين يريدونه ويروجون لسياسته الثقافية الاستعراضية بالشرف أما الذين يعارضون
الثقافة اللقيطة فيصفهم بالخسة والدناءة والعهر «الأهرام 1/2/1994 م» مما يعني
«مكارثية» مصرية جديدة لم يعرفها الناس من قبل أن يسمعوا هجاء الوزير!
ويتبنى رموز الثقافة الراهنة – الثقافة اللقيطة – المنهج المكارثي
ذاته حين يدافعون عن المارق «سلمان رشدي» صاحب «آيات شيطانية» وحقه في التعبير
والإبداع، على الرغم من أنهم يعلمون جيدا أنه يعبث بالمفاهيم الإسلامية ويعتدي على
حرمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزوجاته.
وعندما يصدر في باريس كتاب بالفرنسية بعنوان «100 كاتب من العالم
الإسلامي يدافعون عن سلمان رشدي» وتتأمل هذه
الأسماء المئة فإنك تجدها الأسماء المشهورة التي تطالعنا -صباح مساء- على صفحات
الصحف والمجلات التي تصدر بأموال المسلمين وتكافأ على مقولاتها الخبيثة بأموال
المسلمين.
هذه الأسماء المشهورة تتنكر لدينها وإسلامها من أجل المارق الهندي دون
أن تخجل من أمتها أو الرأي العام الذي يحرص على دينه وإسلامه في كل الأحوال، وفي
الوقت ذاته لم تجد أحدا من هؤلاء يستنكر ما قالته السيدة العلمانية عن جمع الكتب
والشرائط الإسلامية التي لا تعجبها.
السر في ذلك واضح ومطمئن؛ إنهم يريدون حرية التعبير لأنفسهم وبخاصة
إذا كانت في مجال هجاء الإسلام والهجوم على علمائه ومصادمة شعور الأمة بالكتابات
الإلحادية والجنسية والمقلدة للغرب، أما غيرهم فلا حرية له ولا تعبير له ولا إبداع
له.
لقد أصدر بعضهم بيانا نشرته إحدى الجرائد الأدبية في 23/1/1994 م
يقولون فيه: المثقفون المصريون المجتمعون بأتيليه القاهرة على مدى ثلاثة اجتماعات
في المدة من 14 إلى 18 يناير 1993 م «يقصد 1994 م» بعد أن ناقشوا الأوضاع التي آلت
إليها الثقافة في مصر، وإدراكا لمسؤوليتهم إزاء المجتمع، يتوجهون إلى الرأي العام
بالبيان التالي:
بات واضحًا من وقت بعيد أن حرية التعبير في بلادنا تتعرض لتهديدات
تنبع أساسًا من سياق اجتماعي متخلف تابع يفتقر إلى التقاليد الديمقراطية، وتستشري
فيه التيارات التجهيلية المعادية للعقل والحرية والإبداع تحت ستار الدين، وتتضافر
معها مجموعة من العوامل منها انعدام العدالة الاجتماعية وتفاقم الأزمة السياسية
والاقتصادية والرضوخ لإملاءات الثقافة النفطية وقيمها، وانصياع لمخططات الهيمنة
الخارجية «رمتني بدائها وانسلت» إلخ.
ويمضي البيان على هذا النحو متحدثا عن الاتجار بالدين والحرية
المفقودة التي يبحث عنها أنصار التقدم والاستنارة، وواضح لكل من له أدنى صلة ببيانات
الأحزاب الشيوعية العربية أن هذا البيان شيوعي في مضمونه وأسلوبه وإن لم يذكر شيئا
عن الاشتراكية ومرادفاتها والإمبريالية وشبيهاتها.
وإذا عرفنا أن هذا الأتيليه منذ نشوئه يضم صفوة شيوعية معروفة، أدركنا
لماذا يصر على مهاجمة الدين ويعده سببا لضياع حرية التعبير وفق مزاعمه.
يبدو أن البيان الشيوعي الذي يتخفى تحت رداء التقدم والاستنارة، يحمل
تناقضات غير غريبة على من صاغه، فهم أول من يعلم أن أجهزة التعبير الرسمية
والحزبية قد سقط معظمها في أيديهم، وأنهم وحدهم أصحاب اليد الطولى في التعبير عن
آرائهم المعادية للإسلام والمسلمين.
وأن السلطة لم تكتف بتمكينهم من الصحافة والإعلام وهيئات وزارة
الثقافة بل ساعدتهم في مدهم بالمعلومات حول الجهات أو الهيئات أو الأشخاص الذين
ينتمون إلى التصور الإسلامي، ولعل ما تنشره مجلة «روز اليوسف» التي يقوم على
تحريرها مجموعة من الناصريين الماركسيين مثل تلك الحالة خير تمثيل.
والبيان الشيوعي حريص كل الحرص على أن يصم التيارات الإسلامية بالجهل
والعداء للعقل والحرية والإبداع، ويعلم من كتب البيان أن التيارات الإسلامية تضم
صفوة الأمة في كافة التخصصات العلمية من طب وهندسة وزراعة وصيدلة وتجارة وفكر وأدب
وثقافة وليسوا جهلة كما يدعي البيان، ونماذجهم أشهر من أن تعرف.
ويكفي أننا نذكر كاتبي البيان بالنقابات المهنية التي يقودها
الإسلاميون العلماء الأطهار الذين يعرفون حقًا معنى العقل ومعنى الحرية ومعنى
الإبداع، ويكفيهم فخرًا وشرفًا أنهم رفضوا أن يكونوا دمى تحركها القوى المهيمنة
على الأمة.
إن المنصفين من مفكري الغرب، قبلة أصحاب الثقافة اللقيطة، قد أنصفوا
الإسلام وحضارته، ولعل «آدم ميتز» من أبرز أولئك المفكرين الذين اعترفوا بفضل
الإسلام على حرية الفكر والإبداع في الوقت الذي كانت فيه أوروبا لا تعرف إلا
مطاردة العلماء والمفكرين وإحراقهم في بعض الحالات.
ويتحدث «آدم ميتز» عن التسامح الذي تميز به الإسلام، ولم يكن موجودا
في أوروبا في العصور الوسطى، ويرى أن مظهر هذا التسامح هو نشوء علم موازنة الأديان
أي دراسة الملل والنحل على اختلافها، والإقبال على هذا العلم بشغف عظيم «الحضارة
الإسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر النهضة في الإسلام ترجمة أبي ريدة 1/75
وما بعدها».
دين الإسلام أكبر من ترهات الشيوعيين الذين يسمون أنفسهم الآن باسم
المستنيرين والتقدميين وأنصار الحكومة المدنية، يقصدون المعاداة للإسلام، ولو كانت
عسكرية تحكم بالقوانين العرفية وتعطي القانون المدني إجازة مفتوحة إلى أجل غير
مسمى.
والإسلام الكبير من مزاعم خدام السلطة المستبدة لأنه حرر العقول
والقلوب ودعا إلى استخدام العقل وإعمال الفكر والتفاني في الإبداع وإدامة التأمل،
وللعقاد كتاب مشهور لا بد من أن مستنيري الحكم العرفي قد سمعوا به اسمه «التفكير
فريضة إسلامية».
لكن عصر «التنوير المغشوش»، يأبى إلا أن يطمس الحقائق ويزورها، ويسدل
عليها ستار النسيان، باختلاق الأكاذيب، وترويج الأباطيل أو إلباس الحق بالباطل.
وإذا كان البيان الشيوعي الصادر عن أتيليه القاهرة يتحدث عن انعدام
العدالة الاجتماعية وتفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية – وللشيوعيين على مدى
أربعين عامًا نصيب كبير في إحداث الأزمة – فإن من الغريب حًقا أن يشير إلى الرضوخ
لإملاءات ثقافة النفط وقيمها ونحن لا ندري تمامًا ماذا تعني ثقافة النفط؟
وأي نفط يقصدون؟ هل هو النفط التقدمي الذي يتدفق لدى العقيد القذافي
والمهيب العراقي وعسكر الجزائر، أم النفط الرجعي كما يسمونه ويتدفق في دول الخليج؟
ولا ريب أن المسألة تختلف كثيرًا بهذا المقياس، فثقافة النفط التقدمي غير الثقافة النفطية
الرجعية، والقوم لم يوضحوا أي الثقافتين يقصدون.
ولعلهم يقصدون مجمل الثقافة النفطية، وهنا نسأل: هل للنفط ثقافة؟ وما
هي مصادرها وأبعادها وملامحها؟ ثم هل هي ثقافة قديمة أم ثقافة طارئة؟ وكيف تحكم
على مثقف بأنه مثقف نفطي؟ هل هو الذي تشتعل حروفه بالحرائق عندما يكتب أو يتكلم؟
أم هو الذي تنتفخ جيوبه عندما يكتب في صحف النفط ودور نشر النفط ومؤتمرات بلاد
النفط؟
وأستطيع أن أطرح أسئلة أكثر من ذلك، ولكن أصحابنا هؤلاء يصرون على أن
يوهموا الناس أن النفط هو عدو الأمة، وبالتالي عدوهم، وللأسف الشديد فإن الكثيرين
منهم تحولوا من صعاليك يدمنون الجلوس على المقاهي إلى مليونيرات بفضل أموال النفط
بشقيه التقدمي والرجعي، وبعضهم له مقالات وكتب منشورة في صحف النفط – على حد زعمهم
ومؤسسات النفط، وأصدقاؤه النفطيون أكثر من أصدقائه غير النفطيين.
والسؤال الآن الذي يغني عن كل الأسئلة: لماذا إدخال النفط في سياق
الحديث عن حرية الإبداع؟ هل لأن الإسلام ظهر في بلد نفطي مثلًا؟ أم يعتقد
المستنيرون المزيفون أن بلاد النفط تصدر الإسلام إلى غيرها من البلاد؟
لا شك في أن هذه شنشنة معروفة، وتورية فجة عن شيء يقصدونه، وهو ثقافة
الإسلام التي تمثل حجر عثرة في طريقهم، وهو طريق التبعية والذيلية للغرب الذي
يهيمن أو يحاول فرض سيطرته على بلاد المسلمين.
والمفارقة هنا أنهم يزعمون في بيانهم الشيوعي أن السياق الاجتماعي
مهدد بالانصياع لمخططات الهيمنة الخارجية، وهم في الوقت ذاته يهيئون المناخ
الاجتماعي لتقبل هذه الهيمنة بتقبل ثقافة أصحاب المخططات الخارجية، والترويج لها
وإطراح الإسلام وإحلال العلمانية مكانه.
فهل يمكن بعد ذلك أن ترى في ثقافة مستنيري الأحكام العرفية إلا
تناقضًا وعارًا يصبهم بالعهر والهوى؟
إننا نريد أن نصدق أصحاب الثقافة اللقيطة فيما يزعمون، ولكنهم يتطوعون
بتقديم الأدلة على تناقضهم وزيف ما يقولون، ويثبتون بما لا يدع مجالا للشك أن
دعاواهم عن الحرية والإبداع دعاو باطلة وغير صادقة؛ لأنهم يريدون الحرية والإبداع
لأنصارهم فقط أما غيرهم فالويل له، وخاصة إذا كان هذا الغير يمثل ثقافة الأغلبية
أو ثقافة الأمة.
ومن هنا كان هجومهم على الأزهر بوصفه رمزا للإسلام الذي يرونه عائقا
للحرية والإبداع، أو سلطة إرهابية ضد الحرية والإبداع، وهذا ما سنتناوله في الحلقة
التالية إن شاء الله.
*أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا