; الثبات حلية الدعاة | مجلة المجتمع

العنوان الثبات حلية الدعاة

الكاتب شوقي محمود الأسطل

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996

مشاهدات 79

نشر في العدد 1198

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 30-أبريل-1996

لما كان الصراع بين الحق والباطل صراعا أبديا، ولما كان ظهور الحق في نهاية المطاف وطلوع فجره سنة ربانية في هذا الكون، كما قررت آيات الكتاب العزيز ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]، فقد اقتضت حكمة الخالق – سبحانه - أن تتحقق هذه السنة، وينفذ هذا القانون الرباني برجال وصفهم، فقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146]، فهذا الصنف العظيم من البشر الذين اصطفاهم الله للقتال مع أحب الخلق إليه كان الثبات لهم شعارًا في معاركهم، وطريقًا إلى النصر في جولاتهم مع أرباب الباطل وأنصار الظلام.

 لذلك فلا عجب إن كان هذا الخلق الإيماني أحد أركان البيعة في دعوة الإمام الشهيد حسن البنا- رضي الله عنه - وقد أبان عن مراده منه، فقال: «وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملا مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعدت المدة، وتطاولت السنوات حتى يلقى الله على ذلك، وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية، وإما الشهادة في النهاية»، «انظر رسالة التعاليم».

والأسباب المعينة على التحلي بهذا الخلق الرفيع كثيرة منها:

1- اليقين بوعود الله لعباده بالنصر والتمكين، ولو بعد حين لقوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ﴾ [النور: 55].

فهذا وعد مطلق في الزمان والمكان للمؤمنين يقوي عزائمهم، ويشحذ هممهم، ويسمو بنفوسهم نحو استشراف غد أفضل كالذي تطلع إليه الصحابة زمن الاستضعاف، فقد روى الربيع بن أنس عن أبي العالية في نزول الآية: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين، وهم خائفون لا يؤمرون بقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة فقدموها، فأمرهم الله بالقتال فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا منهم قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: «لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة»، وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان؛ حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف، فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير بهم.

٢- بشارات النبي – صلى الله عليه وسلم - لأهل الإيمان بالظهور والغلبة، ومنها: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل به الكفر»، (رواه ابن حبان).

- وإخباره بعودة الخلافة إلى أرض الإسلام في نهاية الأمر بعد طول غياب، فعن النعمان بن بشير قال: كنا قعودًا في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة، فقال: يا بشير أتحفظ حديث رسول الله في الأمراء؟، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته.. قال صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله، ثم تكون ملكا جبريا، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»، «رواه أحمد وأبو داود والترمذي».

ونختم ببشارتين جاءتا في حديث واحد تحققت إحداها وبقيت الأخرى، وهي لا بد آتية كفلق الصبح، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكتب إذ سئل رسول الله-صلى الله عليه وسلم -: «أي المدينتين تفتح أولا: أقسطنطينية أو رومية؟، فقال: مدينة هرقل تفتح أولا».

وقد فتحت علي يد محمد الفاتح تصديقا للبشارة بعد حوالي ثمانية قرون من الخبر عن الصادق المصدوق، أما روما عاصمة إيطاليا اليوم ورمز النصرانية في العالم فما زالت تنتظر جحافل الإيمان، وجند الخلافة؛ لتنعم بثمار التوحيد، كما كان شأن أختها من قبل، وما ذلك على الله بعزيز.

٣- عدم التأثر بالواقع الفاسد وكثرة أهل الباطل؛ إذ لا عبرة بالكثرة هنا، ولا يجوز أن يفت هذا في عضد دعاة الحق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

 [يوسف:103]، وندرة أهل الحق في آخر الزمان مما نطقت به النصوص، فقد روى البخاري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر».

وروى الطبراني عن ابن مسعود: «إن من أعلام الساعة أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد صغار الغنم».

 وروى الطبراني وابن عساكر عن أبي موسى بسند جيد: «ولا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عارًا، ويكون الإسلام غريبا ويهرم الزمان وينقص عمر البشر، وحتى يجهر بالفحشاء، وتقوم الخطباء بالكذب فيجعلون حقي لشرار أمتي، فمن صدقهم بذلك ورضي به لم يرح رائحة الجنة». 

وروي البيهقي عن ابن مسعود: «يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق، وذلك في آخر الزمان إذا لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله، فإذا كان كذلك حلت الغربة، يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يد أبويه إن كان له أبوان، وإلا فعلى يد زوجته أو الأقارب، والجيران يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها».

 فشأن المؤمن الذي قدر له العيش في خضم محيط الفتن أن يكون عملاقًا شامخًا، وطورًا راسخًا، ونورًا ساطعا يبدد الظلمات من حوله، ويعطي من ذاته المثل الأعلى في الاستمساك بالحق والثبات عليه، وإن قل الناصر وندر المعين؛ إذ في مثل هذه الأحوال يعظم الأجر، وتتضاعف المثوبة، كما أخبر سيد الخلق؛ حيث قال: «طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون وعدم بالسنة حين تطفأ». (رواه ابن وضاح في البدع).

 ٤- تمام الإقبال على الآخرة مع الزهد في الدنيا الالتفات إلى زينتها؛ إذ إن من كان هذا شأنه فقد عز وتحرر، وانطلق عبر دروب الإصلاح من غير قيد؛ إذ ملك نفسه وكبح جماح شهواتها، فغدا ملكا عزيزا لا تنحني هامته إلا لمن بيده الخلق والأمر، وعاش في سعادة غامرة لو علمها أهل الدنيا لقاتلوه عليها، فهو يرى نفسه أعظم من هذه الفانية، وأرفع قدرًا من أن يسعى إليها ويخطب ودها؛ إذ لو كانت تعدل عند خالقها جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء، ولما حجبها عن كثير من أصفيائه، ولما نهى أحب خلقه إليه عن التطلع إلى زينتها، فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ  [طه: 131].

 فمن كانت هذه نظرته وتلك فلسفته كان مثله مثل الأشجار، التي تموت واقفة تأبى الذل والخضوع والانكسار؛ لتوحي للمؤمن بعظمة الصبر والثبات على الغاية، وعدم النكوص عن الهدف مهما طال الطريق، وكثرت الصعاب،  وعظمت العقبات؛ إذ العبرة بالمآل، وهو خير على كل حال.

الرابط المختصر :