العنوان الثائرات المصريات
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 190
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 28
الجمعة 10-فبراير-2012
* حملت ولدها ونزلت للميدان تؤازر الرجال وتسهم في الثورة البيضاء.
* بعد سقوط الطاغية انزوت بمنزلها ترقب الأحداث فإن التأم الصف حمدت
وشكرت وإن بدأ خلاف نادت الرحمن بجبر الكسر.
* وعند الانتخابات حملت وليدها ووقفت بالساعات لتدلي بصوتها فهو في
يقينها مواصلة للجهاد.
* المرأة المجاهدة تود أن ترى جميع من حولها سعداء فهذا هو كنز سعادتها
ومصدر عزها.
* استخدم رب العزة كل شعب مصر لإنجاح ثورة ٢٥ يناير رجاًلا ونساء صغيًرا
وكبيرا بجميع الأفكار وكافة المشارب.
سبحان الله، عجيب أمر المرأة المصرية البسيطة التي حملت ولدها ونزلت
للميدان تؤازر الرجال وتسهم في الثورة البيضاء هي وفلذات أكبادها، ثم انزوت
بمنزلها لم تطلب مالًا ولا جاهَا، بل ظلت ترقب الأحداث فإن التأم الصف حمدت وشكرت،
وإن بدا خلاف أي خلاف نادت الرحمن بجبر الكسر وتأليف قلوب العباد.
وعند الانتخابات حملت وليدها ووقفت بالساعات لتدلي بصوتها، فهو في
يقينها مواصلة للجهاد، بل بعضهن من الحوامل وضعن الأولاد والبنات في لجان الاقتراع
حرصًا على بلدها وأهلها، ودخلت بعض الفتيات بلباس العرس الأبيض ببشر وابتسام، فهن
سعيدات بسعادة شعبهن والناشطات منهن كان لهن من المساهمة في الثورة ما كان، ومعهن
جميعا ستكون الصحبة على سطور هذه الوريقات.
جميع الأفكار
استخدم رب العزة كل شعب مصر لإنجاح ثورة ٢٥ يناير، فردًا فردًا صغيرًا
وكبيرًا، رجالًا كبارًا وشبابًا، بجميع الأفكار وكافة المشارب الإخواني والسلفي والليبرالي
والعلماني والنصراني والاشتراكي والناصري، ونساء أمهات وبنات مثقفات وأميات، وأيضا
بجميع الأفكار وكافة المشارب، وهذا هو ما سنسلط عليه اهتمامنا فالمرأة المصرية
كانت تملأ الميدان رأيتهن متجمعات هاتفات مكبرات مستغيثات بالرحمن تهتفن ويهتف
بهتافهن الرجال، رأيتهن وقد اعتلين المنصة للخطابة محمسات مشجعات مقويات للمعنويات
وكان الرجال يستمعون ويتأثرون بما يسمعون ليس هناك تأفف ولا إنقاص من قدر النساء
بل سمعت إحداهن والجميع في أشد المحنة وفي قوة «مبارك» وسلطانه وهيلمانه وهو لا
يريد ترك الحكم وقد تمسك به بكل قواه وكانت الوجوه في الميدان شاحبة مضطربة
فرأيتها وقد أخذت بالميكروفون ونادت من في الميدان وهي تقول: النصر قادم يا شباب
إني أراه سقط مبارك وانتهى أبشروا فقط الدجاجة بعد ذبحها تتحرك بكل مكان ونحسبها
قوية وقد لطخت الجدران بالدماء ولكنها في الحقيقة تلفظ آخر أنفاسها.
أبشروا سقط «مبارك» وسيعدم إن شاء الله بالميدان، كانت كلماتها تدخل
القلوب فتطربها وتأخذ بالحناجر ليعلو التكبير وكأنه يصعد مع كلماتها إلى السماء،
وقد أخذ المستمعون فسا عميقا وكأن الله أرسل لهم هذه المرأة من السماء لتبشرهم.
لم تهتم هي بما يمكن أن يحدث لها بعد لك فقط كان جل تفكيرها تثبيت
القلوب الأقدام، وقد فعلت.
نظام يفوق الوصف
كانت الخيام بالميدان متناثرة
بنظام يفوق لوصف خاصة الخيام التي تتبع جماعة الأخوات المسلمات التابعات لجماعة
الإخوان المسلمين، والتي كانت تشكل الأغلبية من ينها، وقد تميزت خيام هذه الجماعة
أن على كل مجموعة منها مكتوب اسم المحافظة التي تتبعها محافظة المنيا بجانب محافظة
أسيوط تجاورها الغربية، مع البحيرة الرجال بأولادهم ومع صحبة الزوجات، وفي يوم
زحام أويت إلى إحدى تلك الخيام، ومع ترحيب الأخت التي كانت تحتمي داخلها كان
الحوار، وقد كانت أرض الخيمة عليها فرش من البلاستيك وإحدى البطاطين الخفيفة فيها
ثلاث فتيات كالورد الفياح واثنان من الذكور غير الأب والأم بالطبع ورأيت طفلها
الرضيع وتعجبت ألا تخافين على أولادك قالت بعزة: إني أخاف عليهم يوم الدين، فنحن
لنا من الليالي ثلاث نعتصم لتنال الحرية ويعود لنا وطننا المسلوب لا تريد سوى رضا
الرحمن والنصر المبين أنا ومن يستطيع من أولادي نقيم الليل مع من يقيمون منظر خلاب
ونحن بالله نستجير لم أذق روعة قيام الليل كما استشعرتها مع المصلين في ميدان
التحرير ولن أبالغ إن قلت لك: إني أشعر وكأن الملائكة بيننا يسبحون ويقدسون
ويسجدون ويركعون اغرورقت عيناي بالدموع فرحا، كان هذا نموذجا لحال أسرة من أسر
جماعة الإخوان المسلمين، ومثلها مئات ولربما آلاف من أسر هذه الجماعة وأسر غيرها
من المسلمين أمسكت بيديها مودعة، وتذكرت منظرا شهدته بعيني قبل ذلك وسمعته بأذني
حين كان بعض الشباب يلحون على أخ لهم أن يذهب إلى بيته ليأخذ حمامًا ويبدل ملابسه
بعد أن مكث في الميدان خمسة عشر يومًا متصلة لا يغادره ولم ير خلالها ابنه الوليد الذي
ولد يوم حضوره إلى الميدان، فرفض الشاب قائلًا: إنني على ثغرة ولن أغادر موقعي حتى
يحكم الله بيننا، إنني من جماعة الإخوان المسلمين وإن فشلت هذه الثورة فأنا مقتول
لا محالة مع باقي أفراد الجماعة، وإن حدثت اشتباكات مع النظام فأغلب الظن أني
سأقتل أيضا وأنا أحب أن أقتل شهيدًا، لا أعلم إن كان قد نال الشهادة أم لا، ولكنني
غادرت الخيمة وأنا أردد بمثل هؤلاء يأتينا النصر برحمة الرحمن الرحيم.
موقعة الجمل
في يوم موقعة الجمل أيضا رأيتهن مع أطفال رضع وأفراخ صغار، لم يتركن
الميدان بل احتمين بمسجد عمر مكرم ومن هناك كان الانطلاق من تستطيع منهن تشارك في
المواجهات يسقين الشباب المياه ويذهبن الصفوف الاشتباكات الأولى غير مباليات
بأعمار تقصف أو عين تفقع، وقد وقف بعضهن على باب المسجد حاميات للأخريات خصوصًا
بعد تناقص الرجال وذهاب الجميع المواجهة لم يطلبوها ولم يسعوا إليها، ورأيت النساء
يدفئن أولادهن بأجسامهن، وبعضهن يلهون أولادهن الجوعى الذين يبكون طلبًا ولو لكسرة
من الخبز، وسمعنا تكبيرًا فقالت إحدانا: الحمد لله الثوار انتصروا هيا لنخرج ونطمئن
على الأولاد والأزواج ردت أخرى الاثنان يكبران، أختاه لا تبرحي مكانك وبالفعل كانت
تلك من المفارقات فالجانيان أنصار الثورة ومناهضو الثورة يكبرون ولكن هنا تتجلى
عظمة الخالق والذي وحده يعلم ما في القلوب، ومن المكبر خالصا لله ومن يكبر باللسان
ويهمهم بها كالأنعام، رأيت بعضهن يبكين حزنا وحسرة وفزعا من أصوات القنابل المسيلة
للدموع وطلقات الرصاص وصوت المولوتوف.
هدوء النفوس
فخرجت إحداهن وكبرت وأقامت الصلاة ثم دعت دعاء لا أتذكره، ولكنني استشعرت
أن رب السماء قد استجاب، فارتاحت الأعصاب وهدأت النفوس وكان النصر بالفعل قد جاء بل
رأيت بعضهن وقد احتضنهن السبات وهن جالسات منظر قد توقف عنده الزمن ليصوره في
الوجدان فتظل صورته حية السنوات وسنوات إن كان هناك سنوات.
كانت المرأة الثائرة المصرية قد وهبت يومها وليلها لله وللثورة، وهيا
لنصحبها في رحلة يوم وليلة لنرى كيف كان عملها: إنها تمكث يومها بالميدان مشاركة
مثبتة مؤيدة محفزة معينة ومساعدة حتى عودتها من الميدان، وهي دومًا رافعة لعلم
بلدها، وحتى في وسائل المواصلات تدعو إلى النزول للميدان، وفي الشارع أيضا تشجع
الجميع على ما تسميه بيقين جهادًا، وطوال الطريق تحييها اللجان الشعبية من الشباب
والرجال وتسير في حمايتهم وتحت أبصارهم إلى أن تصل إلى منزلها، ولكنها لا تنزل
الراية هناك فما زال لديها الكثير من الأعمال، فهي تؤمن منزلها وأولادها خوفا من
دخول البلطجية عليهم كما حدث في بيوت أخرى.
مصاحبة أسرة:
ولنكن في صحبة أسرة لعدة دقائق لنرى ماذا يفعلون لحماية أنفسهم، كل المناضد
الترابيزات والكنبات يغلقون بها مداخل الأبواب، وكل فرد من أفراد الأسرة يحمل علبة
رش مبيد حتى يفاجئ به البلطجي إن تعدى عليهم ويتناوبون الحراسة كل فرد له ساعات
محددة من نوم الليل، مع ترديد الأذكار وبعض الأسر اشترت سلاحًا وبعضهم مسدسات صوت
وابتسمت عندما علمت أن إحدى الأخوات وضعت الحلل والأطباق خلف بابها وعند سؤالها
قالت: حتى أعلم دخول البلطجي اصرخ بأعلى صوتي فتنقذني اللجان الشعبية أما اللجان
فلها قصة فكل شارع ينزل الموجود فيه من الرجال إلى الشارع طوال الليل كل منهم يحمل
في يده أي شيء يد مكنسة سكين عصا من الخشب، مسدس، أي شيء سبحان الله كان يقذف
الرعب في قلوب المعتدين، ويقوم شباب اللجان الشعبية بعمل حواجز على عرض الشارع
المواجهة لسكنهم، حيث يقومون بالتفتيش على السيارات المارة بدقة، وأيضا المارين
بالطريق.
ضبط البلطجية
وأتذكر أحد البلطجية كان قد سرق سيارة وأراد أن يمر من اللجنة الواقفة
أمام منزلنا فدهس أحد المشتركين في اللجنة ليمر بدون تفتيش فقتله على الفور وفي
ثوان كان الأرض تفجرت بمئات من الشباب من أين أتوا؟ وكيف وصلوا؟ أمر عجيب فقط
أحدهم يستغيث ليهرول كل من في اللجان المجاورة لنجدته، وأوقفوا السيارة، لا أدري
كيف أوقفوها وقبضوا على من فيها وسلموه للجيش، وكفنوا الشهيد الذي هو منهم وصلوا
عليه، وهو ابن الجار من جيراننا والمشهد الذي أتذكره أيضًا أن أحد السائقين أراد
أن يمر بعد ذلك بلا تفتيش فأوقفوه وأنزلوه ومن غضبهم الشديد أرادوا الفتك به
فتكالبوا عليه ضربًا وركَلا، وأراد ولدي إنقاذه من بين أيديهم فحملوا ابني كالريشة
وأبعدوه، وهذا بالطبع كان كافياً ليبتعد اللصوص والبلطجية عن هذه الأماكن التي بها
لجان شعبية.
كان على المرأة المصرية الثائرة مسؤولية إطعام اللجنة الموجودة أمام
مسكنها، وأيضاً إطعام من تستطيع من ثوار التحرير لأن المحال كانت مغلقة.
إعداد الطعام للثوار
فكانت بمجرد رجوعها من ميدان التحرير تقوم بعجن الدقيق وتهيئته، وطوال
الليل هي وكل أفراد أسرتها من البنات والنساء يقمن بعمل الفطائر والكيكات والبيتزا
والخبز، يوزعن ما يوزعن منه على اللجان الشعبية، وبعد صلاة الفجر تفتح الشبكة العنكبوتية
لتعرف الأخبار، وتدخل مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك من أجل التواصل مع الثوار
الآخرين، ولتكتب كلمات لتشد الأزر، ولتدعو الشباب والفتيات للنزول ل ميدان التحرير
ليكونوا معهم جميعًا في إعلاء كلمة الرحمن الرحيم، بل إن البعض منهن كن يسجلن ما
رأين من أحداث طوال اليوم للاحتفاظ بها، أو لإرسالها إلى جريدة أو إحدى المجلات
لتسجيل تاريخ الثورة ستظل حية ولن تموت ومع نسمات الصباح الأولى يحملن الحقائب
المليئة بالمخبوزات والتمر والعصير، والمياه، ليفطر ثوار التحرير النائمون
المعتصمون بالميدان وتمر عليهم هي وبناتها وأولادها توزع ما أحضرت وهي تذكر الجميع
بتجديد النية لتكون خالصة لله رب العالمين.
زغاريد الفرح
لذلك حينما تنحى «مبارك» عن حكم مصر، سمعنا الزغاريد النسائية من معظم
البيوت وصبين الشربات ووزعن الحلوى ونزلت النساء للمساجد بعضهن لأول مرة من سنوات
فقد كانت المساجد مغلقة أمام بعضهن، ويمنع اجتماعهن فيه، ويمنع عمل حلقات الدروس
وبدأ سيل النساء المحجبات كالدر المنثور ساعيات إلى المساجد لتلقي العلوم، وعندما آن
أوان الانتخابات كانت النساء أولى الحاضرات، وفي الإعادة لم تفوتهن المشاركة فذهبن
إليها حاملات أولادهن على أيديهن، واضعات بلادهن في قلوبهن محددات أهدافهن في
عقولهن ونصب أعينهن راغبات في عطاء ربهن. حياك الله يا من ثرتي من أجل الحق ومن
أجل الله في كل أنحاء الدنيا، فقد خرجت لله، ووقفت لله، وتحدثت لله، وجاهدت لله.
ولا تنتظرين أن ينظر إليك أحد بعين الرضا بل تكتفين بالرجاء بأن ينظر
إليك ربك بعين الرضا، فلك التحية ولك التقدير بالفعل عجيب أمر المرأة المجاهدة تود
أن ترى جميع من حولها سعداء، فهذا هو كنز سعادتها ومصدر عزها.
(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية
والدعوية