; الثراء.. بين الكسب المشروع والبذل المطلوب | مجلة المجتمع

العنوان الثراء.. بين الكسب المشروع والبذل المطلوب

الكاتب عبدالحميد محمد الجلال

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 17

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

الملكية الخاصة في الإسلام ملكية تحقق رغبة الإنسان الفطرية في التملك، وفي الوقت نفسه محاطة بسياج من قيود وضوابط الشارع الحكيم لِتظل في منأى عن كافة الأساليب الربوية والاحتكارية والاحتيالية.. أي ملكية نظيفة غير مستغلة تستند إلى الجهد المشروع إعمارًا للأرض، وتحقيقًا للحياة الطيبة لعموم أفراد المجتمع المسلم، فهي ما تقررت أساسًا إلا لجلب المصالح ودرء المفاسد.

وبالتالي فالملكية الخاصة في الإسلام أداة تساهم في ظهور تفاوت منضبط في الملكيات والدخول الخاصة، تفاوت لا طغيان ولا استغلال فيه في إطار مبدأ تكافؤ الفرص، تفاوت طبيعي ناتج عن تفاوت الأفراد أساسًا في القدرات والملكات الخاصة منشؤه الخالق سبحانه وتعالى الذي فاوت بين خلقه في العقول والفُهوم والأخلاق والأموال والأرزاق ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا.

يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّاۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 31 - 32).

وهكذا.. فإن ظهور الأثرياء في المجتمع المسلم نتاج طبيعي لهذا التفاوت، فالثراء في الإسلام ثراء محمود، صاحبه ملتزم بمصادر الكسب والتملك المشروع، أمواله وممتلكاته نتاج لهذا الجهد المشروع والقدرات والملكات الخاصة التي حباه بها الخالق سبحانه وتعالى، كما أن الثراء في الإسلام أمانة ومسؤولية ملقاة على عاتق صاحبه تستلزم منه تسخير جزء من أمواله لصالح دينه ومجتمعه عبر المساهمة في المشروعات الاستثمارية النافعة التي تستوعب أعدادًا من أفراد المجتمع المسلم المحتاجين إلى العمل، وعبر مساعدة عموم الفقراء والمحتاجين.

ولقد حَفل التاريخ الإسلامي بعطاء نخبة من أبنائه الأثرياء الذين ساهموا بأموالهم وممتلكاتها في ترسيخ دعائم الإسلام والمسلمين، وهنا أسوق - للقارئ الكريم - نماذج من هذا العطاء:

فهذا الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه يُجهز جيشًا بأكمله من ماله الخاص، فقد جهز جيش العسرة، فروي أنه جهزه بألف دينار، وروي أنه جهزه بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وروي أنه جهزه بتسعمائة وخمسين بعيرًا، وأتم الألف بخمسين فرسًا، كما اشترى رضي الله عنه من ماله الخاص بئرًا للماء بعشرين ألف درهم وجعلها لسقيا المسلمين، واشترى موضعًا بجوار مسجد رسول الله ﷺ لصالح توسعته.

وهذا عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه ينفق جزءًا كبيرًا من أمواله لصالح الجهاد في سبيل الله ولصالح فقراء المسلمين، فقد تصدق على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، وساهم بخمسمائة فرس لصالح الجهاد، وأوصى لكل من شهد بدرًا بأربعمائة دينار.

وهذا هو الزبير بن العوام رضي الله عنه كسابقه في عمل الخير ونصرة المحتاجين، فقد كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فكان لا يدخل بيته شيئًا منه، بل يتصدق به كله (الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، والاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر القرطبي، وحياة الصحابة لمحمد يوسف الكاندهلوي).

وتحوي كتب التراث الإسلامي أمثلة ونماذج أخرى لأثرياء البذل والعطاء.

وأثرياء المجتمعات الإسلامية اليوم قد سلكوا في سبيل حصولهم على المال وتنميته اتجاهين متناقضين، فريق منهم خرج عن جادة الصواب والسلوك القويم، وارتأى منهجًا للكسب والتملك يعتمد أساسًا على المصادر التي حرمها الشارع الحكيم والمتمثلة في أساليب الربا والاحتكار والاحتيال.

فهذا الفريق ذو نزعة استغلالية غايته تعظيم أمواله وممتلكاته بشتى الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق هدفه المادي المنشود.

وأما الفريق الآخر ذو السلوك القويم فتمسك بتعاليم دينه في الكسب والتملك ونأى عن كافة طرق الكسب الحرام، فهذا الفريق على نقيض الفريق الأول، آثر السلامة والنجاة والكسب الطيب والحياة الطيبة التي ينشدها كل إنسان سوي.

بالنسبة للفريق غير الملتزم.. أي صاحب الكسب غير المشروع، فلا شك أن أعمال البذل والعطاء منحصرة عنده بدرجة كبيرة، فمن ابتغى الحرام كسبًا وتملكًا فقد حصر في دائرته، وذلك هو الخسران المبين.

وأما بالنسبة للفريق الملتزم فهم على فئتين: فئة شغلت بنشاطها المادي ومحاولة توسيع دائرته عن البذل والعطاء.. ومن ثم فهي في خضخض نشاطها المادي هذا في غفلة تامة عن وعد الحق سبحانه وتعالى لمن يتصدى للبذل والعطاء بالأجر والثواب العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ (فاطر: 29 - 30)، ويقول تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًاۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المزمل: 20)، ويقول تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148).

وأما الفئة الأخرى فهي الفئة القدوة.. الفئة التي منّ الله عليها بنعمتي الكسب المشروع والبذل والعطاء، فآثرتهما على الكسب الحرام والشح والإمساك، فاستحقت الفوز والفلاح مصداقًا لقوله تعالى: ﴿.. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

إن وجود هذه الفئة في هذا الزمان المادي يؤكد على أن أرض الإسلام ما زالت تحمل الخير بين جنباتها فقد دفع الإيمان والصلاح والتقوى أفراد هذه الفئة إلى المساهمة بجزء من أموالهم وممتلكاتهم، وبصفة دورية لصالح عموم المحتاجين وجمعيات البر.

وهنا ينبغي اغتنام الصحوة الإسلامية المباركة التي أخذت تعم أقطار العالم الإسلامي بالسعي إلى توجيه أثرياء المسلمين إلى أهمية التمسك بالإسلام كدين ونظام حياة في كافة التصرفات والأفعال، وبالذات في مجال الكسب والتملك، وكذا أهمية البذل والعطاء أسوة بالسلف الصالح.

إن المطالبة بمفهوم الثراء في الإسلام كسبًا وبذلًا إلى المنبع والمنشأ سوف تساهم بالتأكيد في مد بساط الرحمة والأخوة بين كافة المؤمنين مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، بما يؤدي بدوره إلى دعم وترسيخ هذا الكيان الإسلامي الكبير.

الرابط المختصر :